وداعًا جدتي
| سمر دويدار
- إسلام أون لاين |
3/1/2001
|
جدتي
الحبيبة سميحة، وددت لو استطعت أن أراك
هذا العيد.. أسرع إليك لأقبل يديك
وأهنئك به وأسمع دعاءك "الله يرضي
عليك"، ولكنك رحلت عنا.. رحلت فقط
بجسدك أما روحك وذكرياتي معك فستبقى..
أنا لم أر جدي وذلك لأنه تُوفي وأنا
رضيعة، ولكني كنت أذهب معك كل عام
لزيارته ومعنا باقة زهور مبهجة عند
حلول ذكرى رحيله.. علمتني معنى الوفاء
وأشياء أخرى كثيرة... سأذهب الآن ومعي
باقتي زهور... لعلّي أنعم بسماع دعائك
"الله يرضى عليك".
ذكريات
الطفولة مع جدتي لأبي وجدتي لأمي لا
تنتهي كلها حنان وحب، من خلال علاقتي
بهما أحببت كل الجدات.. ولكن الأمر هذا
العام جاء مختلفًا فلقد فقدت جدتي قبل
حلول عيد الفطر.. وبتذكر الموت
استوقفتني بعض الممارسات الاجتماعية
تجاهه التي قد تختلف ورأي الشرع، مثل:
النعي، والبكاء على المتوفى، وإعداد
الطعام لأهله في أيام العزاء، والحداد
بالملابس السوداء؛ رأيت أن أستعرض رأي
الشرع فيها مع الإشارة إلى ما يصل
المتوفى أو ينفعه بعد وفاته.
النعي
بين البساطة والتكلف
جاء
في موسوعة "المفصل في أحكام المرأة
والبيت المسلم" للدكتور عبد الكريم
زيدان أنه إذا مات المحتضر جاز نعيه،أي
إخبار الغير بموته، ولكن يحذر في النعي
ما جاء في الشرع بالنهي عنه، مثل: تعداد
مفاخر ومآثر الميت، والتطواف بين
الناس بذكره بهذه الأشياء، وإظهار
التفجع والنواح عليه، ونحو ذلك من صراخ
ولطم، وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه.
ونعي
المتوفى في قرى مصر وفلسطين يعتمد على
تناقل الخبر بين الجيران وأهل القرية،
بالإضافة إلى إذاعة شيخ القرية لخبر
الوفاة من المسجد.
أما
في المدينة، فالأمر يختلف بسبب بعد
المسافات حتى داخل المدينة الواحدة،
فالنعي أصبح لإخبار الناس عن وفاة شخص
لتقبل العزاء فيه وليس لدفنه والصلاة
عليه؛ ذلك لأنه يكون لاحقًا لدفن
المتوفى. مثلا في مدينة القاهرة النعي
لا بد وأن يكون في جريدة شهيرة وواسعة
الانتشار داخل وخارج مصر؛ لضمان وصول
المعلومة لكل الأقارب والأصدقاء. ومن
شكل النعي نستطيع تحديد مدى ثراء
المتوفى وأهله ومكانتهم الاجتماعية؛
ذلك لارتفاع تكلفة نشر نعي في مثل هذه
الجرائد التي تصل إلى أرقام فلكية!!
مظاهر
للحزن بدأت تختفي
تتذكر
فلاحة من صعيد مصر – 60 عامًا - وقت وفاة
والدها منذ ثلاثين عامًا أنه كان من
المعتاد أن يستمر النواح والصراخ
والندب مدة أسبوع متواصل تفقد فيه
النساء أصواتهن، ولا ينقطعن عن شرب
المشروبات الدافئة ليتمكن من
الاستمرار، وكلما حضرت إحدى المعزيات
تبدأ في النواح ولا تنقطع حتى تنصرف
مجاملة لأهل المتوفى.. وتؤكد ابنتها أن
الناس الآن بدءوا يذكرون أن هذه
الأفعال لا ترضي الله وأنها تؤذي
المتوفى؛ فأصبح الكثير من البيوت لا
يُسمع فيها صراخ أو ندب عند وقوع
الوفاة، ومن لم يتوقفن عن النواح
تمامًا أصبحن لا يستمررن فيه أكثر من
يوم واحد.
وقد
جاء في موسوعة الدكتور عبد الكريم
زيدان أن النياحة على الميت تعني:
البكاء عليه بجزع وعويل، أو بندبة أي:
البكاء عليه مع تعداد محاسنه. وقد جاء
تحريم النواح وإظهار عظيم قبحه
والاهتمام بإنكاره والزجر عنه؛ لأنه
مهيج للحزن ودافع للصبر، وفيه مخالفة
للتسليم بالقضاء والإذعان لأمر الله
تعالى، أخرج أبو داود في (سننه) عن أم
عطية قالت: "إن رسول الله –صلى الله
عليه وسلم- نهانا عن النياحة".
كما
تكره النياحة ورفع الصوت مطلقًا في
التشييع، وإن كان بقراءة قرآن أو ذكر
أو استغفار أو غير ذلك، ولا يقال غير:
"بسم الله وعلى ملة رسول الله". عن
أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي -صلى
الله عليه وسلم- قال: " لا تتبع
الجنازة بصوت ولا نار".
البكاء
أما
عن الحزن والبكاء لموت عزيز علينا،
فالحديث التالي يفسر البكاء المباح
والحزن الجائز وهو ما كان بدمع العين
ورقة القلب راضيًا بأمر الله.
أخرج
البخاري عن أنس بن مالك قصة وفاة
إبراهيم بن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وفيها: "ثم دخلنا عليه بعد ذلك
وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- تذرفان. فقال
له عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه-:
وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف،
إنها رحمة. ثم أتبعها بأخرى، فقال –صلى
الله عليه وسلم-: إن العين تدمع والقلب
يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا
بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
(إنها
رحمة) أي الحالة التي شاهدتها مني هي
رقة القلب على الولد لا ما توهمت من
الجزع. وقوله: (ثم أتبعها بأخرى) أي:
أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى.
الحداد
واللون الأسود
اللون
الأسود مرتبط تمامًا بعزاء السيدات في
قرى ومدن مصر، وتستمر فترة الحداد –
ولبس الملابس السوداء – فترات تطول أو
تقصر تبعًا لمدى قرابة الشخص المتوفى،
فالأبناء أو الزوج أو الوالدان قد تطول
فترة الحداد عليهم بالملابس السوداء
لسنوات طويلة قد تنتهي أو لا تنتهي،
وذلك تعبيرًا عن مدى الحزن والولاء
للمتوفى، وكلما بعدت صلة القرابة قصرت
مدة الحداد، فمثلاً الحما أو الحماة قد
يكفي الحداد عليهما مدة أربعين يومًا
فقط.
لكن
جاء رأي د.أحمد الشرباصي من كتابه "يسألونك
في الدين والحياة" أن لبس السواد عند
حدوث المصائب أو وقوع الموت بدعة سيئة
لا أصل لها في الدين، وكل بدعة ضلالة.
وقد اتَّخذ الناس هذه العادة
المُبتدعة إظهارًا للحزن وإشعارًا
بالمُصيبة.
والسُّنة
هي لبس الثياب البيض في كل الأحوال ـ
فرَحًا أو ترَحًا ـ فإن حديث النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "الْبسوا
من ثيابكم البِيض، فإنها مِن خيرِ
ثِيابكم، وكَفِّنُوا فيها
مَوْتَاكُمْ".
وقد
جاء حديث آخر يقول: "البسوا البَياض،
فإنه أطْهر وأطْيب وكفِّنوا فيه
موْتاكم".
وينبغي
أن نعلم أن الحداد لا يجوز أكثر من
ثلاثة أيام، إلا ما يكون من حداد زوجة
على زوجها، فإن مدة حِدادها أربعة أشهر
وعشرة أيام.
العزاء
تعزية
أهل الميت سنة لقوله صلى الله عليه
وسلم: "من عزى مصابًا فله مثل أجره"،
وعموم الأحاديث الدالة على مشروعية
التعزية تشمل المعزين رجالاً كانوا أم
نساء، فللمرأة بناء على هذا العموم، أن
تعزي أهل الميت، أما الغرض من التعزية
فيمكن تحديده في ثلاثة أشياء:
أولاً:
تهوين المصيبة على أهل الميت،
وتسليتهم عنها، وحضهم على التزام
الصبر، واحتساب الأجر، والرضا بالقدر
والتسليم لأمر الله تعالى.
ثانيا:
الدعاء بأن يعوضهم الله تعالى عن
مصابهم جزيل الثواب.
ثالثًا:
الدعاء للميت والترحم عليه والاستغفار
له.
وعن
أجر المعزي أخرج ابن ماجه في (سننه) أن
النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما
من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه
الله سبحانه من حلل الكرامة يوم
القيامة".
وعن
عدد أيام العزاء، فقد اتفق أئمة
المذاهب الأربعة على أن يكون وقت
التعزية من حين الوفاة ولمدة ثلاثة
أيام فقط.
مصلحة
الصغار أولاً
ومع
جواز الجلوس للتعزية وحصول الفائدة
بالدعاء للميت وللمصاب وللمعزي، فمن
لا يجلس للتعزية لا يكون مقصرًا، وله
أسوة حسنة بالسلف الصالح الذين ما
كانوا يجلسون للتعزية، وإنما كانوا
يقومون بها في وقتها بعد الدفن أو
قبله، ويمكن أيضًا أن يحدث ذلك بدون
الجلوس للتعزية.
وهنا
أود الإشارة إلى ظروف الجلوس للعزاء في
مدينة القاهرة، النساء يتوجهن لمنزل
المتوفى لتقديم واجب العزاء للسيدات..
لكن البيوت صغيرة ولا تستوعب أعداد
المعزين من الرجال؛ فيتم إقامة سرادق
للعزاء في الشارع بجوار منزل المتوفى
تتوفر فيه الكراسي والقهوة ومن يقدمها
ومقرئ يتلو القرآن، أو يتم حجز صالة
تسمى دار مناسبات تكون ملحقة بمسجد
وتوفر المقرئ والقهوة. الخياران –
السرادق أو دار المناسبات – كلاهما
مكلف. ومثل هذه النفقات تقتطع من تركة
الميت التي آلت إلى الورثة، وقد يكون
فيهم صغار، وفي رأيي لا يجوز إضرارهم
بمثل هذه النفقات غير المبررة شرعًا.
اقرأ
أيضًا:

|