بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

الجسر

أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط


بيت في عاصفة

خالد نايف صافي

15/1/2001

مالت الشمس نحو الأفق بحزن أبدي، كللته وردية الشفق بشاعرية مرهفة، تُبعد النَّفْسَ عن كل مزاعم القوة والجبروت؛ لتتضاءل وتصبح في عداد الهواجس والترهات، شعور يجبرك على الاعتراف بحتمية الفناء رغم أنفك..

هذا ما دار بخلد (أبو حسام) وهو يتأمل الغروب من شرفة منزله الصغير في تلك المنطقة النائية التي تبعد عن مركز المدينة؛ فمنذ صغره وهو يحب الهدوء ويعشق الحياة بعيدًا عن كل المنغصات التي تعج بها المدن غالبًا.. من أبواق السيارات المزعجة، إلى غبار الطريق الذي لا ينضب، إلى الصخب والضوضاء المصاحبة لكل حدث أو مناسبة؛ لذا فقد ارتأى أن يبتعد وأسرته قدر الإمكان عن كل هذه الآثار المضرة، إلا أنه أحس شيئًا فشيئًا بالضريبة يدفعها أضعافًا مضاعفةً في كل يوم، وعلى حساب صحته ونفسيته؛ فهو بعيد عن مسقط رأسه.. وعن أهله.. وأقاربه..، بعيد عن تلك الأحداث التي يعانيها أبناء شعبه في هبَّتِه دفاعًا عن الأقصى، وذودًا عن حياض مقدساتهم.. كم بكى قلبه النابض حزنًا وهو يشاهد جنازة شهيد تمر أمام ناظريه في التلفاز؟!.. ينفطر فؤاده لهذا المنظر كل يوم مرات ومرات.. يغص حلقه بمرارة لا حدود لها؛ لأنه لا يقدر أن يمشي في هذه الجنازة.. لا يقدر بعد إصابته التي أرغمته على ملازمة كرسيِّه مدى الحياة.

- "هيا يا (أبو حسام).. طعام العشاء جاهز"

أخرجه نداء زوجته هذا من خواطره؛ فدار بكرسيه المتحرك، وأخذ يدفعه تجاه الردهة المجاورة، وهو يبحث بعينيه عن أبنائه ويتفقدهم، ثم سأل بعبارة حاول أن يعطيها طابع الصرامة المعهودة لرجل البيت:

- "أين (حسام)؟.. مالي لا أسمع له صوتًا؟"

أجابته زوجته وهي تعد المائدة، وترتب الأواني فوقها:

- "منذ أن باضت له يمامته الجديدة وهو يلازمها طوال النهار.. "

ثم استدركت بحنان أُمَوِيٍّ:

"لا أدري ماذا سيفعل عندما تفقس.. ربما سينام معها!.."

واتجهت بحديثها لأصغر بناتها قائلةً:

- "اذهبي يا (منى)، وأخبريه أن طعام العشاء جاهز..، وأبوه يريده حالاً"

أجابت الصغيرة في احتجاج:

- "أنا لن أذهب إلى هناك؛ فهو يتحين الفرصة كي يضربني بعدما ما دهسْتُ قدم حمامته المصونة هذا الصباح، وعلى كل حال فهو سيمنعني من دخول قفصه.."

مطت الأم شفتيها في نفاد صبر، وقالت موجهة حديثها لابنها الثاني:

- "إذن اذهب أنت يا (حمادة).. هيا يا حبيبي.. سننتظر قدومكما، ولن نبدأ الأكل حتى تأتيا.."

قام (حمادة) في كسل واضح، وهو يتململ تارةً، وينظر للطعام في حسرة تارةً أخرى؛ فقد كان يُمني نفسه بوجبة دسمة بعد يوم شاق قضاه في تنظيم حديقته الجديدة خلف المنزل، إلا أنه تحامل على نفسه أخيرًا، ونهض مسرعًا حيث حظيرة أخيه الخاصة بكل الطيور التي يعشق تربيتها، ويوليها رعايته؛ بل ويهوي الجلوس معها، وكأنه يسامر صديقًا عزيزًا، أو يجالس رفيقًا قريبًا..

كثيرًا ما كان يسأل نفسه: ما الذي يجعل أخاه (حسام) ينغمس لهذه الدرجة في هوايته، التي لا يرى أنها ذات فائدة كزراعة النباتات وتنسيق الحديقة؟!؛ فالنباتات لا تحتاج لكثير من الجهد والعناء حتى تكبر، وتزدهر، وتعطي قشدة لبنها كالطيور التي غالبًا ما تحتاج للكثير من الرعاية، والرقابة، والعناية، والاهتمام.

أرجأ هذه التساؤلات لوقت لاحق، وأدخل رأسه في فتحة الباب الخاصة بالحظيرة، وهو يعرف أن وجهه سيقابل ذلك السلك الشبكي ماثلاً أمامه، ثم نادى بصوت مرتفع اضطرب له سكون المكان:

- "(حسام).. (حسام) أين أنت؟"

جاءه صوت (حسام) من الداخل هامسًا يحثه على الصمت:

- "ش ش ش.. أنا هنا أيها الغبي.. اصمت..؛ فقد أيقظت بصوتك الموتى في قبورهم".

ثم فتح له الباب، وأدخله على عَجَل، وأغلقه خلفه بإحكام، وولجا بعدها من باب شبكي، ليصبح الاثنان داخل القفص؛ فلزم (حمادة) الهدوء وجلس جوار أخيه صامتًا يرتقب.. وقد نسي كل شيء عن طعام العشاء..

إلا أن فضوله لم يمهله على هذه الحالة كثيرًا؛ فسأل (حسام) قائلاً:

- "ماذا هناك؟ لماذا نجلس هكذا صامتَيْنِ؟ هل سيبدءون بقصف بيت الطيور؟

أجابه (حسام) هامسًا دون أن يبعد ناظريه عن مراقبة أحد الأقفاص أمامه:

- " لا، لن يحدث شيء من هذا، اطمئن.. لقد قمت بنقل بيض اليمامة الجديدة إلى قفص آخر.. وأريد أن أعرف ماذا ستفعل؟"

تَأْتَأْ تلك التَأْتَأَةَ المشهورة وقال بإشفاق:

- "مسكينة تلك اليمامة.. لقد وقعت في يد سفاح.. بل قاتل يقتل وبدم بارد كما يقولون في التلفاز.."

نظر إليه بتهكم وقال مستهجنًا:

- "سيفسد التلفاز عقلك يومًا.. أي دم بارد هذا يا أبله؟.. إنني أريد أن أُطْلِقَهَا"

أومأَ برأسه، وعلى وجهه أمارات الفهم جلية:

"تعني أنك تريد أن تحررها من هذا القفص.. ولكن قبل ذلك ستجعلها تنسى أمر بيضها حتى تفارقه وهي هادئة البال.. أليس كذلك؟!"

زفر (حسام) في نفاد صبر، وقال بعصبية أكثر:

- يا لكَ من غبيٍّ!.. إنني أريد أن أُطلِقَ هذه اليمامة هي وصغارها معًا، ولكني أريد أن أُعَوِّدَهَا على مكان بيضها؛ حتى تهتدي إليه بنفسها، وترجع له دومًا؛ لذا فأنا منذ الصباح أنقل بيضها من مكان لآخر، وأنتظر.. ماذا ستفعل، وفي كل مرة أجدها تهتدي إلى البيض، وترقد عليه"

ثم تابع حديثه قائلاً:

- " وغداً في أثناء قطفنا للزيتون، سأضعها والبيض في مكان آمن في شجرة الزيتون التي أمام البيت؛ فاليمام يحب الشجر الوارف حتى يغطي نفسه جيدًا، كما أنها قريبة من شرفة غرفتي، وأستطيع مراقبتها عن كثب من هناك.. هل فهمتَ؟!"

أَومَأَ برأسه إيجابًا، ثم استدرك باضطراب قائلاً:

- "نـ .. نعم فهمتُ.. فهمتُ.. و.. ولكن مَن أدراك أنها لن تفر تاركة البيض والعش الجديد حالما تتركها للهواء الطلق؟"

فاجأه السؤال وبقوة.. فأطرق صامتًا يفكر، وهو يدير الأمر في رأسه، هل من الممكن أن تترك صغارها وتفر اليمامة بنفسها؟ هل توجد عاطفة الأمومة لدى الطيور كتلك التي بين بني البشر؟ هل ستشعر بالانتماء لهذا المكان، وتعود إليه مرةً أخرى؟.. هل؟

ظل السؤال يلح عليه، إلا أنه أبعده عن مخيلته وقال محاولاً إقناع نفسه:

- "طبعًا.. سأصنع لها عشًّا قويًّا جميلاً.. وسأوفر لها كل شيء.. نعم كل شيء.. سأضع لها بعض الطعام أيضًا.. و.. "

قاطعه (حمادة) وقد انتفض واقفًا:

- "الطعام.. يا إلهي لقد نسيتُ أن أخبرك.. إن طعام العشاء جاهز.. والجميع في انتظارنا الآن"

بعدها.. انطلق الاثنان يهرولان..

***

- "لن تجدا شيئًا للأكل في المرة القادمة.. فنحن لن ننتظر قدومكما الميمون حتى الصباح.. مفهوم؟!

استقبلهما أبوهما بهذه العبارة التي صاحبتها نظرات غضب تتدفق من عينيه، فأومأ كلاهما برأسه إيجابًا دون أن ينبسا ببنت شفة؛ فتابع الوالد قائلاً:

- "وليكن في علمكما أن غدًا الجمعة سنقطف ثمار الزيتون التي حول البيت، وسنبدأ بتلك التي أمام البيت.. لذا يتوجب عليكما الاستيقاظ مبكرًا"

نظرا إلى بعضهما بإشارة ذات معنى؛ ثم لاذا بالصمت طوال الوقت.

- "هيا يا (حسام) اصعد على هذا السلم الخشبي، وابدأ القطف من الأعلى، وسأتولى أنا، و(حمادة) الجوانب، أما أنتِ يا أم (حسام) فاجلسي أنتِ و(منى) لتنظيف الثمار من الشوائب، وفصل الغث عن السمين"

أصدر الوالد هذا الأمر إيذانًا ببدء فصل جديد، وحياة جميلة تتسم بها حياة العائلة الفلسطينية الأصيلة منذ آلاف السنين؛ فهذه المراسم تأخذ طابعًا واحدًا منذ أن غرس الفلسطيني قدمه في أرضه جوار فسيلة الزيتون؛ فنما كلاهما، وترعرع، واستمد كلاهما حياته من قرينه؛ فهو يحافظ على شجرته، ويوليها رعايته، ثم وبكل الرقة يطلب ثمارها؛ فتجود هي بها عن طيب خاطر؛ فتتلاعب حبات الزيتون بين أصابعه، وتزغرد نشوة وفرحًا.. وتستمر الحياة.. ويتأصل الزيتون بجذوره، وكذا الفلسطيني..

***

رمى (حسام) بجسده المنهك على أقرب أريكة قابلته بعد يوم حافل مليء بالأحداث الرائعة؛ فقد كان يشعر بالرضا بعد انتهائهم من قطف ثلاث شجرات كاملة هذا اليوم، وقد كلل هذا العمل بإنجاز مهمته الأساسية.. وعلى أكمل وجه؛ فقد اختلس برهة انشغالهم عنه ووضع يمامته وبيضها في عش جميل أعلى شجرة الزيتون كان قد جهزه من قبل، وقد ربط ساقها بخيط خفيف في فرع الشجرة حتى يبعد عن نفسه الشكوك التي زرع أخوه نبتتها في قلبه..

كم جال بخاطره منظر اليمامة مربوطة الساق لا تقوى على الحراك أو الطيران!، إلا أنه حاول أن يقنع نفسه بأن هناك ما يكفي من الطعام؛ فهي لن تذهب لشيء غير الطعام، وسيجلب لها المزيد منه غدًا، أخذ يتقلب في فراشه يمنةً ويسارًا، ثم حزم أمره، وانطلق خارجًا، وتسلق الشجرة، ونظر إلى اليمامة التي فزعت لرؤيته؛ فحاولت التملص إلا أنه أمسكها بين يديه وأخذ يحل رباطها؛ فأخذت ترفرف بجناحيها بقوة؛ فأيقن أنها عازمة على الفرار؛ فحاول أن يربطها ثانيةً إلا أن ضوءًا قويًّا أغشى بصره فجأة؛ فوضع يده تلقائيًّا يحمي بها قرنيته، وقد نسي أمر اليمامة؛ فطارت من بين يديه وانطلقت بعيدًا، وعندما اعتادت عيناه ذلك الضوء القوي رأى من بين أصابعه سيارةً كبيرةً.. بل دبابةً عسكريةً تتجه مباشرةً نحو بيتهم..؛ فراعه منظرها.. وتَسَمَّر في مكانه لحظةً.. إلا أنه نزع نفسه من جموده، وانطلق مسرعًا تجاه المنزل وهو يهتف بصوت ملؤه الخوف والهلع:

- "استيقظوا.. استيقظوا.. لقد هجم اليهود على بيتنا.. استيقظوا.."

***

تجمهر حشد غفير من الناس في تلك الساعة المبكرة من الصباح عند بيت (أبو حسام)، تكتسي معالم الأسى وجوههم، وتطغى عليها أعتى أمارات الحزن..؛

فقد كانت مأساةً حقيقيَّةً.. حتى شجر الزيتون لم يسلم منها..

عائلة كاملة كانت آمنةً أُبيدَت.. وعن بكرة أبيها..

أخذ الناس ينقلون نظرهم بحسرة على تلك الأرواح الطاهرة التي أُزهِقَت..

لا لشيء إلا لأنها.. فلسطينية..

ومن بين أشجار الزيتون المقتَلَعَة كانت هناك شجرة وارفة ضخمة..

تحطم عند أحد أغصانها شيء يشبه بيضة يمامة..

بل بيضتين..

وجوارهما..

قُتِلَت يمامة..

***

اقرأ أيضا:


أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع