حبيبتي..
| الدوحة - محمد عبد العاطي |
11/1/2001
|
سألتُ
دموعي حينما سَالَت: أتبكين من قدر
الله ؟!
توقَفَت
برهة.. ولملمت أحزانها وتمتمت: أستغفر
الله.. الحمد لله على السراء والضراء..
فقط نزلتُ رحمة بها..
الموقف
كان يستحق.. زوجتي الحانية تُصاب بمغص
شديد.. أذهب بها فورًا إلى إحدى
الطبيبات.. تفحصها بيدها.. تُمْعِن
النظر في وجهها.. وبكل برود تخبرها أنها
مصابة.. بورم في الغدد الليمفاوية
وتضخم في الكبد..!!
زوجتي..
المسكينة.. ألجمتها المفاجأة.. دارت
الدنيا بها.. تذكرت وفاة والدها قبل
سبعة أشهر.. مصابًا بالمرض نفسه.. صارعه..
لكن في النهاية كانت الكلمة الأخيرة
للقدر.. قبل ساعات من دخوله القبر نظر
إلى بناته قائلاً: أستودعكم الله،
وأخلد إلى.. نوم طويل.
خرجت
إلىَّ تغالب دموعها.. اهتز قلبي بعنف..
ارتسمت أمامي فجأة صورة مخيفة.. صحراء
باردة.. وبئر جاف عميق.. وحدة موحشة..
وفراغ رهيب..
حاولت
الابتسام لأخفف عنها.. بادرتها بالسؤال:
ماذا قالت؟
نظرت
إلى وجهي.. وارتعشت شفتاها وألقت
برأسها في صدري وقالت بصوت مختنق: ورم..!!
احتضنتها
بقوة.. كنت أريد أن أدخلها في عظام صدري
حتى لا يهاجمها المرض.. طبعت على جبينها
قبلة دافئة وقلت لها.. لا تخافي.. الله
موجود.. وسيرحمنا.
كانت
ليلة السابع والعشرين من رمضان.. شوارع
الدوحة مزدحمة على غير العادة.. مئات
السيارات تتجه إلى هناك.. قلت لها هيا
نذهب إليه.. بابه مفتوح.. تهيئي للدخول..
لن يطردنا.
سارت
بنا السيارة.. ووقفت حيث احتشدت بقية
السيارات.. أمام الجامع الكبير.. الذي
يؤم الشيخ القرضاوي المصلين فيه طيلة
رمضان.. ويقوم بهم الليل... عند الباب
المخصص للنساء ودعتها.. نظرت إليها
بابتسامة رضى وقلت.. ادعيه.. انفرجت
شفتاها قليلاً ونظرت طويلاً وقالت..
سأدخل..
في
دعاء ختم القرآن.. انهمرت دموعي.. بكيت..
نعم بكيت.. شعرت بافتقاري إليه.. تذكرت أبي الذي مات قبل ثلاثة أعوام.. تذكرت
صرخات محمد الدرة.. وتذكرت أم صلاح التي
انتظرت عودته من المدرسة فجاءها يرتدي
ثوب الشهيد.. تذكرت دموعها فبكيت..
تذكرت الفقر والذل السياسي الذي تعيشه
أمتنا فبكيت.. تذكرت دموع زوجتي على
مائدة الإفطار وهي تقول.. كنت أتمنى أن
أدفن في بلدتي "فلسطين".. فبكيت..
تذكرت ذنوبي التي سترها الله عليّ
فبكيت.. بكيت لكل ذلك ولغير ذلك.
بعد
الصلاة.. شعرت بمعنى السكينة الذي كنت
أقرأ عنه وأفتقده.. أسرعت للقياها..
رأيتها في كوكبة من النساء.. اتجهت إليّ..
هالة من النور تحلِّق حول وجهها..
ابتسمت كما لم تبتسم من قبل وقالت..
الحمد لله.. دخلت.
في
الصباح مسحت الممرضة المادة "الجيلاتينية"
التي وضعها طبيب الأشعة على بطنها وقال..
أنت سليمة.. فقط تعانين من القولون
العصبي وانتفاخ مصحوب بغازات.. سألته
ببراءة.. والورم؟
فقال
ضاحكًا.. غير موجود..
أسرعنا
نخرج من باب العيادة ونحن نتمتم الحمد
لله.. الحمد لله.. ثم توقفنا في منتصف
الطريق ونظر كل منا للآخر..وضحكنا..
حبيبتي...
الحمد لله على سلامتك. |