|
الضعف
الجميل
في
صباح أحد الأيام جاءني صوتها عبر
الهاتف، ولكنه كان غريبًا يملؤه
الأسى ضعيفًا، وقد عرفته قويًّا
وقورًا هو صوت "عالية" صديقتنا
وملاذ كل الأخوات في صحبتنا، فقد
نشأنا معًا، وكانت هي من القلائل
اللاتي يُعتَمد عليهن؛ قوية الشخصية..
قوية الشكيمة.. جادة بها كل صفات
الرجولة والمروءة، بصراحة "رجل
المواقف الصعبة"؛ ولهذا أخافتني
وأقلقتني نبرات صوتها وقلت لها: ما بك
خيرًا؟ أجابتني أرجوكِ أريد أن أتحدث
إليكِ؛ فأنا بحاجة ماسة إليكِ!
فأجبتها سأحضر إليك فورًا. وطوال
الطريق أفكِّر فيها وأتعجب؛ فهذه هي
المرة الأولى التي تطلب مني ذلك وعلى
حدِّ علمي لم تطلب المعونة من أحد قبل
ذلك.
جلست
أمامها وقلت لها: ما بك؟ وكأني قد أزحت
الحجر من أمام السيل بكت بكاء حارًّا
وبدأت تحكي ما لم أكن أتوقعه.
"ربَّاني
والدي - رحمه الله - تربية خاصة، غمرني
بحنانه وحبه، ولكنه رباني كولد رغم
وجود أخ لي؛ فكنت أقص شعري كالأولاد،
وأرتدي ملابس الأولاد، ودائمًا
يفضلني ويستشيرني، حتى حين اشتركت في
النادي اخترت الجودو وكرة القدم؛
فنشأت قوية الشخصية عصية الدمع أتصرف
كالأولاد، حتى حين توفي لم أبكِ بكاء
الضعف فقد كان رحمه الله دائما ما
يقول لي "أنت حمولة صلبة الإرادة"،
وحتى حين أبكي نادرًا لا أسمح لأحد أن
يرى دموعي، وكبرت وكبرت مسئولياتي
وهمومي فأنا رجل البيت الذي يُعتمد
عليه رغم وجود ثلاث أخوات لي وأخ أكبر
مني، ولكن قوة شخصيتي وحسن تصرفي
وثباتي في المواقف الحرجة أهَّلاني
لذلك الدور، وأصبحت عروسًا، وأعجب
زوجي أيضًا رجاحة عقلي وشخصيتي
القوية، ومضت الأيام والسعادة تملأ
بيتنا وأمارس دوري ببراعة، فأنا أم
حنون ولكن جادة قوية، ورويدًا رويدًا
بدأت المواقف تُظهر لي وجه الحقيقية،
فأذهب إلى الطبيب بمفردي؛ لأني قوية
لا أحتاج لأحد بجانبي، وأذهب إلى
مدرسة الأولاد وأتابع دروسهم، وحتى
حين تُعرض لي مشكلة فأنا أحسن التصرف
لا خوف عليَّ ولا قلق.
وأخيرًا
حين شخَّص الطبيب مرضي بأنه ورم يجب
استئصاله، كنت أهفو لأن ألمس قلقه
وفزعه عليَّ، كنت أرى ذلك في عينيه،
ولكني كنت أحتاج للمسه بيديّ، أن يترك
عمله ويجلس معي يطمئنني ويحنو عليّ
وانتظرت… وانتظرت، ولكنني كعادتي
أبدو قوية متماسكة لم أُعطِه الفرصة،
ولم أسمح له خرجت بحجة شراء بعض
الضروريات ولم أتمالك نفسي. لا أرى
طريقي من كثرة الدمع بكيت كالأطفال
فقد أفقت على أن دموع المرأة ليست
بالضرورة ضعف الاستكانة والهزيمة.
ضممتها
إلى صدري فازداد بكاؤها، وقلت لها يا
عالية:
هوِّني
على نفسك: إن الله قد حبا المرأة
بالرقة والعذوبة والضعف، وهو قمة
الأنوثة والجاذبية، فالرجل تجذبه
المرأة بضعفها ويُرضيه أن يشعر بمدى
حاجتها إليه وتقديرها له كرجل تعيش في
كنفه ورعايته، ووداعة لا ينقض ولا
يهدر من كرامتها وقوتها شيء من فطرة
الله التي فطر الناس عليها، وكل
مُيسَّر لما خُلِق له. وأنتِ برغم
القناع الصلب الذي تضعينه تملكين
قلبًا ذهبيًّا يفيض حنانًا ورقة
وعذوبة، يظهر ذلك في علاقتك مع أخواتك
ومع أبنائك وحتى مع زوجك؛ فصارحيه،
افتحي له الباب، وأطلقي سراح قلبك
وحرِّريه من القيود واسمحي لعينيك
بالبكاء، وابدئي من جديد بلا أقنعة
وبلا قيود. كوني إنسانية.. امرأة..
ضعيفة ولكنه.. ضعف جميل.
|