|
أحاديث فلسطينية ذات شجون
سمر دويدار
5/11/2000
قبل وبعد مؤتمر القمة العربية كان
هناك الكثير من الأحاديث
والمناقشات الساخنة والآمال الكبيرة
والصغيرة والمشاعر المختلفة تجاه
مجريات الأمور إما بالإنجاز وإما
بالهزيمة والانكسار..
الفلسطينيون في مصر كثيرون يقيمون
فيها منذ سنوات طويلة تختلف أماكن
سكنهم، وتختلف
أعمالهم وأعمارهم،
ولكن يجمعهم الحنين للوطن والأمل
في الأمة العربية.. من
بينهم استمعت لأحاديثهم وأحلامهم
وإحباطاتهم وآمالهم وشعرت برغبة في
أن تشاركوني إياها لتقتربوا منهم
وتعرفوا عنهم أكثر.
شاهدة
عيان: دُفِنَ وفي يده حجر
دعوني
أبدأ بشهادة السيدة فرقد ياسين –
ربة منزل والتي
تسكن مصر، لكنها كانت في زيارة
للأقارب والأصدقاء في غزة عندما بدأت
انتفاضة الأقصى ولم تَعُد إلا منذ
يومين.
"منظر مهيب،
وهذا الطفل في طريقه للدفن وفي
يده الحجر والزغاريد من الأمهات
والأخوات والخالات والعمات،
فالأطفال الشهداء يتم دفنهم
وفي يدهم حجر -
سلاح الفلسطيني - سلاحه ضد أقوى
جيش في الشرق الأوسط، يحارب
الفلسطيني أقوى جيوش الشرق الأوسط
بحجر ! ورغم ذلك فهو صامد... يقولون
أن الفلسطينيين ينجبون
الكثير من الأبناء، ذلك أن
أبناؤهم ليسوا لهم وإنما من أجل الوطن..
فهذه امرأة فقدت ابنها الشاب؛
وإذ بها تعلن أنه الابن الشهيد
الرابع لها فقد كانت فقدت ثلاثة
أبناء في الانتفاضة السابقة..
وجاء وداعه بالزغاريد عن إيمان عميق
بعظمة الشهادة وحسن الختام..
البيت
في غزة قد يكون به عشرة أبناء يفترشون
الأرض، ولكن
تخرج من هذه البيوت البسيطة البطولة
وحب الوطن والإيمان.. الشباب يقذفون
الحجارة
بينما المدافع تهدم
البيوت،
والعالم يكتفي بالمشاهدة ثم
يطلب وقف الاشتباكات بين الفلسطينيين
والإسرائيليين".
والحديث
ما زال للسيدة فرقد "يشعر
الفلسطيني في الأرض المحتلة أنه لا
سند له، فالأم
الفلسطينية تجمع الحجار لأبنائها في
صناديق تقدمها لهم،
وهي تعلم أنهم قد يعودون
وقد لا يعودون.. جهاد العالول
شاب متفوّق يدرس في جامعة النجاح في
نابلس عمره 21 عاماً - ابن محافظ نابلس -
كان يسير في مسيرة سلمية تم ضربه
برصاص دمدم المحرم دوليًّا في رأسه
، إن أسلحتهم موجَّه بالليزر فهي
حديثة جدًّا تستطيع تحديد هدفها بدقة
ويتم الضرب تحديداً
على المخ والعين والصدر.. سيصبح
لدينا جيش من المعاقين بعد الانتفاضة
وهذا أحد أهداف الصهاينة".
إهانة
الشهداء
و
تضيف السيدة فرقد "إحساسي بأن ما
خرجَت به القمة العربية من إعانات
مالية هي مهانة للطفل حامل الحجارة،
هذه إهانة
أن يعلن أحد الزعماء العرب تبنيه
لأسرة ألف شهيد.. الحمد لله فالشهداء
عددهم 160 تقريبًا فما زال أمامنا
الكثيرون نستطيع أن نودّعهم باطمئنان
!! مجرد ذكر المال أمام الأرواح مهانة
لهذا الشعب. والمساعدة المادية
بين الأخوة وأولاد العمّ
تكون في العادة في السر وليس في
العلن. الشعب
الفلسطيني يقدم روحه وهو يقدم له
المال الفائض والعائد عليه من
الزيادة الحاصلة في أسعار البترول
نتيجة هذه الأزمة".
"الشباب
الذي يحمل الحجر لا يريد المال يريد
وقفة من العالم العربي تعطيهم قوة.. إن
قطع البترول عن أوروبا وأمريكا لمدة
أسبوع واحد فقط والآن الجو شتاء..
سيشعر الغرب بالبرد.. فليتألموا
قليلاً فهم
لا يشعرون بأي مشكلة تهددهم بالتالي
لا يهتمون بأي شئ.. إذا تم فعلاً
الاتفاق على قطع البترول عن تلك
الدول ستصبح هناك فرصة حقيقية
للمفاوضات،
أما الآن فهم لا يستمعون
إلينا ولا يهتمون
بصراخنا وتنديدنا ولا جمع
تبرعاتنا".
لم
يطالب أحد بالحرب ولكن مطلوب وقفة
حقيقية.
ودائماً..
الإعلام
وكان
لي لقاء مع السيدة
سميحة علي -
من ناشطات منظمة فتح والتي
كانت في الولايات المتحدة
الأمريكية الأسبوعين الماضيين ومن
متابعتها لوسائل الإعلام هناك كان
لها رأي بضرورة وحتمية إنشاء مؤسسة
إعلامية عربية؛ للتصدي لممارسات
اللوبي الصهيوني المسيطر على الإعلام
في الغرب في صورة قناة فضائية أو هيئة
إعلامية تخاطب الغرب بلغته وأسلوبه
وثقافته التي يفهمها، حتى يُظْهر
الجزء الخاص بنا كعرب من الصورة، وحتى
يكشف الأكاذيب التي ينشرها اليهود
عنا كل يوم؛ لأنهم لا يجدون من يقول
غير ذلك.
ولتوضيح الصورة أعطتني مثالاً لحادث
قتل الجنديين الإسرائيليين في رام
الله، وكيف
تم التعامل معها من خلال الإعلام
الغربي، وكيف
كان يمكن استغلالها
إعلاميًّا لصالح الفلسطينيين.
الحادثة
هي: عندما
تم القبض على الجنديين الفلسطينيين
اللذَيْن قاما بقتل الجنديين
الإسرائيليين اللذَيْن دخلا إلى رام
الله؛ قيل إن هذين الإسرائيليين قد
ضلا الطريق اتخذا شارعاً واحداً خطأ،
وكانت نتيجة ذلك أنه تم قتلهم بواسطة
الفلسطينيين.
أما
الحقيقة فهي: أنه ليتمكن هذان
الجنديان من الوصول إلى رام الله لا
بد من مرورهما على أربع نقاط تفتيش،
اثنتين تابعتين لإسرائيل، ونقطة
تفتيش مشتركة بين الفلسطينيين
والإسرائيليين، والرابعة نقطة تفتيش
فلسطينية بعدها يتم دخولهما رام الله.
وعليه
يستحيل القول بأنهما قد ضلا الطريق
فتم قتلهما
ظلماً،
بل الحقيقة هي أنهما قد تحايلا
وتخفّيا؛
ليتمكنا من الدخول للتعرف على
قادة الانتفاضة
وقتلهم،
ولكن – ودفاعاً
عن النفس – قام الفلسطينيون
بقتلهما.
أما
عن رأيها في قرارات مؤتمر القمة
العربية فتقول: "كان عندي أمل أن
تقرر القمة سحب السفراء،
وتهدد بوقف ضخ البترول لمدة شهر.
فلقد كان تأثير ارتفاع
سعر البترول خلال الفترة
القريبة الماضية على أمريكا وأوروبا
أثرًا كبيرًا،
وقد صرَّح الرئيس كلينتون في ذلك
الوقت أنه سيبحث عن بديل،
وتسبب ذلك في استخدام
أمريكا
لجزء من رصيدها الإستراتيجي
من
البترول. بيد أن الشيء
الإيجابي الوحيد بخصوص القمة
هي أنها المرة الأولى التي يجتمع فيها
كل القادة العرب ويتفقون
على شيء
منذ سنين طويلة".
القمة:
لحن قديم.. توزيع جديد
وفي
لقائي بالسيد غالب شعث - مخرج
سينمائي فلسطيني –
بدأ حديثه عن مؤتمر القمة
العربية فقال: "لقد اعتدنا
أن تنعقد مؤتمرات القمة وتنفضّ
وكأن شيئًا لم يكن،
وكأنه لحن قديم يُكرَّر
باستمرار، لكن هذه المرة وفي وجود
الانتفاضة
فكان من المتوقع أن يكون رد الفعل
العربي على نفس المستوى. كنت أتوقع
جمع التبرعات والتهديد فقط بإعادة
خفض إنتاج البترول وليس عدم ضخه. جاءت
القمة وشعرت أني أستمع لأغنية قديمة،
الكلمات ذاتها، اللحن ذاته، ولكن
التوزيع فقط تغيَّر..".
للمخرج
غالب شعث أحلام إعلامية وأخرى
اقتصادية وحلم خاص بالمقاطعة..
"حلمي الأول هو أن يتم من خلال
الجامعة العربية - مثلاً - إنشاء قناة
فضائية عربية مستنيرة تتحدث بلغة
الغرب، بمعنى وجود إعلام مُوجَّه ذكي
ومدروس ينقل لهم رأينا، ولكن
بالأدوات التي يفهمها الغرب ويتأثر
بها ويتفاعل معها". يسترسل المخرج
غالب شعث فيقول: "كنتيجة للانتفاضة
الفلسطينية فقد كثير من الفلسطينيين
وظائفهم؛ وذلك لمنعهم من العمل من قبل
سلطة الاحتلال، وعليه فقدت كثير من
العائلات مصدر دخلها الوحيد.. فكان
حلمي الثاني هو أن يتم استيعاب تلك
العمالة الفلسطينية – خاصة الآن وقت
الانتفاضة – في الدول العربية
لِسَدِّ النقص الحادث في دخل تلك
العائلات، وبالتالي مساعدتها بشكل
عملي؛ لتتمكن من الاستمرار في
المقاومة والانتفاضة. وأيضًا تقديم
بديل لذهاب العمال الفلسطينيين لبناء
المستعمرات داخل إسرائيل من خلال
استيعابهم بالدول العربية؛ ليقوموا
ببناء ما هو أصلح وذلك في محاولة جادة
لدعم اقتصاد فلسطين". وينهي حديثه
بمرارة فيقول: "أما عن حلم المقاطعة..
فكنت أتمنى عمل جدول وآلية للمقاطعة،
ولجان للمتابعة، وتحديد أشياء يمكن
تنفيذها فعلاً في محاولة؛ لتشكيل قوة
ضغط عربية قد تساعد الشعب الفلسطيني
في كفاحه ضد الاحتلال.. لكن الواقع
يختلف عن الحلم كثيرًا..".
الأم
هنا والأبناء هناك
غالية محمد أبو شلهوب - 28 عاماً
- لديها
أخوان سيد ومحمود في غزة ضمن قوات
الشرطة الفلسطينية، انقطعت أخبارهما
منذ بدأت انتفاضة الأقصى ولا سبيل
لمعرفة مصيرهما. تقول غالية.. أمي في
حالة صحية ونفسية سيئة منذ ضرب القوات
الإسرائيلية لغزة بالطيران
والمدفعية، لا تأكل ولا تنام وطوال
اليوم تستمع للأخبار من الإذاعة
والتليفزيون. الأمل دوماً باقٍ في
الشباب المناضل داخل فلسطين وفي
القادة العرب وفي قرارات مؤتمر القمة.
يرى سليم موسي
التلولي – 28 سنة – موظف بمؤسسة
أسر الشهداء والجرحى الفلسطينيين
بالقاهرة والمسئول عن جرحى الانتفاضة
الفلسطينيين الموجودين بالقاهرة
للعلاج أنه لا يجوز أن نتفاوض مع عدو
يقصف منازلنا ويقتل الشيوخ والأطفال
والنساء، ثم نجلس معه على طاولة
المفاوضات، على السلطة الفلسطينية أن
تأخذ موقف وترفض التفاوض في ظل الظروف
الراهنة، فهو يعتقد أن ذلك الرفض
سيعطي قوة للمفاوض الفلسطيني وللسلطة
الوطنية الفلسطينية. وعبَّر عن أمله
في أن تفتح السلطة الفلسطينية صفحة
جديدة مع كل الفصائل الفلسطينية، فما
المانع أن تجلس السلطة الوطنية
الفلسطينية على مائدة المفاوضات،
وعلى الجانب الآخر تقوم - مثلاً -
حماس بعملياتها، فبوجود التنسيق
بينهم سيتم العمل بشكل متوافق متضافر
من أجل الوطن.
أما
بخصوص قرارات القمة العربية فكان
يأمل أن تكون القرارات أقوى من ذلك،
وأن تكون هناك وقفة فعالة،
فإن كان الشعب الفلسطيني في حاجة
للدعم المادي فليس بهذا الشكل. يقول
سليم التلولي: "ما نحتاجه أهم من
ذلك.. نحتاج رد فعل عربي قوي فعَّال
وليس مجرد كلام أو شجب وإدانة".
كما
تؤكد وسام الريس - عضوة باتحاد
المرأة الفلسطينية أنها مع
المفاوضات إذا حققت شيئاً، ولكن كل
الخيارات متاحة بما فيها خيار الكفاح
المسلح؛ لأننا أمام عدو لا يقتنع إلا
بمنطق القوة.
خزيمة
الصباغ – 55 عاماً
– مسئولة
لجنة اجتماعية باتحاد المرأة
الفلسطينية:
"كنت
أتوقع من
القمة أن تساعد على وقف هذا النزيف
الدامي، وإن
كانت قد خرجت ببعض قرارات لا بأس بها،
ولكن ما زالت الدماء تنزف
والتصعيد أكثر من الأول،
اليأس مع المرارة يصل بنا إلى أنه
لن يحرر فلسطين إلا شعبها؛
لأنه لا يوجد بديل آخر.
الحل
يبدأ من الداخل
هدى
الإمام – 22 عاماً
– طالبة
جامعية تقول بأسى:
"عند انعقاد
مؤتمر على هذا المستوى،
فالإنسان يأمل خيراً،
ولكن بشيء
من التفكير لم أستطع أن أتوقع
الكثير من مؤتمر القمة خاصة بعد تصريح
معمر القذافي قبل انعقاد
المؤتمر الذي أصابني بكثير من
الإحباط، كان المتوقع ألا تنجح القمة
ولم تنجح بالفعل". وبحُرِّية
تسترسل: "لا يوجد توازن أو التقاء
بين موقف الشعب الفلسطيني الذي
يضحي كل يوم بحياة عشرات من الشباب،
وعلى الجانب الآخر تستمر
المفاوضات،
لا يبدو أنه يوجد حوار أو اتفاق
بين الطرفين على العكس وكأن هناك
تناقضاً بينهما".
ترى الشابة
هدى الإمام أن الحل ليس في
المظاهرات أو جمع التوقيعات أو
التبرعات،
لكن في أن يقوم الإنسان بتطهير
ذاته ومحاولة الوصول إلى النقاء
الداخلي،
فكل الأديان السماوية تدعو إلى أن
يكون الإنسان نقيًّا
وطاهراً
بداخله،
حتى يستطيع أن يصلح من أحواله من
هذا المنطلق ترى المسألة دينية
بمعناها الواسع.
|