|
ميرامية
وزعتر
|
لإيمان
نمر - فلسطينية في الكويت
|
التاريخ:26/10/2000
|
جاءت
زوجة عمي من غزة لاستخراج فيزا "تأشيرة"
لابنها؛ ليتمكن من السفر إلى اليمن
للالتحاق بالكلية العسكرية هناك.
حملت
لنا معها زعتر وميرامية ودقة وصابون
نابلسي، عبق المطبخ برائحة زكية
محفورة بين ضلوعي. رائحة بيت "تيتة"
أم كامل، جارتنا في الكويت، بيتها
أنظف بيت عرفته، كنت أتصور وأنا صغيرة
أن هذه الرائحة المميزة لا تفارق
منزلها ما هي إلا رائحة الصابون الذي
تستخدمه في تنظيف الأواني. اليوم عرفت
سر الرائحة، خيرات البلاد.
أسعد
أيامي هي التي كانت تطلب مني فيها أمي
الذهاب لدعوة "تيتة" أم كامل
لشرب فنجان قهوة، وتدليك صدر أختي
الصغيرة بزيت الزيتون الدافئ،
ورقيتها عندما تصاب بنوبات الربو،
كنت أحب بيتها حين تفتح لي فتطالعني
خارطة فلسطين التي تتوسط الجدار
المقابل للباب، كنت أعشق العرائس
الموزعة في المنزل، كل عروسة ترتدي
زيًّا مختلفًا، قالت لي: هذه أثواب
بلادنا، كل عروسة ترتدي الزي المخصص
لكل مدينة، وأنت يا "تيتة" من أي
مدينة، قالت: يافا، وأخذتني من يدي
وأشارت إلى يافا على الخارطة، لا أذكر
"تيتة" أم كامل إلا بالفستان
الأخضر المصنوع من الجبردين والكترة
الصوف البنية، والجرابين البيج
الثقيلة، والحذاء الواطئ من القماش
ذي الحواف المصنوعة من الفرو، كانت
تخاف البرد، تضع على رأسها إيشارب
أبيض مثلثًا صغيرًا تعقده من تحت
الذقن، فيظهر مفرق الشعر الفضي، كنت
أحب أحفادها الذي يزورونها على فترات
متباعدة، كنت مبهورة بعالم الصبايا،
طالبات الجامعة الشباب الذين يرتدون
ثيابًا لا تصلح لمن هم في سني أنا
وأخي، كنت أيضًا، أحب ابنتها سائدة
التي اشتهرتْ في عرسها زغرودتي
المصرية التي ورثتها عن جدتي لأمي،
لكنني ما عدت أحبها حين أسرّت لي "تيتة"
أم كامل أن ابنة سائدة ماتت بعد أيام
من ميلادها؛ لأن سائدة تركتها تنام في
غرفة منفصلة بدعوى التمدن، فماتت
البنت مختنقة دون أن يشعر بها أحد،
كانت "تيتة" حزينة جدًّا يومها.
سألت
"تيتة" ما اسمك الحقيقي، قالت:
"جميلة"، وأحضرت لي صورتها وهي
شابة، حقًّا جميلة، كنت أشعر بالفخر
وأنا أسير إلى جوارها في ساحة
العمارة، تسير وتفوح منها رائحة
الميرامية والزعتر. كانت تناديني حين
يكتمل القمر، وتقول لي: اضحكي يا ستي
بوجه للقمر بلكي الله فرجها علينا.
دائمًا كنت أسمعها تقول لي: لمّ
الشّمل، ولم أكن أفهم ما تعنيه بهذه
الكلمة الحلم. عدت مرة من القاهرة بعد
أن التحقت بالجامعة، وسألت عنها،
فقالوا: حصلت على لمّ الشمل وسافرت
إلى فلسطين، وتوفيت بعد شهر من
مغادرتها الكويت.
|