|
الحوار
الصامت
|
بقلم-منى
عبد الفتاح
|
التاريخ:26/10/2000
|
ها
هي في طريق عودتها إلى منزلها الصغير
المتواضع بعد اليوم الأول في عملها
الجديد، هي الآن موظفة كباقي
الموظفات، عليها أن تتأقلم بل وتؤقلم
من حولها على هذا الوضع الجديد.
نظرت
إلى مثيلاتها عائدات إلى منازلهن
منهكات شاردات التفكير وسرعان ما دار
هذا الحوار الصامت بداخلها:
-
هل قبولها بالعمل المعروض عليها،
وخروجها بعد هذه السنين الطويلة إلى
معترك الحياة قرار صائب؟ ألا تعرض
بذلك استقرار الأسرة كلها لأعاصير
الحياة المادية؟
-
ولكن أولادها قد كبروا وساروا جميعًا
في سن المدرسة مما يسمح لها الغياب
عنهم فترات طويلة عما قبل.
-
ولكن هناك أبي المريض المحتاج إليَّ،
فأنا ابنته الوحيدة القادرة على
رعايته، خروجي للعمل يوميًّا سيؤدي
حتمًا إلى تقصيري في رعايته والسؤال
عنه.
-
ولكن الحمد لله رب العالمين حالته
مستقرة الآن، ويستطع القيام بحاجياته
الأساسية، ويمكنني إعداد وجبة إفطاره
وترتيب ثيابه واحتياجاته قبل نزولي
إلى العمل.
-
سيسبب ذلك دونما شك إرهاقًا أنت في
غنى عنه، ألا ترين من حولك من
العاملات، كيف يعدن مرهقات متعبات
إلى منازلهن؟
-
ولكن هذا الإرهاق أهون من إحساسي بظلم
نفسي، فأنا إنسانة متعلمة تعليمًا
جامعيًّا، وكان لي في أيام الدراسة
أبحاثي ودراساتي إلى متى سأسمح لنفسي
أن يعلو الصدأ عقلي، وأن يرنو الجهل
ذهني، وأن تحيط الأغلال الخوف من
الإقدام بمثل هذه الخطوة بقدراتي
العلمية والعملية؟
-
انظري إلى الأمور من زاوية أخرى، هل
فعلاً العمل خارج نطاق المنزل هو
الطريقة الوحيدة لإطلاق القدرات
الذهنية والعملية من قمقمها؟ أنت لم
تبحثي عن طرق وأساليب أخرى للخروج من
الجهل الذي استكانت إليه، هناك مثلاً
كتابة الأبحاث في البيت، والترجمة،
والعمل على الإنترنت، أنت لم تفكري في
بديل.
-
كوني واقعية وعملية، من الذي سيطلب
منك القيام بأعمال بحثية أو ترجمة دون
أن يعرف من أنت؟ دون أن يرى لك سابق
أعمال وإنجازات تشهد لك وهذا في
النهاية سيحتاج إلى الخروج من أسر
البقاء في البيت دونما حراك.
-
المشكلة الأهم والأكثر إلحاحًا هي
الأولاد والزوج، زوجك أخيرًا وبعد
طول إقناع رضي بخروجك إلى العمل
بشروطه المعروفة التي حتى أنت لا يمكن
أن تنكري أنها شروط طبيعية وغير
تعسفية: المحافظة على أن يبقى البيت
والأولاد في سلم الأولويات، وموافقته
هذه إن لم تُستغل الآن لا يمكن ضمان
استمرارها؛ فقد يأتي وقت بسبب
تقصيرها أو هناك فيعود إلى سابق رفضه.
-
من ناحية أخرى أليس محقًّا في تخوفه
المشروع من أن ينقلب البيت رأسًا على
عقب بسبب عملي وعدم مقدرتي بسبب
إرهاقي على رعاية الصغار.
-
ولكن ماذا عني أنا؟ أليس لي حق في أن
أحب عمل شيء ما مختلفا عن الطهي والكي
والترتيب والتنظيم؟! أليس لي حق في
عمل ما أحبه؟! إلى متى سأقبل بأن ألغي
كيان نفسي الشخصي، لا أقول كياني
المستقل عن الآخرين، ولكن إلى متى
سأعيش من أجل الآخرين وأغفل كياني
ورغباتي؟!
-
دعك من كل هذا، المعضلة هي الأولاد،
هذه هي المشكلة ودونها من أمور يمكن
التعامل معها، أنا لا ولن أغفر لنفسي
تقصيري تجاه صغاري هم نعمة وكرم وفضل
من الله، وأنا أريد أن أكون قبل أي شيء
صالحة، صالحة للتربية والرعاية.
-
هل سيغفرون لي عودتي إلى المنزل
بعدهم؟! كيف سيكون شعوري اتجاههم،
الغضب، أم التقدير، أم التفهم؟؟
-
كوني عاقلة واقعية، كيف يقدرون مثل
هذا الأمر؟! فأكبر أولادك لا يتعدى
سنة الحادية عشرة.
-
أنا فعلا أخشى من هذه المواجهة، ماذا
لو كانوا غاضبين بسبب الوضع الجديد؟!
ماذا لو قابلوني بعدم تفهم للأمر؟! أو
حتى ماذا سأقول لو بكوا وأظهروا لي عن
عميق عدم ارتياحهم وعدم رضاهم بالوضع
الجديد؟!
بيد
ترتعش من تلك المواجهة، وقلب ينبض
بالرجاء، وعقل تدور بداخله كافة
الاحتمالات المتناقضة؛ أدخلت
المفتاح في الباب وفتحته بهدؤ..
فتدافع
الصغار على الفور، في عراك من
سيحتضنها أولاً.. وما إن دخلت حتى
قالوا في أصوات متداخلة:
-
هل تعبت يا أمي؟
-
سأحضر لك كوبًا من الماء.
-
أعطني الحقيبة، أحملها لك، اجلسي.
-
شكرًا لتعبك، نعدك.. ألا نرهقك باقي
اليوم.
سقطت
من عينها دمعة، ولم تنته ..الحيرة.
|