|
عندما
تتحدث الزهور
|
مهندسة/
نهى فخري
|
26/10/2000
|
هل
تتحدث الزهور؟ ربما تأتيك الإجابة
سريعا.. إن الزهور كانت دائما هدية
للحبيب والناجح والمريض… إلخ،
وقد تربعت الزهور على العرش في مملكة
المشاعر، وظلت الترجمان الأكثر طلاقة
بين المتحابين، ولكن حديث الزهور
اليوم يختلف؛ فحينما ندخل إلى عالم
تنسيق الزهور ننتقل إلى فن حقيقي يعكس
رؤية للإنسان والكون، تختلف تلك
الرؤية باختلاف ثقافتها ودائرتها
الحضارية.. وقتها يكون للزهور لغتها،
في عالم الثقافة والفنون لا في عالم
المشاعر فقط.
فهل
تعلم أن تنسيق الزهور هو اتجاه
كلاسيكي ذو أصل إغريقي وروماني، وليس
محاولة حديثة من محاولات ذوي اللمسة
الفنية؛ فهو قد يصل إلى كونه عِلمًا
ذا مدارس واتجاهات.
الكلاسيكية
يرجع
أصل تنسيق الزهور إلى استخدام
الإغريق والرومان لها في جدلهم:
الزهور على
شكل حلقات دائرية كأكاليل الغار، أو
على شكل حنيات تزينها، وعقد وفيونكات
من الحرير، كما استخدمت "الفازات"
التي على شكل كأس وفوقها تجمّعات من
زهور متكتّلة على شكل القبة عند الروم.
واستمر
تنسيق الزهور على الطرق الكلاسيكية
حتى القرن الثامن عشر، حتى ظهر في
أوروبا الأسلوب الطبيعي لفن تنسيق
الزهور، الذي تزعمته بريطانيا، وظهر
الأسلوب الرومانسي في فرنسا، وقد
أخذت بالأسلوبين أكثر دول أوروبا،
وأضافت إليهما ما يتفق مع البيئة وذوق
الشعوب، فقد استخدم الأسلوبان معا في
هولندا، وفي ألمانيا امتزجت
الرومانسية مع الكلاسيكية المثالية،
أما في إيطاليا فكانت مزيجا من
الرومانسية والكلاسيكية القديمة.
في
الشرق الأقصى.. عند قدماء المصريين
أما
في الشرق الأقصى فكان تنسيق الزهور
قائما على أسس فنية عريقة وعظيمة في
كل من الصين واليابان، فمثلا نشأ فن
تنسيق الزهور في الصين منذ عام 1000 قبل
الميلاد، وأخذ اليابانيون هذا الفن
عن الصينيين وطوروه بذوقهم وتقاليدهم
الخاصة، إلى أن وسموا به، وطوروه
لدرجة أثارت انبهار العالم الغربي
بمدى رقيه وتمدّينه وذوقه وأصالته
وحيويته.
ولا
يمكننا في الحديث عن تنسيق
الزهور أن نغفل ما وصل إليه قدماء
المصريين في هذا المجال؛ حيث نرى على
جدران المعابد الملوك وهو يقدمون
باقات جميلة من زهور اللوتس والبردي
إلى الآلهة كنوع من القربان، أو
الرسوم التي تبيّن الملكة وهي تقدم
باقات الزهور إلى الملك تعبيرا عن
المودة والحب، ولا ننسى على سبيل
المثال إكليل الزهور الذي عُثر عليه
جافا فوق تابوت الملك الشاب "توت
عنخ آمون" الذي يرجع إلى أن الملكة
قد وضعته فوق التابوت قبل غلق التابوت
مباشرة، وعموما فسوف نستعرض أشهر
الأساليب في تنسيق الزهور.
الأسلوب
الغربي.. خطوط ومؤثرات
وهو
أسلوب يعتمد على الخط والشكل
والتصميم والظل والنور واللون
والملمس والحركة والإيقاع والوحدة
والخلق والابتكار والشخصية المنفردة.
1-
الخط الرأسي: أي أن يأخذ التنسيق
اتجاها رأسيا، ويناسب هذا التنسيق
الأزهار ذات النمو الطولي والأواني
الطويلة ذات الفوهة الضيقة، ويفضل
ألا يزيد ارتفاع التكوين عن مرة ونصف
من طول الإناء.
2-
الخط الأفقي (التنسيق الأفقي): وهو أن
يأخذ اتجاها أفقيا، وهذا النوع يصلح
للأواني التي على شكل أطباق دائرية أو
بيضوية أو مستطيلة.
ويتكون
التنسيق من فرعين أساسيين أفقيين وقد
تساعدهما أفرع صغيرة على أن يكون مركز
الاهتمام والرؤية في منتصف الإناء،
ومنه تنتقل العين إلى الجانبين، وهذا
التكوين قد يعطي انطباعا غير سليم إذا
لم يُعامل بذكاء، مثل التصاق الزهور
بالمنضدة مثلا، أو سقوط التصميم نحو
المنضدة؛ لذا يجب أن يكون الإحساس
بالتفرغ من المركز في خط متصل سليم،
وأن يكون متنوعا وحيا وقويا.
3-
التنسيق المروحي: ويناسب الأواني
المستديرة أو الكأسية، ويوضع المثبت
في منتصف الإناء ناحية الخلف قليلا،
وتجهز الأفرع بحيث تكون أطوالها
متساوية تقريبا في تثبيت الفرع الأول
في وسط المثبت، ثم يُثبّت فرع أفقيا
جهة اليمين، وآخر جهة اليسار، ثم ينسق
في الفروع على أن تأخذ شكل مروحة، أما
مركز الرؤية فيجب أن يكون من زهرة أو
مجموعة من الزهور الصغيرة الدائرية
الشكل.
4-
التنسيق على حرف "ي": ويناسبه
الأواني قليلة الارتفاع، البرميلية
الشكل مع استخدام مثبت شبكي على شكل
أسطوانة رأسية تناسب الحركة، وتستخدم
في التنسيق نباتات دوارة لتأخذ حرف
الـ "ي"، ويوجه الجزء العلوي
ليأخذ شكلا مقوسا يشبه نصف الدائرة،
وفي الجزء السفلي يُوجه على شكل نصف
دائرة تكمل حركة التصميم، وعند
المركز توضع زهرة أساسية كبيرة، أو
عدد من الزهور الصغيرة، ويحيط بها بعض
من الأوراق الصغيرة.
5-
التنسيق الهلالي: وتناسبه الأواني
المتسعة كالأطباق الدائرية
والبيضوية، ويبدأ بتثبيت أطول الفروع
السهلة الثني بعد تقويسها على شكل ربع
دائرة أو هلال، وتثبت بقية الأفرع بعد
ثنيها حتى تعطي المجموعة في النهاية
شكلا هلاليا، ويراعى أن يكون بمنتصف
التكوين تجميع زهري أساسي كمركز رؤية
أو بؤرة للتنسيق.
6-
تنسيق المثلث: ويناسب هذا التصميم
الأواني الأسطوانية أو المربعة
متوسطة الارتفاع، ويفضل فيه أن يكون
التنسيق على شكل مثلث غير متساوي
الأضلاع أو قائم الزاوية، أو أن يكون
مخروطيا أو هرمي الشكل، على أن يكون
المركز الأساسي للتصميم عند المنتصف،
وتتفرع منه الأشكال والفروع الأخرى.
7-
التنسيق الحر: كأن يعمد المنسّق إلى
خلق علاقات حرة من التفرعات الرأسية
والأفقية أو التحتية، عن طريق خلق
حركة أو اتجاه يتفق مع ذوقه وتكوينه
الخاص؛ فمثلا يكوّن شكلا بواسطة حركة
الزهور، أو شكلا بواسطة التباين في
الألوان، حروفا عربية أو إنجليزية
وغيرها بواسطة اللون.
الأسلوب
الياباني.. رؤية للكون
أخذ
اليابانيون عن الصينيين فن تنسيق
الزهور، ثم ارتبط بحياتهم وبرعوا
فيه براعة لا حدود لها، وارتبط
بثقافتهم وتقاليدهم لدرجة أن ثقافة
وتحضر الياباني أصبحت تقاس بمدى حبه
وقدرته على تنسيق الزهور.
ولقد
عبر اليابانيون عن عناصر في تنسيق
الزهور كما يلي:
السماء:
جعلها الياباني الخط الأساسي في
تصميمه والعمود الفقري في التنسيق،
ورمز إلى ذلك بأن جعل الأفرع المعبرة
عن السماء متسامية، ولجمال التنسيق
تقاليده؛ فقد جعل خط السماء لا يتجاوز
في ارتفاعه عن مرة ونصف من الإناء
المسطح، أو بطول الإناء القائم،
ويسند هذا الخط خطان مساعدان هما: (أ)
الخط الخارجي وطوله حوالي 4/5 طول خط
السماء. (ب) الخط الأساسي وطوله حوالي
3/5 طول خط السماء؛ معبرًا في ذلك عن
سيادة السماء وتساميها وارتباطها
بالدين والإنسان.
الإنسان:
جعله يتوسط التنسيق ومحور الاهتمام
على أساس أن الأرض خلقت للإنسان، وأن
الإنسان هو سيد العالم، ويتحدد طول خط
الإنسان بحوالي 4/5 طول خط السماء من
جهة اليسار بزاوية 30، ويمثل الرجل هذا
الخط، ويساند هذا الخط خطر آخر
للأنثى، لا يتجاوز طوله 3/5 طول خط
السماء، ويسند خط الرجل.
الأرض:
ويعتبر الخط الأساسي الثالث، ويحدد
طوله بحوالي ½ خط السماء، وينحرف عن
جهة اليمين بزاوية مقدارها 45،
والمنسق الياباني يحاول أن يحقق في
بناء شكله كل قيم التصميم السليمة من:
ظل ونور ولون وملمس وحركة وإيقاع
ووحدة وخلق وابتكار، بالإضافة إلى
الذوق والحس المرهف؛ فنجده يحاول أن
يؤكد في تصميمه على مركز أو بؤرة
تتلاقى عندها جميع خطوط التنسيق،
ويضع فيها أجمل الأزهار، بما يتناسب
مع حجم التكوين؛ لخلق منطقة جذب
الانتباه، وغالبا ما تُختار لهذه
المنطقة الأزهار الدائرية الشكل.
وتخرج
جميع التفريعات والأزهار من منطقة
تجميع واحدة، تعلو سطح الإناء بمسافة
تتراوح بين 7:5 سم؛ لكي توحي بأن السماء
والأرض وكذا الإنسان الكل خرج من
الماء.
يميل
التنسيق الياباني إلى الأرقام
الفردية في عدد الفروع والزهور،
وتتراوح بين 7:3، تبعا لحجم الإناء
ونوع الأزهار وحجمها، على أن يكوّن
منها 3 أفرع رئيسية تمثل الخطوط
الأساسية: السماء والإنسان والأرض.
ومما
سبق نلاحظ أن التنسيق الياباني
للزهور يركز على التعبير عن الحياة
والكون؛ فنجده يمثل الأرض والإنسان
والسماء، محاولا الربط بين هذه
العناصر الثلاثة، وراح يعطي كلا من
هذه العناصر رموزا ومعاني أعطت
التنسيق الياباني التصميم الناجح في
المعنى والشكل.
كما
أنه اهتم بتنسيق كل ما في الجنس من
تضاد وتكامل، وأعطى رموزا للذكر،
تتمثل في استخدام زهور وملامس خشنة
وقوية ونامية ومستقيمة. بينما عبر عن
الأنثى بزهور وملامس رقيقة ناعمة
لينة وخطوط منحنية، وجعل بينهما
علاقة من التضاد والتآلف في نفس
الوقت، ومنح ذلك دليلا على استمرار
الحياة والارتباط والتكامل.
أيضاً
حول لغة الزهور في العلاقات الزوجية
اقرأ:
-
أعط زوجتك زهرة!
-
لغة الزهور بين الزوجين
|