بريدك الالكتروني


English

 

السبت 29 رمضان  1427 هـ - 21/10/2006 م

زاد الصالحين » تزكية
أرسل لصديق

هيا بنا ندندن

محمد المشطاوي**

"إنه إمام جديد، يتفنن في الدعاء، ويفتح الله عليه به".. بهذه الكلمات بادرني صديقي حين سألته عن سبب اختياره ذلك الإمام ليصلي خلفه.. في شهر رمضان الذي أكون كغيري حريصا على صلاة القيام فيه والإكثار من الدعوات...

المهم ذهبت في إحدى صلوات القيام بمسجد ذلك الإمام، وفي صلاة الوتر أخذ الرجل يدعو، ويبدو أنه أراد أن يستعرض حصيلته اللغوية ومقدرته الفنية فأخذ يصول بنا ويجول في مترادفات الدعاء، وكأنه يريد الإحاطة بها وإفهام المدعو المقصود بالدعاء بالضبط حتى لا يخطئ المقصود!!.. اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من غسلين النار، اللهم إني أعوذ بك من زقوم النار، اللهم إني أعوذ بك من حرّ النار، اللهم نعوذ بك من سقر...، وأخذ يجول بنا في النار حتى ظننت أنه دخلها وذاق منها كل ما دعا بالوقاية منه.. وللأمانة أقول إنه فعل مع الجنة أيضا ما فعله مع النار..

وبعد انتهائنا من الصلاة التي تورمت فيها قدماي، و"طقطق" منها ظهري ذهبت إلى إمامنا وقلت له: ألا يكفي يا إمامنا أن تسأل الله دخول الجنة فتنعم بكل ما فيها، وتستعيذ به من النار فيقيك كل ما فيها، وإذا كنت تحب التكرار فكرّر الدعاء بدخول الجنة والاستعاذة من النار ثلاثا كما ورد، لا أن تقسم ظهورنا بالسياحة في جهنم وجوانبها ومفرداتها.

إلا أن الرجل لم يعرني اهتماما وظن أنني ممن يحبون التنطع، و"لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب"، فقلت لصديقي: سامحك الله.. أنت ووزارة الأوقاف..

كان هذا الموقف مما دفعني إلى الحديث مع صديقي حول الدعاء وبعض آدابه، وخاصة في هذا الشهر الفضيل.. فالدعاء في هذا الشهر الكريم من الأهمية بمكان يدعونا إلى أن ندرس بعض ما يخفى من آدابه، والأخذ على أيدي من يظنون أن الله لا يقبل من الدعاء إلا ما كان منمقا أو مسجوعا، أو طويل البيان، مترادفا واضح المعالم والدلالات...

قوم يعتدون

وقد وجدت لموقفي مع الإمام الآنف ذكرا في كتب الحديث، فقد روى أحمد في مسنده أن ابنا لسعد بن أبي وقاص كان يصلي فكان يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك الجنة، وأسألك من نعيمها وبهجتها ومن كذا ومن كذا ومن كذا ومن كذا... وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها ومن كذا ومن كذا.

قال: فسكت عنه سعد فلما صلى قال له سعد: تعوذت من شر عظيم، وسألت نعيما عظيما... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وقرأ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين.. وقال له سعد: قل اللهم أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل".

وفي رواية أخرى زيادة وهي: "فقال: يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء، فإياك أن تكون منهم، إنك إن أُعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر".

وأخرج أبو داود عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بُني، سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء". فانظر رحمك الله إلى فقه هؤلاء كيف نظروا إلى رسالة الدعاء وأدبه وعمليته..

حولها ندندن

وهناك صنف يظن أنه لا يحسن الدعاء بالرغم من أنه يصيب لبه، ويبلغ حقيقته.. إنه يطلب من الله الجنة ويتعوذ به من النار.. روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل "ما تقول في الصلاة؟" قال أتشهّد ثم أقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أمّا واللهِ ما أحسنُ دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال: "حولها ندندن".

والدندنة أن تسمع من الرجل نغمة ولا تفهم ما يقول.. والمعنى: أن الرجل يقول للنبي: إنني لا أقدر على نظم ألفاظ المناجاة مثلك ومثل معاذ، فيخبره النبي إننا حول هذا الأمر وهو طلب الجنة والتعوذ من النار ندندن، فلا لا "مباينة بين ما ندعو به وبين دعائك".

فانظر رحمك الله إلى قول النبي حولها ندندن.. وكيف أنه صلى الله عليه وسلم استأنس الرجل وأوضح له أن دعاءه أصاب لب المسألة وأنه هو ومعاذ حول ما يطلب الرجل يدندنان.. فهيا بنا ندندن بهما في رمضان وليلة القدر، ولا نشق على الناس بالتكرار والإملال ونعلمهم ما يثبت في الذهن ويسهل تعلمه وإدراكه لا أن نشعرهم بخلاف ذلك؛ فقد قيل لأنس: "ادع الله لنا، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: زدنا، قال: ما تريدون؟! قد سألت الدنيا والآخرة".

وتستمر الدندنة في ليلة القدر، ولا إعنات فيها على المسلم في الدعاء، إنه الدعاء الشامل والحاوي لكل خير؛ فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني". وقد قال النبي "أفضل الدعاء أن تسأل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة؛ فإنك إذا أعطيتهما في الدنيا ثم أعطيتهما في الآخرة فقد أفلحت".

لا تحرمنا الجنة

وقد نُقل عن الأعراب دندنات ترق لها القلوب، وليست من قبيل الزقزم والغسلين والضريع... ومترادفاتها، إنها تنبض بالثناء على الله والتضرع إليه.. استمع لأحدهم يقال له: أتحسن أن تدعو ربك؟، قال: نعم، قال: "اللهم إنك أعطيتنا الإسلام من غير أن نسألك فلا تحرمنا الجنة ونحن نسألك".

ودعا أحدهم وهو يطوف بالكعبة فقال: "إلهي من أولى بالتقصير والزلل مني وأنت خلقتني، ومن أولى بالعفو منك عني وعلمك بي ماض وقضاؤك بي محيط، أطعتك بقوتك والمنة لك، وعصيتك بعلمك؛ فأسألك يا إلهي بوجوب رحمتك وانقطاع حجتي وافتقاري إليك وغناك عني أن تغفر لي وترحمني. إلهي لم أحسن حتى أعطيتني؛ فتجاوز عن الذنوب التي كتبت علي. اللهم إنا أطعناك في أحبِّ الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ولم نعصك في أبغض الأشياء إليك الشرك بك فاغفر لي ما بين ذلك".

وآخر يقول وهو يطوف بالكعبة: "يا خير موفود سعى إليه الوفد قد ضعفت قوتي وذهبت منتي وأتيت إليك بذنوب لا تغسلها الأنهار ولا تحملها البحار، أستجير برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك، ثم التفت فقال أيها المشفقون ارحموا من شملته الخطايا وغمرته البلايا... ارحموا من وبخته الذنوب وظهرت منه العيوب، ارحموا أسير ضر وطريد فقر، أسألكم بالذي أعملتم الرغبة إليه إلا ما سألتم الله أن يهب لي عظيم جرمي ثم وضع في حلقه بالباب خده وقال: ضرع خدي لك وذل مقامي بين يديك ثم أنشأ يقول:

عظيمُ الذنب مكروبُ** من الخيرات مسلوبُ

وقد أصبحتُ ذا فقرٍ** وما عندكَ مطلوبُ

ودعا آخر في فلاة من الأرض وقال: "اللهم إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي للؤم، وإن تركي الاستغفار مع معرفتي بسعة رحمتك لعجز.. إلهي كم تحببتَ إليّ بنعمتك وأنت غني عني، وكم أتبغض إليك بذنوبي وأنا فقير إليك.. سبحان من إذا توعّد عفا وإذا وعد وفى".

ودعا أعرابي فأوجز وحاجج: "اللهم إن ذنوبي إليك لا تضرك وإن رحمتك إياي لا تنقصك؛ فاغفر لي ما لا يضرك، وهب لي ما لا ينقصك".

ويفعل الأمر نفسه آخر فيقول: "اللهم إن قوما آمنوا بك بألسنتهم ليحقنوا دماءهم فأدركوا ما أمّلوا، وقد آمنا بك بقلوبنا لتجيرنا من عذابك فأدرك منا ما أمّلناه".

وثالث على نفس الشاكلة يقول وهو متعلق بأستار الكعبة: "ربّ أتراكَ معذبنا وتوحيدك في قلوبنا، وما إخالك تفعل، ولئن فعلتَ لتجمعنا مع قوم طالما أبغضناهم لك".

وطاف أعرابي بالكعبة وهو يقول: "إلهي عجّت إليك الأصوات بضروب من اللغات يسألونك الحاجات وحاجتي إليك إلهي أن تذكرني على طول البكاء إذا نسيني أهل الدنيا، اللهم هب لي حقك، وأرضِ عني خلقك، اللهم لا تُعيِني في طلب ما لم تقدّره لي، وما قدّرته لي فيسره لي".

ووقف أعرابي في بعض المواسم فقال: "اللهم إن لك علي حقوقا فتصدق بها علي، وللناس تبعات قِبلي فتحملها عنى، وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك الليلة فاجعل قراي فيها الجنة".. فاللهم أدخلنا الجنة.


**باحث لغوي بكلية دار العلوم، يمكنكم التواصل معه، أو مراسلتنا بآرائكم وتعليقاتكم الإيمانية، عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع