بريدك الالكتروني


English

 

الخميس 6 رمضان  1427 هـ - 28/9/2006 م

قلوب جريحة » تزكية
أرسل لصديق
 
 
 

 

المقاهي تسرق رواد المساجد برمضان!

حمدي الحسيني**

ينشغل رواد المقاهي عن الطاعة في رمضان

من فاس في المغرب، إلى سترة في البحرين، ومن أم درمان بالسودان، إلى قاهرة المعز لدين الله الفاطمي؛ تنتعش المقاهي وترتدي أبهى حلة؛ لاستقبال شهر رمضان الكريم، حتى إن بعضها يكون أكثر ازدحامًا من بعض المساجد!!

وينشغل مرتادو المقاهي في رمضان -ومعظمهم من الشباب- عن العبادة، بكل ألوانها من صلوات وتراويح وتسابيح وقرآن، فيعكفون على شرب الشيشة، وسماع الأغاني، ومتابعة المسلسلات، بدلاً من العكوف على العبادة، وربما استضافت هذه المقاهي فرقًا موسيقية، وقدمت وصلات في الرقص الشرقي!.

ففي حي الحسين بقلب القاهرة، التقينا عبد الله بن عيسي -موظف حكومي بمدينة فاس المغربية الشهيرة- فقال إنه حضر إلى مصر خصيصًا لشراء تجهيزات مقهى يمتلكه في المدينة المغربية الهادئة، حيث يشتهر الحسين ببيع أدوات المقهى؛ من شِيَش إلى دخان حتى الفحم المستخدم بجانب باقي أدوات العصائر والمشروبات.

وأضاف بن عيسي في حديثه لـ"إسلام أون لاين.نت": "تعاني معظم المدن المغربية من ندرة في المقاهي الشرقية على الطريقة المصرية التي تمثل مصدر جذب لبعض المغاربة".

وبالنسبة للتأثير السلبي للمقهى على روادها، وإبعادهم عن ممارسة العبادات الرمضانية، يشير عبد الله بن عيسي: "أدير المقهى مع شريك آخر، ونحرص على عدم فتح المقهى أمام الرواد، إلا بعد الإفطار، وبعد أن يكونوا قد أدوا صلاة العشاء، ونستمر حتى موعد السحور قبيل صلاة الفجر، كما نعلق لافتة تحدد مواعيد العمل لاستقبال الزبائن".

ويوضح بن عيسى أن "شهر رمضان يمثل بالنسبة لنا موسمًا سنويًّا للكسب، حيث ننظر إلى المقهى باعتباره مشروعًا استثماريًّا، يساعدنا في تحقيق دخل أكبر، ونقدم ألوانا من الطرب الأندلسي، والتواشيح الدينية التي تضفي على ليالي رمضان مذاقًا مميزًا".

أقاطعها في رمضان

وفي مدينة بني غازي شرق ليبيا، تحولت المدينة خلال الأعوام الأخيرة إلى ملاذ لآلاف المصريين الباحثين عن فرص عمل، وهؤلاء نقلوا معهم الكثير من العادات والتقاليد المصرية الشعبية، ومنها المقاهي.

ويقول المبروك محمد -مدرس ليبي يعيش في منطقة بني غازي- خلال زيارته لمصر: "رغم أنني أتردد على المقاهي من حين لآخر فإنني أقاطعها تمامًا في شهر رمضان؛ لأنني ليس لدي وقت فائض، خصوصًا أن الدراسة تلازمت هذا العام، مع دخول شهر رمضان المبارك.

فبعد أن أنهي عملي اليومي في المدرسة، أتفرغ لأداء بعض الطاعات، مثل قراءة القرآن، والأذكار، فضلاً عن المواظبة على حضور الصلوات في المسجد، فللأسف فإن المقاهي لدينا تشغل حيزًا كبيرًا من الوقت، حيث تلهي الشباب الذي يقضي معظم أوقات الليل في تدخين الشيشة، وأمور تتعارض مع مكانة الشهر الكريم".

ويضيف المبروك: "قمت بمبادرة شخصية، وطلبت من بعض أصحاب المقاهي أن يوقفوا نشاطهم خلال الشهر الكريم، أو على الأقل خلال صلاة العشاء والتراويح، لكن بعضهم تحفظ على مبادرتي، كما أن بعضهم وافق على الفكرة بشرط أن يكون ذلك في العشرة الأواخر من رمضان فقط!".

مقاهي ليلية

أما في منطقة البقارة -بإحدى ضواحي مدينة أم درمان الشهير في السودان- فإن الكثير من المقاهي، تعمل من بعد صلاة العشاء، وحتى منتصف الليل.

ويبين أحمد عبد الواحد -مسئول عن إدارة مقهى في أم درمـان في اتصال هاتفي-: "يختلف الأمر حاليًّا عنه في عهد وجود حزب المؤتمر الشعبي بزعامة الدكتور حسن الترابي، حيث كانت المقاهي تغلق أبوابها طوال الشهر الكريم، باستثناء بعض مقاهي الخرطوم الحديثة التي تقدم المأكولات والمشروبات لطبقة القادرين ورجال الأعمال والأجانب".

ومؤخرًا انتقلت عدوى المقاهي إلى دول الخليج، ومن بينها المملكة العربية السعودية، حيث يتردد على المقاهي الفتيات والمراهقات والشباب، ويتم تخصيص أماكن لاستقبال العوائل.

ورغم جهود هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل إغلاق هذه المقاهي في رمضان، فإنها باءت بالفشل، ووصل الأمر إلى لجوء الشيخ محمد الحرفي -رئيس جمعية مكافحة التدخين في المنطقة الشرقية- إلى القضاء، مطالبًا بإغلاق هذه المقاهي بشكل عام وبالتحديد في شهر رمضان.

تزيين المقاهي!

ويقول أسامة إبراهيم من سكان مدينة الرياض، في رسالة عبر البريد الإلكتروني: "المقاهي في الرياض عبارة عن مكان متسع جدًّا، لا يقل عن 5 آلاف متر مربع، مقسم لعشرات الأماكن المستقلة عن بعضها، تفصل بين كل ركن في المقهى حوائط بارتفاع متر تقريبًا عن الأرض.

وتجلس كل مجموعة أو شلة من رواد المقهى في جزء خاص، يحتوي على مجلس عربي، وجهاز تلفزيون مستقل يتضمن بعض القنوات الفضائية الغنائية والإخبارية وقنوات الأفلام، وهذا المكان غالبًا ما تقدم فيه الشيشة والمشروبات الأخرى، وأحيانًا وجبات غذائية حسب الطلب، وغالبية روادها من فئة الشباب والطلاب".

وحول وضع المقاهي في شهر رمضان قال: "يتم تزيين جميع المقاهي وزخرفتها بالأنوار والنخيل المضيء، وتفتح أبوابها طوال الليل، وتستعين ببعض المغنين، فضلاً عن شعراء الشعر النبطي (شعر شعبي سعودي)".

وفي شهر رمضان، يتقدم شارع أبي نواس مقدمة المقاصد لسكان بغداد ليلاً، حيث تزدهر السهرات في مطاعمه الشهيرة على شاطئ نهر دجلة الذي يشق العاصمة العراقية.

أما في مصر، فتزدحم المقاهي طوال شهر رمضان بالرواد من كل الأعمار، ويعتبر حي الحسين العريق الأشهر، ويضم القسم الأعظم من المقاهي التي تأتي في مقدمتها مقهى الفيشاوي الشهيرة الملاصقة لمسجد سيدنا الحسين.

وحتى سنوات قليلة، كانت مقاهي الحسين مسرحًا لفناني الربابة الذين كانوا يرددون السير الشعبية، وينشدون القصائد والتواشيح، خصوصًا في شهر رمضان.

ولكن عجّت مصر الآن بالخيم الرمضانية، وتتنوع المقاهي فيما تقدمه في رمضان، من رقص، وغناء، أو فتح القاعات لمشاهدة الدش، وتناول الشيشة، والسمر في ليل رمضان.

المقاهي أكثر ازدحامًا

وتترك المقاهي تأثيرات سلبية على قطاعات عريضة من الشباب المسلم في رمضان. هذا ما أكده الشيخ محمود عاشور - الوكيل السابق للجامع الأزهر؛ مضيفًا: "يجب تحديد مواعيد عمل المقاهي في الليل، بحيث لا تكون بديلاً عن بيوت الله؛ لأنها صارت مضيعة للوقت، وتضر أكثر مما تفيد، حتى إن بعض المقاهي تكون أكثر ازدحامًا من المساجد في رمضان، وهذا أمر خطير يجب التصدي له وتوضيحه للشباب".

وأضاف الشيخ عاشور: "مع انتشار المقاهي بصورة واسعة في أحياء القاهرة وأيضًا الأقاليم يجب تشديد الرقابة عليها؛ لأن غالب روادها من الشباب العاطلين عن العمل، وهؤلاء يشكلون قطاعًا يتزايد عدده يومًا بعد يوم، فضلاً عن أن العاطل يكون شخصًا ضعيفًا، كما يكون أكثر استعدادًا لارتكاب الجرائم من غيره؛ نظرًا لحالة الفراغ فضلاً عن الغُبن الذي يستشعره".

عصام الشعار

ويوضح الباحث الشرعي، عصام الشعّار، الحاصل على درجة الماجستير من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر - أن "المقاهي بصورتها المعهودة لا تخلو من بعض المنكرات، والمسلم مأمور بأن يزيل المنكر؛ بالحكمة ودون أن يترتب على ذلك منكر أكبر، فإن لم يستطع أن يزيله فلا أقل من أن يزول هو عنه.

ولذلك ينبغي للمسلم ألا يرتاد هذه الأماكن ما لم تكن هناك حاجة -كأن يكون غريبًا ولا يجد مكانًا يستريح فيه أو صاحب حاجة ينتظر قضاءها ولا يجد مكانًا ينتظر فيه إلا المقهى ونحو ذلك- أما أن تكون هذه الأماكن هي المتنفس الذي نروّح به عن أنفسنا، فهذا لا يجوز.

وإذا كان يقبح بالمسلم أن يكون من رواد المقاهي فإنه يعظم القبح إذا كان هذا في رمضان، فرمضان هو موسم حصاد الخير، فالعاقل من شمّر عن سواعد الجد واغتنم كل ساعة تمر عليه في شهر النفحات والخيرات، فمن أين يأتي المسلم بالوقت الذي يجلس فيه على المقهى، في نهار يشغله فيه الصوم، وليل يشغله في الذكر والقيام والتهجد؟!!".

وينصح الشعار الأسرة المسلمة بالترفيه المباح في ليل رمضان؛ مبينًا: "لا شك أن النفس بطبعها تستشعر الملل، فلا بأس أن نخطف بعض اللحظات في المباح من اللهو والسمر من غير إسراف. فالشهر شهر الطاعات، وليس هناك أجمل من أن يجتمع أفراد الأسرة في جو إيماني، لا غيبة فيه ولا نميمة ولا فحش في القول أو الفعل.

وفي اللهو المباح ما يفوق الحصر، وما أجمل أن تنشط المساجد في إقامة المسابقات الثقافية، حول كتاب الله، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، فنجعل بهذا لهونا في تنشيط الأذهان والتنافس في الخيرات، ويمنح الفائز جائزة رمزية، ونحو ذلك مما يشحذ الهمم ويقوي العزائم".

رمضان شهر الخيام!

د. عبد الرزاق الشايجي

ويشير المفكر الكويتي د. عبد الرزاق الشايجي -العميد المساعد لكلية الشريعة بجامعة الكويت- إلى أن "المسألة الهدف منها علمنة رمضان بمعنى جعل رمضان شهر الخيام السافرة، والمسلسلات التلفزيونية الهابطة والأفلام القبيحة والمسابقات المثيرة، وهو جزء كبير من منظومة علمنة المجتمع الإسلامي وإخراجه من ثوبه".

وقال الشايجي، في حديث لصحيفة المدينة السعودية: "كان المجتمع المسلم -في بادئ الأمر- رافضًا لهذه الظاهرة، ولكن بعد تقدم المجتمعات واختلاطها، وسفر الأسر الخليجية إلى الدول العربية المجاورة لدعوى الاستجمام والسياحة، بدأت هذه الأسر بتقبل الفكرة والتأقلم معها، وأصبح هذا الأمر معتادًا.

وقد بذلنا في الكويت جهودًا مضنية لمحاربة هذه الظاهرة، كما خاض د. وليد الطبطبائي -النائب الإسلامي بمجلس الأمة الكويتي- حربًا شعواء ضد هؤلاء العلمانيين وأصحاب الفكر المنحرف والتقليد الأعمى. وبرأيي الشخصي لا يمكن القضاء على هذه الظاهرة إلا بأمرين؛ أولهما التشريعات القانونية، أو استصدار أمر مُلزم من ولاة الأمر بمنع هذه الخيام الشيطانية.

ولا بد لنا من إيجاد البديل الناجح، وهي الخيام الرمضانية الإسلامية، كما يجب على علماء الأمة بيان خطورة هذه الظاهرة على الأمة الإسلامية، خاصة أن رمضان هو شهر الطاعة والعبادة، وليس شهر اللهو والغناء والأكل، وهذا يتنافى مع قيم المجتمع المسلم، ومن واجب العلماء تفهم طبيعة الناس، ومخاطبتهم على حسب عقولهم، حتى تتحقق الفائدة، وتندثر هذه الظاهرة".


** صحفي مصري؛ يمكنكم التواصل معه، أو مراسلتنا بآرائكم وتعليقاتكم الإيمانية، عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع