|
في
هذه الحلقة يعرض الدكتور القرضاوي لبعض
نشاط الإخوان خارج مصر، سواء الذين وجدوا
خارجها قبل المحنة، والذين اضطروا
للخروج من وطنهم فرارًا بدعوتهم من بطش
السلطة، وكيف قاموا بحملة إعلامية ضخمة
في موسم الحج (1386هـ ـ 1966م) لشرح قضيتهم
وفضح ممارسات النظام المصري آنذاك،
مبينًا موقف السلطات السعودية من هذه
الحملة.
كما
بين في هذه الحلقة أيضًا دور الإخوان في
إقناع المسئولين السعوديين بضرورة إنشاء
رابطة العالم الإسلامي، ومساهمتهم في
وضع إهدافها وبيان طرائقها.
كما
حدثنا عن فضيلة الشيخ مناع القطان،
والمكانة التي تبوأها في السعودية،
ودوره كوسيط بين السلطات هناك والإخوان.
كما
قص علينا رحلته مع أشهر قصائده (النونية)،
وكيف جمع متفرقها الذي تشعث في صدر
الكثير من الإخوان الذين حفظوها.
ومما
تناوله فضيلته في هذه الحلقة أيضًا
العلاقة بين الإخوان وحركة (فتح)
الفلسطينية، وكيف أن هذه الحركة ولدت من
رحم الحركة الإسلامية ثم تمردت عليها
وتبنت الاتجاه العلماني، مما تسبب في
حدوث الجفوة بينها وبين الإخوان.
أعباء
على جسر الخطر
كان
الإخوان في داخل مصر ما بين معتقل في
السجن الحربي، أو في مزرعة طرة، أو في سجن
القناطر، أو في سجن القاهرة (أرميدان) أو
في سجون الأقاليم والمحافظات.. وبين
معتقل في بيته ممن لم يصبه الاعتقال، من
غير المعروفين، فهو في منزله أشبه
بالسجين، لا يستطيع أن يتحرك، ولا أن
يساعد أسرة أحد من إخوانه؛ لأن الأجهزة
له بالمرصاد.
وكان
على الإخوان خارج مصر عبء لا بد لهم أن
يحملوه، دفاعًا عن إخوانهم، وتعبئة
للرأي العام العربي والإسلامي والعالمي،
ليقف معهم، ويؤازرهم في شدتهم.
وكان
على الإخوان المصريين ـ بالخصوص ـ عبء
أكبر من غيرهم، فعليهم أن يتحركوا على
الصعيد السياسي، وعلى الصعيد الإعلامي،
ليعملوا شيئًا لنصرة إخوانهم، فقد نجاهم
الله من هذه المحنة التي تصهر إخوانهم في
بوتقتها، فعليهم أن يشكروا الله على
النجاة منها، بعملهم لمساعدتهم بكل
وسيلة.
ولما
كانت هذه المحنة سببا في إحياء الجماعة ـ
فكرا وشعورا ـ داخل مصر، فقد كانت سببا في
إحياء الإخوان كذلك خارج مصر، وتحرك
الإخوة هنا وهناك للمّ الشمل، وجمع
المساعدات المالية، ومحاولة توصيلها
لعائلات المعتقلين، رغم وعورة الطريق،
وخطر المحاولة، ويقظة رجال المباحث، لأي
طارق يطرق هذه البيوت المنكوبة، ولم ينس
الإخوان ما حصل في محنة 1954 من محاكمات لما
سموه (أجهزة التمويل) التي حكم على بعضهم
فيها بعشر سنوات، وأكثر من ذلك.
ومع
هذا، لا بد من المخاطرة، ولا يسعنا بحال
أن ندع زوجات إخواننا وأطفالهم وأبناءهم
وبناتهم جياعا، كما تريد السلطات
المصرية أن تذل أسر الإخوان، ولا يذل
الإنسان مثل الجوع، والجوع كافر، ومثل مد
الكريم يده إلى اللئيم يسأل القوت، ولا
يقهر الأم شيء مثل أن ترى فلذات أكبادها
يتضورون من الجوع، وتصرخ بطونهم من
الطوى، بين أيديها وهي لا تملك لهم شيئا!!.
أي
شيطان لبس الإنسان، فجعله يقسو على
مواطنيه هذه القسوة؟ وهب أنه أذنب، فما
ذنب أمه وأبيه وصاحبته وبنيه؟.
ما
بالنا اليوم ننكر على إسرائيل ما تفعله
بأسر الفدائيين، حيث تُهدَم بيوتهم،
وتدع أهليهم في العراء؟ على حين نجد 95% من
هؤلاء المعتقلين، ليس لهم في الثور ولا
في الطحين، ولا في العير، ولا في النفير.
تجاوب
الإخوان مع نداء الواجب، ولم يتخلف عن
ذلك إلا المهازيل الذين ترتعد فرائصهم
فرقا من الطواغيت، وهم على بعد آلاف
الأميال! وهؤلاء كانوا قليلا، أو أقل
من القليل، أو الذين آلوا على أنفسهم: أن
لا يتصلوا بالدعوة من قريب ولا من بعيد.
والدعوة في غنى عن هؤلاء الذين ضنوا
عليها بأنفسهم وأموالهم، ورضوا أن
يعيشوا حياة الفارغين من الطموح إلى
مراتب العلا في الدنيا، أو درجات النعيم
في الأخرى، فأولى أن يخاطبوا بقول
الحطئية:
دع
المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد
فإنك أنت الطاعم الكاسي!
على
أن المهم ليس مجرد جمع الأموال،
فالباذلون من الإخوان كثير، والحمد لله،
ولكن المهم هو توصيلها إلى الأسر
المحتاجة والمستحقة للعون العاجل. وهي
محفوفة بالمخاطر، مليئة بالأشواك، على
نحو ما قال الشاعر العاشق قديما:
كيف
السبيل إلى سعاد، ودونها
قمم الجبال، ودونهن صنوف؟
والرجل
حافية، ومالي مركب
والدرب وعر، والطريق مخوف
وهذه
الأسر ليست مائة ولا ألفا، بل هي ألوف
مؤلفة في القاهرة والإسكندرية وسائر
محافظات مصر في الصعيد والوجه البحري،
حتى العريش والواحات كان منها معتقلون.
إنها في حاجة إلى شبكة كبيرة ممن لا
يبالون ما يصيبهم في سبيل الله، فإنهم
إذا ضبطوا اتهموا بأنهم على صلة بدولة
أجنبية، يقبضون منها الأموال، ويوظفونها
في تخريب البلاد، وإفساد العباد.
ولم
تمنع المخاطرة من الاتصال بالإخوان
الذين نجوا من الاعتقال، الذين استطاعوا
أن يوظفوا عددا من الأخوات المؤمنات
الصادقات في هذا الأمر، فقمن بدورهن خير
قيام، على قدر الإمكان. فلا شك أن هناك
أسرا في مدن وقرى مختلفة من أنحاء مصر، لم
يستطع أحد الوصول إليها، وظلت صابرة على
البأساء والضراء، تشكو إلى الله الرحمن
الرحيم قسوة الإنسان على أخيه الإنسان،
بل قسوة المصري على أخيه المصري!
إلــى
اللـه نشكو، إننا بمواطـن
تحكّم فـي آسادهن كلاب!
وقد
صار هذا الناس ـ إلا أقلهم ـ
ذئابا على أجسادهن ثياب!
ولم
تسلم أسرتنا من آثار هذه المحنة، فقد كان
شقيق زوجتي ـ الأستاذ سامي عبد الجواد ـ
أحد المعتقلين، الذين سيقوا إلى مزرعة
طرة، ولقي فيها من المتاعب ما لقي، حتى
اضطر إلى إجراء عملية جراحية، وهو في
المعتقل، عانى فيها ما عانى، وما زالت
آثارها معه إلى اليوم.
حملة
إعلامية في موسم الحج
ومما
اتجه إليه الإخوان في الخارج: أن يواجهوا
النظام الناصري بحملة إعلامية مضادة،
حيث يستحيل عليهم في داخل مصر أن يردوا
على إعلام عبد الناصر المسخر لتأييد كل
ما تقوله السلطة من حق أو باطل.
اختار
الإخوان أن تكون هذه الحملة في موسم
الحج، حيث يجتمع الحجيج من مصر، ومن
الوطن العربي، ومن العالم الإسلامي، ومن
خارج العالم الإسلامي حيث تعيش الأقليات
الإسلامية في آسيا وأفريقيا وأوروبا
والأمريكتين وأستراليا. فهذا الموسم هو
الزمان المناسب والمكان المناسب لتنظيم
هذه الحملة ضد عبد الناصر، ونظام حكمه،
القائم على البطش والقهر، وقمع
المواطنين، وإرهاب كل شخصية أو جماعة
تحاول أن ترفع رأسها لتقول في أي مناسبة
للثورة: لم؟ ناهيك بأن تقول: لا.
ووسيلته
في ذلك: السجون والمعتقلات والمشانق،
وأدوات التعذيب الجنهمية، التي لم
يعرفها المصريون قط في عهد الملكية التي
اتهمت بالفساد والانحراف والمظالم، ولما
سقطت ظن الناس أنهم تخلصوا من الظلم إلى
غير رجعة، فوقعوا في ظلم أكبر وأضخم، لم
يعرفوا له مثيلا من قبل.
وكان
لا بد لتنظيم هذه الحملة الدعائية
الواسعة في موسم الحج من أمرين لا بد من
الاطمئنان إليهما قبل الشروع في الإعداد
لها.
شرعية
هذه الحملة
أول
هذين الأمرين: مدى شرعية هذا العمل في
موسم العبادة العالمية (الحج). وكان الرأي
السائد: أن القرآن ربط عبادة الحج بـ(شهود
المنافع) للمسلمين، فقال تعالى لإبراهيم:
(وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل
ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع
لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) [الحج:
27، 28].
ومن
هذه المنافع: أن يناصروا إخوانهم
المستضعفين في الأرض، الذين يجرّعون من
كئوس الإيذاء، ويذوقون من ألوان الإهانة
والإذلال ما لا يكاد يحتمله بشر، وأن
ينددوا بظالميهم المستكبرين في الأرض
بغير الحق، الذين ساموهم سوء العذاب (وما
نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز
الحميد) [البروج: 8].
ولقد
استفاد الرسول الكريم من موسم الحج في
السنة التاسعة، حين بعث أبا بكر أميرًا
على الحجيج المسلمين، وبعث وراءه عليًّا
بسورة التوبة ليقرأها على الناس،
ليحددوا موقفهم بعد أن أمهلتهم السورة
أربعة أشهر. ويعلن علي باسم رسول الله: أن
لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت
عريان، وأن يوفَّى لكل ذي عهد بعهده.
وفي
حجة الوداع أعلن الرسول على الناس بيانه
العام الذي أكد فيه كرامة الإنسان،
واحترام حقوق الإنسان وصيانة الدماء
والأموال والأعراض، وأبطل ما كان في
الجاهلية من أوضاع كالربا وغيره، وقال
للناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد،
كلكم لآدم وآدم من تراب.
فلا
حرج إذن أن يُستخدَم الحج فيما فيه مصلحة
المسلمين، على أن يتم ذلك بالحكمة والرفق
والأناة، دون إثارة أو مواجهة بين الناس
بعضهم وبعض، حتى لا تحدث فتنة بين
المسلمين.
موقف
السلطات السعودية
والأمر
الثاني: أن توافق السلطات السعودية على
ذلك، وكانت العلاقات بين الإخوان
والمملكة العربية السعودية في ذلك الوقت
علاقة تواصل ومودة وتفاهم وتعاون، وذلك
في عهد الملك الراحل ـ رجل المواقف
العربية والإسلامية التي لا تُنسَى ـ
فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله،
ولا ريب أن كل الذين تعاملوا مع هذا الرجل
أثنوا عليه ثناء عاطرًا، من حيث فهمه
ووعيه ودينه وأمانته وشجاعته في تبني
الحق والدفاع عنه.
سعي
الإخوان لإنشاء رابطة العالم الإسلامي
في مكة
|
 
|
|
الإمام أبو الأعلى المودودي |
كامل الشريف |
وكان
الإخوان قد بدأت صلتهم تتوثق بالمملكة من
قبل في عهد الملك سعود، الذي استجاب
للإخوان بإنشاء (رابطة العالم الإسلامي)
فقد كان الإخوان ـ وفي مقدمتهم سعيد
رمضان، ومعه كامل الشريف، وعبد الحكيم
عابدين وغيرهم ـ هم الذين أقنعوا
المسئولين بضرورة تأسيس هذه المنظمة
العالمية، وبيَّنوا أهدافها، ورسموا
طرائقها، وقدموا مسوّدتها للمسئولين،
ورشحوا لهم أعضاءها من الشخصيات
الإسلامية العالمية، التي تشترك مع
الإخوان في الهم الإسلامي العام، وفي
الوعي بقضايا الأمة الكبرى، ووسائل
النهوض بها، مثل: مولانا أبو الأعلى
المودودي من باكستان، ومولانا أبو الحسن
الندوي من الهند، والدكتور محمد ناصر من
إندونيسيا، والشيخ محمد محمود الصواف من
العراق، والشيخ حسنين مخلوف من مصر،
وغيرهم من رجال العلم والفكر والدعوة
والجهاد.
الشيخ
مناع القطان
وكان
من الإخوان الذين وصلوا إلى المملكة
مبكرين عدد ممن يعملون في سلك التدريس،
على رأسهم الأخ العالم الأزهري المتمكن
الشيخ مناع خليل القطان، خريج كلية أصول
الدين، وزميلي في الدراسة وفي السكن، وقد
تخرج قبلي بسنتين، وأعير إلى المملكة سنة
1954، 1953 الدراسية، أي قبل محنة الإخوان مع
عبد الناصر بقليل، فنجاه الله منها،
واختير للتدريس بالمعاهد والكليات
الشرعية بالرياض، قبل أن تُنشَأ جامعة
الإمام محمد بن سعود، وتُضَم هذه الكليات
إليها.
وقد
حاز الشيخ مناع ثقة المشايخ وطلبة العلم
بالرياض، لأصالة جانبه العلمي، الذي
تكون في رحاب الأزهر، ومرونة شخصيته،
وتمتعه بالأناة والحكمة في مواجهة
الأمور، وثقة الإخوان به، ممن يعملون في
المملكة من أمثال الشيخ فتحي الخولي،
والشيخ مصطفى العالم، وغيرهما ممن
يعملون في مُدن المملكة المختلفة في نجد
والحجاز والمنطقة الشرقية.
وكان
مما ساعد فضيلة الشيخ مناع على احتلال
مكانته: وجود عالم كبير من قريته نفسها (شنشور
منوفية) سبق إلى المملكة، ونال الاحترام
والتقدير من كبار مشايخها، وأمسى مقدمًا
فيهم، وبخاصة أنه سلفي العقيدة، ومن رجال
أنصار السنة في مصر، ولكنه كان رجلا
ضليعا في العلم، حكيما في الرأي، قويا في
الدين، متينا في الخُلُق، يتميز
بالاعتدال والتوسط في النظر إلى
القضايا، ومعالجة المواقف، هذا العالم
الجليل هو الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه
الله، الذي تتلمذت عليه أجيال من أبناء
المملكة، وكان عضوا في هيئة كبار
علمائها، ولجنة الإفتاء، وكانت مرتبته
تلي مرتبة الشيخ ابن باز، وكان مهيبا
محترما محبوبا مسموع الكلمة من الجميع.
لذا كانت معرفة الشيخ عبد الرزاق بالشيخ
مناع، وقربه منه، وحسن رأيه في الإخوان،
مما مهد السبيل له لينال وضعه.
ولا
غرو أن أصبح الشيخ مناع هو وجه الإخوان،
والممثل لهم أمام الجهات الرسمية
السعودية، وأضحت له ثقة عندهم، فإذا أراد
الإخوان شيئا من الحكومة السعودية نقلها
إليهم الشيخ مناع، عن طريق لقائه بالأمير
نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية، أو
الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير الرياض،
أو الأمير أحمد بن عبد العزيز نائب وزير
الداخلية. وكذلك إذا أرادت المملكة أمرًا
من الإخوان استدعت الشيخ مناعا، وأبلغته
بما يريدون، أو فاوضوه فيما يطلب منهم،
وقد يرجئ الإجابة حتى يشاور إخوانه، ثم
يرجع إليهم.
وفي
عهد الملك فيصل رحمه الله ازدادت صلة
الإخوان به توثقا وقوة، وأضحى كثير من
الإخوان مجندين لأنفسهم وجهودهم في
تأييد السياسة الإسلامية التي ينهجها
الملك فيصل، وهي سياسة تتفق مع أهداف
الإخوان، وربما كان لهم دور في إغرائه
بها، ودفعه إليها.
رأينا
مثلا الدكتور توفيق الشاوي ـ القيادي
الإخواني المصري ـ يعمل في سبيل تأسيس
البنك الإسلامي للتنمية، ويضع له أسسه
وقواعده القانونية.
ورأينا
الشيخ محمد محمود الصواف ـ مؤسس حركة
الإخوان في العراق ـ يحمل رسائل من الملك
فيصل إلى رؤساء أفريقيا في حركة ذكية
واعية، قادها فيصل بحكمة ومهارة، لتأليب
أفريقيا على إسرائيل، وضمها إلى الجانب
العربي. والحق أن سياسة الملك فيصل هذه
آتت ثمراتها بسرعة، وقاطعت معظم الدول
الأفريقية ـ خاصة الإسلامية منها ـ
الكيان الصهيوني.
ورأينا
إخوة من الأساتذة التربويين في وزارة
المعارف التي يقودها الرجل الفاضل الشيخ
حسن عبد الله آل الشيخ، وقد شكلت منهم
لجان لتغيير المناهج التقليدية، إلى
مناهج معاصرة، تراعي الأسس التربوية،
وتجمع بين الأصالة والتجديد، كما ألفت
كتب حديثة في ضوء هذه المناهج لا تغفل
العقيدة الإسلامية، ولا القيم
الإسلامية، كما لا تغفل روح العصر
وتياراته في المضمون والأسلوب.
الذي
أقصد إليه هنا: أن المملكة في ذلك الحين
كانت مهيأة لتسمح للإخوان بحملتها في
موسم الحج (1386هـ ـ 1966م). وكان هجوم عبد
الناصر على المملكة ورجالها وعلى الملك
فيصل خاصة، مما أحدث قطيعة بين البلدين،
وتوترًا في العلاقة بينهما، وكان هذا من
فضل الله على الإخوان ورحمته بهم، فهو
سبحانه إذا أراد أمرا هيأ له الأسباب،
وأزال من طريقه الموانع.
قرر
الإخوان في الخارج إصدار عدة كتب تندد
بسياسة عبد الناصر، ومظالم عهده، وخصوصا
ما صنعه مع الإخوان، ممن علق على حبال
المشانق جهرة، ومن قتل تحت سياط التعذيب
خفية، ومن قتل في السجون علانية، برصاص
الحراس، وهم أمانة تحت أيديهم، كما في
مذبحة ليمان طرة الشهيرة، ومن عوِّق أو
شُوِّه أو أصيب بآفة في جسده، ومن ضاع
مستقبله، ومن خسرت تجارته، ومن بارت
زراعته، ومن جاعت ذريته، وتعرضت لمحن
شداد، ومن تركت الكرابيج الساخنة آثارًا
باقية في بدنه، وأنا واحد منهم.
وطفق
الإخوان يهيئون هذه الكتب، ويحضرون
مادتها، ويستكتبون أهل الذكر والخبرة
فيها، وظهر منها خمسة، بعدد صلوات اليوم
والليلة، كان أحدها (الوثيقة الخطيرة)
التي وقع عليها وزير الداخلية، ومعه
آخرون، لمحاربة (تيار التديّن) في مصر،
فهو الذي يفرخ هؤلاء الإسلاميين، الذين
يعارضون الثورة، ويقدمون الفكر البديل
عنها، ولا يبالون بالتضحية في سبيلها.
وكلما ضربت الثورة جيلا من هؤلاء، وحطمت
قوته، برز جيل جديد، يحمل اللواء، ويعلي
البناء، ويجيب النداء، ويقدم الفداء،
ويتحمل البلاء.
ومن
أين يأتي هذا الجيل؟ إنه يتولد من رحم
التيار الديني العام، لهذا لا بد من
محاصرة هذا التيار من منبعه، ومحاولة
إضعافه، إن لم يكن احتواؤه.
قصيدتي
النونية
وكان
عليّ دور محدد، طلب مني في هذه الحملة،
وهو قصيدتي التي اشتهرت لدى الإخوان باسم
(النونية) لأني قلت في مطلعها:
|
وتركت
للأيام ما يعييني
بغرائب الأحداث ما يغنيني
مصرٍ، بلا خلق ولا قانون
! حتى ترحمنا على نيرون |
|
صوّرت
فيها ما استطعت بريشتي
ما همت فيها بالخيال، فإن لي
أحداث عهد عصابة حكموا بني
أنست مظالمهم مظالم من خلَوْا
|
وقد
مر على قارئي الكريم فقرات من هذه
الملحمة في مناسباتها في الجزء الثاني من
هذه المذكرات.
وكان
عليَّ أن أكتب مقدمة لهذه القصيدة، وأن
أعلق على بعض أبياتها، وأُعَرِّف ببعض
الأسماء التي ذُكرت فيها، مثل حمزة
البسيوني قائد السجن الحربي، وأمين
السيد (صول) السجن، ومن حولهما من الجنود
وزبانية التعذيب.
ولكن
كانت هناك مشكلة قبل ذلك كله، فقد أنشأت
هذه القصيدة في أواخر سنة 1955م، أي منذ عشر
سنوات أو تزيد، وللأسف لم أكتبها، وكنت
معتمدًا على الذاكرة في حفظها، لأني كنت
أخشى أن أكتبها، فتهاجم المباحث منزلي
لسبب أو لآخر، وتفتشه، فتجد القصيدة، وقد
ذكرت فيما مضى أني استُدعيت إلى المباحث
ليسألوني عن هذه القصيدة خاصة.
وكان
عليَّ بعد أن ذهبت إلى قطر أن أكتبها،
ولكن شغلتني شواغل العمل الجديد، والبلد
الجديد، والشعور بالأمن، فلم أفكر في هذه
القصيدة، ولم يطلب مني أحد أن أكتبها، أو
أنشدها. فنسيت الكثير منها. ولم يعد ما
أحفظه منها مترابطًا، بل هناك فجوات بين
بعض القصيدة وبعض، وقديمًا قالوا: حياة
العلم مذاكرته. أما ترك العلم دون
مذاكرته فهو على وشك النسيان، ولا سيما
مع طول الزمان، وقد قال شوقي: اختلاف
النهار والليل ينسي.
وهنا
كان عليّ أن أبحث عن الإخوة الذين كانوا
يحفظون القصيدة ممن كانوا معي في السجن
الحربي، ومنهم أخوان كريمان من إخوان
طنطا، وهما: سعد زين العابدين سلامة،
أصغر طالب كان في السجن الحربي، وكان في
الشهادة الثانوية، وزميله فؤاد قنديل،
وكان في السنة الأولى في كلية الصيدلة،
وكان مشهورًا بقوة الذاكرة، وسرعة
الحفظ، حتى إنه حفظ القرآن كله ـ وهو في
السجن الحربي ـ في أقل من سنة.
وقد
علمت أن كلا منهما ـ سعدًا وفؤادًا ـ قد
غادرا مصر منذ سنوات إلى ألمانيا،
واستقرا فيها، وأكملا دراستهما بها،
وتزوجا من ألمانيتين، بعد أن صمما أن لا
يعودا إلى مصر، بعد تجربة السجن الحربي،
إلا أن تتغير الأوضاع فيها، وتهب على
الناس رياح الحرية، التي ينعمون بها في
بلاد الإفرنج، وقد طعموا فيها من جوع،
وأمنوا من خوف.
وبالسؤال
والبحث عرفت عنوان الأخ سعد وطلبت إليه
أن يرسل إليَّ كل ما يحفظه من النونية،
ويستعين بالأخ فؤاد، وبكل من يعرف من
نزلاء السجن الحربي.
وكان
سعد ـ حفظه الله ـ عند العهد به، فراسل
إخوانه وهاتفهم هنا وهناك، وبعث إليَّ
بنحو مائة وتسعين بيتًا من القصيدة، وهي
أكثر من ثلاثمائة في الأصل، وبإضافتها
إلى ما أحفظه مما لم يرسلوه إليَّ أمكن
إعادة بناء القصيدة أو الملحمة، ولكن
بقيت فيها فجوات اجتهدت أن أملأها بما
يفيض به الخاطر، وإن لم يكن ـ غالبًا ـ في
قوة الأصل الذي ظهر في السجن متدفقًا
كالسيل، سلسًا عذبًا كالماء الزلال.
واكتملت
القصيدة في نحو ثلاثمائة بيت، وقدمت لها،
وعلقت عليها بما يفي بالمقصود من نشرها.
وإن تبين لي بعد ذلك أن بعض الإخوة من
زملائنا في السجن الحربي، يحفظ منها
أبياتًا، لم تودع في القصيدة، وأذكر أني
كنت ليلة في الإسكندرية، وقام أحد الإخوة
الدعاة الأستاذ محمد عبد المنعم وألقى
كلمة ضمنها أبياتًا كثيرة من النونية،
مما لم يوجد فيما نشرته منها. وفي هذا
الصيف (صيف 2003) كنت مدعوًّا على غداء مع
عدد من الإخوة، ففوجئت بالأستاذ أحمد أبو
شادي، وقد كان زميلاً لنا في السجن
الحربي، ومن رواة القصيدة ينشد أبياتًا
مهمة من النونية، معظمها مما لم ينشر.
وقد
أرسلتها إلى الإخوة في المملكة، وراجعها
عدد من الإخوان الشعراء، مثل الأستاذ
محمد المجذوب الأديب السوري الشاعر
الداعية، وقد حوروا أشياء قليلة منها،
فقد كان آخر القصيدة يشتمل على دعوات
أناجي فيها الله جل ثناؤه، وأسأله كشف
الغمة، وتفريج الكربة التي نحن فيها.
وكان منها:
|
ومن
ابن عبد الناصر المفتون
والأمر في كاف لديك ونون
فقدوا الأب الحاني بغير منون
وبكل دمع في العيون سخين |
|
يا
رب خلصنا من ابنَيْ سالم
يا رب إن السيل قد بلغ الزبى
باسم الفراخ الزغب هيض جناحها
بدموع زوج غاب عنها زوجها
|
فرأى
الإخوة تغيير البيت الأول من هذه
المناجاة، لما يشتمل عليه من أسماء
أشخاص، وعدلوه إلى هذه الصيغة العامة:
يا
رب خلص مصر من أعدائها
وأعن على طاغوتها الملعون
وأحسب
أن هذا من صنع الأستاذ المجذوب رحمه الله.
نشرت
القصيدة ضمن كتاب اختار له الإخوة
عنوانًا، وهو (نافذة على الجحيم) يقصدون
جحيم السجن الحربي، وما احتوى من عذاب
وأهوال جسام، ونشروا القصيدة تحت عنوان: (مشاهد
من الجحيم).
أزعجت
هذه الحملة الإعلامية المكثفة السلطات
المصرية، لما قدمته من حقائق ووثائق،
وشهادات عدول، بأسلوب قوي مؤثر، وقد
وُزِّع منها عشرات الآلاف، على مختلف
الحجيج من أنحاء العالم، وقد كان عبد
الناصر حريصًا على تحسين صورته في
العالم، ويبذل إعلامه جهودا جبارة في
ذلك، وتنفق عليه الملايين بسخاء. ولكن
هذه الحملة أبطلت سحر إعلامه، وألغت أثره.
إذا
جاء موسى وألقى العصا فقد
بطل السحر والساحر!
ولقد
قال أحد الحكماء: تستطيع أن تخدع بعض
الناس كل الوقت، وتستطيع أن تخدع كل
الناس بعض الوقت، ولكنك لن تستطيع أن
تخدع كل الناس كل الوقت!
جفوة
بين (فتح) والإخوان
|

|
|
ياسر
عرفات |
كان
من أبرز الأحداث التي وقعت في مطلع سنة
1965: الإعلان عن حركة وطنية فلسطينية
تقاوم المشروع الصهيوني، وتقوم بأعمال
عسكرية ضد إسرائيل، وشعارها: ثورة حتى
النصر. وكان انطلاق هذه الحركة في (1/1/1965م)
حيث قامت بأول عملية لها.
وقد
أطلقت الحركة على نفسها اسم (فتح) إشارة
إلى الحروف الأولى من كلمة: حركة التحرر
الفلسطيني، بعد قلبها؛ لأن الحروف تكوّن
كلمة (حتف) فقرئت مقلوبة، لتتحول إلى (فتح)
وإن كان فيها حتف الأعداء.
كان
الشائع في الأوساط العربية المختلفة أن
الحركة ذات اتجاه إسلامي، ونسب إخواني،
وإن لم تعلن عنه بوضوح، مراعاة للظروف
السياسية المحلية والعربية والدولية.
ومن
المؤكد أن نصيب أبناء الحركة الإسلامية
الذين أنشئوا حركة فتح كان ملحوظا
ومعروفا، ابتداء من زعيم الحركة ياسر
عرفات، الذي كانت صلته بالإخوان معروفة.
وقد تحدثت عن شيء من ذلك، أثناء معارك
الإسلاميين مع الإنجليز في القناة.
|

|
|
أبو
إباد |
وكان
من هؤلاء أبو إياد (صلاح خلف) وأبو جهاد (خليل
الوزير) وهاني الحسن، وأبو يوسف (محمد
يوسف النجار) الذي كان شعلة من الحركة
والسعي والنشاط، وكان يعمل بمكتب وزير
معارف قطر، ومنهم أبو شاكر (رفيق النتشة)
وكان يعمل مديرا لمكتب الوزير الشيخ قاسم
بن حمد، الذي أيد بقوة نضال فتح. كما كان
في قطر أبو مازن (محمود عباس) الذي كان
يعمل مدير شئون الموظفين بوزارة المعارف
في قطر. وكمال عدواني، الذي كان يعمل في
إحدى الدوائر في قطر.
والواقع
أننا استبشرنا خيرا بتأسيس هذه الحركة
الجهادية، فأرض فلسطين المغتصبة لا يمكن
أن تسترد بالكلام أو بالشعارات أو
بالمناورات، أو بالاستجداء من هيئة
الأمم ومجلس الأمن، أو بالسعي لدى الدول
الكبرى مثل أمريكا أو روسيا، أو دول
أوربا، فكلهم أعلنوا من أول يوم لقيام
دولة إسرائيل أنها خلقت لتبقى.
|

|
|
أبو جهاد |
ومن
قديم عرف الناس أن ما أخذ بالقوة لا يسترد
إلا بالقوة، وأن مقاومة السيف المسلول
باللسان المعسول لا تُجدي، ولا يمكنها أن
تهزم باطلاً، أو تنصر حقًّا. ولقد ساهم
الإخوان بأرواحهم وأعز أبنائهم في حرب
فلسطين 1948م، وقدموا من الشهداء عند الله
ما يشهد لهم، وسجل لهم التاريخ ذلك بمداد
من نور، وشهد لهم كبار القادة العسكريين
وغيرهم، وإن كان جزاؤهم في النهاية أن
اقتيد مجاهدوهم من الميدان إلى
المعتقلات، وحلت جماعتهم، وقتل مرشدهم،
وعطلت دعوتهم، فكانوا هم القربان الذي
قدم لإرضاء السادة في الغرب أمريكا
وبريطانيا وفرنسا!!.
لهذا
كان التفكير في حركة جهادية يقوم بها
الفلسطينيون أنفسهم، دفاعا عن أرضهم
وعرضهم ومقدساتهم، هو الأمر الواجب،
والحل العملي والضروري فأصحاب الأرض
أولى الناس بالدفاع عنها. وعلى كل من
حولهم من العرب والمسلمين أن يناصروهم،
ويساعدوهم بالمال والسلاح والخبرات
العسكرية والفنية، حتى ينتصروا على
عدوهم، فالمؤمنون إخوة، والأمة
الإسلامية أمة واحدة، والمسلمون يسعى
بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.
ومضت
مدة من الزمن والعلاقات بين حركة فتح
والإخوان في قطر، على ما يرام، تفاهما
وتعاونا وتناصحا، ثم أخذت العلاقات
يشوبها شيء من التعكير، بدأ يتسع شيئا
فشيئا، حتى حدث بين الطرفين في قطر ما
يشبه الجفوة.
فقد
لاحظ الإخوان في قطر أن حركة فتح بدأ
يغزوها اتجاه علماني، لا يبالي بالدين،
ولا يركز عليه، ولا يستفيد منه. وظل هذا
الاتجاه يقوى بالتدريج، حتى بدا وكأنه
الغالب على الساحة، وهو الموجه للفكر
والسياسة.
وأصبحنا
نقرأ نشرات لفتح لا يذكر فيها اسم الله،
ولا تشم فيها رائحة لأي معنى رباني، بل
بدت وكأنها تتعمد البعد عن الدين، أو
تعتبره تهمة تبرئ نفسها منها. وكأن هذا
الاتجاه غلب على الجانب الإعلامي منها
فترة من الزمن.
وكان
بعض المسؤولين في فتح يقول: نحن لا يهمنا
إلا من يحمل البندقية، وإن لم يركع لله
ركعة واحدة، أو لم يصم رمضان، أو كان ممن
يشرب الخمر، أو يقترف الموبقات في نظر
الدين، ما دام يشهر السلاح على العدو!.
ومن
ناحية أخرى: أرادت فتح أن تدوس كل شيء في
طريقها، وأن تخضع الإخوان لإرادتها
وسياستها، وظهر هذا الضغط على الإخوان
الفلسطينيين أكثر من غيرهم، ولكن
الإخوان جميعا ـ فلسطينيين وغير
فلسطينيين ـ رفضوا الخضوع والانحناء،
وسياسة ليّ الذراع، ولم يقبلوا أن
يُسيَّروا أو يُسخَّروا لأي أحد كائنًا
من كان.
ومع
هذه الجفوة بين الإخوان وفتح اقتضت
الحكمة أن لا يطفو هذا الخلاف على السطح،
ويظهر للجمهور، تقديرا من الإخوان
للموقف، وحتى لا يشمت بهم العدو المتربص
بالجميع، والذي يعنيه أن يكيد بعضهم
لبعض، وأن يضرب بعضهم بعضا، وهو قرير
العين بما يحدث.
والحقيقة
أن الإخوان لم يكن لهم ذنب في هذه الجفوة،
ولكن الطغيان جاء من قِبل فتح، التي
غرتها الأماني، وزين لها الغرور بالقوة
البغي على أقرب الناس إليها، كما قال
القرآن الكريم: (كلا إن الإنسان ليطغى. أن
رآه استغنى) [العلق: 7،6].
على
أن هذه الجفوة بدأت تخف حدتها، بخروج
العناصر القوية في فتح من قطر، لتذهب إلى
بيروت، وغيرها من العواصم، فقد غادر قطر
أبو يوسف النجار، وأبو شاكر النتشة، وأبو
مازن وغيرهم.
زيارة
موسى الصدر للدوحة
|

|
|
الإمام موسى الصدر |
كان
من أبرز الأحداث في تلك السنة زيارة
الإمام موسى الصدر ـ رئيس المجلس
الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان ـ إلى
قطر، ضيفا على الإخوة (الشيعة) في الدوحة،
الذين رحبوا به غاية الترحيب، وكرموه
أوفر التكريم، وأقاموا له الولائم
الكبرى في منازل أعيانهم وتجارهم
الكبار، وقد حرصوا على دعوتي ودعوة فضيلة
الشيخ عبد المعز عبد الستار، لنشاركهم في
الاحتفاء بالرجل وإكرام وفادته. وقد
استجبنا لدعوتهم، وشهدنا ولائمهم، وكانت
فرصة لنتحدث مع الرجل الذي اشتهر بعقله
السياسي، أكثر مما اشتهر بعقله الفقهي.
ومن المعروف أن في قطر أقلية شيعية،
منسجمة مع الأغلبية السنية، ولا توجد بين
الفريقين أية مشكلات مقلقة، والحمد لله.
وكنت
أعرف بعضهم من قبل، ولم أكن أعرف أنهم
شيعة، بل بوصفهم تجارًا أو موظفين أو
مواطنين قطريين يؤدون دورهم في المجتمع،
كما يؤدي غيرهم، يقومون بواجباته،
ويأخذون حقوقهم، وصلاتهم بالحكام من آل
ثاني طيبة وحميمة.
وهذا
يدل على أن الفتن التي تثار في بعض البلاد
بين السنة والشيعة، غالبا ما تكون
أسبابها خارجية، تريد أن تضرب المسلمين
بعضهم ببعض، أو يكون هناك ظلم كبير وقع
على أحد الفريقين، لا يمكن احتماله أو
الصبر عليه. وما عدا ذلك فالعلاقات تجري
ما يرام.
وقد
تحدثنا عن أهمية التقريب بين السنة
والشيعة، حتى لا ندع مجالا للذين يصطادون
في الماء العكر، وينتهجون سياسة (فرق تسد)،
وأن نركز على (القواسم المشتركة) بين
المذهبين، ونوسع قاعدتها ما أمكننا ذلك،
وأن يضع كل منا يده في يد أخيه في القدر
المتفق عليه، ويسامحه فيما لا يمكن
الاتفاق عليه. وفقًا لقاعدة المنار
الذهبية التي أطلقها العلامة المجدد
السيد رشيد رضا رحمه الله، وهي التي تقول:
نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا
بعضا فيما اختلفنا فيه.
وكان
مما تذاكرنا فيه: الأشياء الصارخة، مثل:
الشهادة الثالثة في الأذان: (وأشهد أن
عليا أمير المؤمنين ولي الله) فمن المؤكد
أن هذه الشهادة لم تكن من جملة الأذان على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا
على عهد الخلفاء الراشدين، حتى في عهد
علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه.
وقد
أقرني على ذلك، وقال: إن هذا هو المعروف
عند علمائنا، ولكن هناك أمور تصطدم
بعواطف العامة، وتحتاج معالجتها إلى
الرفق والأناة والحكمة.
|

|
|
الدكتور القرضاوي مع الشيخ عبد المعز |
ومما
تناقشنا فيه: (الحصاة) التي يضعها الشيعة
في قبلتهم عند كل صلاة، ويتحرون السجود
عليها، ويشيع أنها من (طينة كربلاء). وفي
هذا رائحة تقديس للحجارة والحصى، وهو من
رشحات الوثنية التي يرفضها الإسلام،
ويسد الذرائع إليها.
وكان
من جوابه: أن تحري وجود هذه الحصاة أو
الطوبة ونحوها في موضع السجود مبنيّ على
حكم شرعي عند الشيعة من أحكام الصلاة،
وهو أن السجود لا يجوز إلا أن يكون على
الأرض أو شيء من جنسها، فلا يجوز السجود
على منسوج كالسجاجيد، أو ملبوس كالثياب،
ونظرا لأن معظم المساجد اليوم مفروشة
بالسجاد أو الموكيت ونحوها، يجتهد
الشيعة في حمل الحصاة معهم، ليسجدوا
عليها، وليس من اللازم أن تكون من كربلاء
ولا من غيرها.
بقي
الإمام موسى الصدر أيامًا في الدوحة
معززا مكرما، ثم غادرها عائدا إلى لبنان،
وقد قيل يومها: إنه جاء طالبا المساعدة من
إخوانه تجار الشيعة، لينهض بأعمال
المجلس الإسلامي الشيعي ومشروعاته في
لبنان. وقيل: إن إخوانه في قطر، لم يخيبوا
ظنه، وأنه حصل على عدة ملايين من
الروبيات.
والشيعة
لا يرون زكاة عروض التجارة واجبة، بل
مستحبة، ولكنهم يرون وجوب الخمس في أرباح
التجارة، وكل ما يأتيهم من دخل يفيض عن
حاجاتهم الأصلية لهم ولمن يعولونه طوال
العام. أي أنهم يدفعون ضريبة عن (صافي
الدخل) مقدارها الخمس، أي عشرون في
المائة (20%) فهم يفسرون بذلك قوله تعالى: (واعلموا
أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول
ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن
السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا
على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
والله على كل شيء قدير) [الأنفال: 41].
وهم
يدفعون هذا الخمس لمراجعهم الدينية،
الذين ينوبون عن الإمام في زمان غيبته.
ومن المعلوم أن أهل البازار في (طهران)
كانوا هم الممولين الأساسيين لحركة
الإمام الخميني.
لا
جديد في هذه السنة في قطر
وما
عدا هذين الأمرين ـ ما يتعلق بفتح وزيارة
الصدر ـ في هذه السنة الدراسية (1965ـ1966) لم
تقع في قطر أية أحداث غير عادية، فقد مضت
الأمور في المعهد الديني، وفي وزارة
المعارف، وفي قطر كلها، على السنن
المعتادة، ولا أذكر شيئًا يلفت النظر حدث
في تلك السنة. غير أن الدفعة الثانية من
طلاب المعهد قد دخلوا امتحان الشهادة
الثانوية وكانت نسبة النجاح مائة في
المائة.
على
الصعيد العائلي
|

|
|
الشيخ قاسم بن حمد آل ثاني |
وبالنسبة
لعائلتي، فقد دخلت ابنتي الكبرى إلهام
المدرسة الابتدائية، وهي لم تكمل السنة
السادسة، ولكن الوزارة كانت تسامح في
قبول مواليد سبتمبر وما بعده، وإلهام من
مواليد سبتمبر 1959م، لم تكن هناك مشكلة في
قبولها.
ولكن
المشكلة ظهرت بالنسبة لأختها سهام، وهي
أصغر منها بسنة (سبتمبر 1960) وقد تعلقت
بشقيقتها، وأرادت أن تكون معها في
المدرسة، وجاء (باص) المدرسة ليحمل
أختها، فأصرت على الركوب معها وبكت،
فركبت وانطلقت معها، ولكن مديرة المدرسة
اعتذرت بأنها لا تستطيع أن تقبلها، لأنها
دون السن المطلوبة بكثير.
وهنا
لم أجد بُدًّا من أن أكلم وزير المعارف
الشيخ قاسم بن حمد، راجيا منه أن
يستثنيها، رعاية لظروف البنت ومشاعرها،
فاستجاب رحمه الله. وظلت البنت مع أختها
طوال مراحل الدراسة الابتدائية
والإعدادية والثانوية والجامعية، حتى
نجحتا بامتياز في كلية العلوم، الأولى في
قسم الفيزياء، والثانية في قسم
الكيمياء، وعينتا معيدتين بالكلية،
وتزوجتا معا في أسبوعين متتاليين. وحصلتا
على الدكتوراه من إنجلترا واحدة تلو
الأخرى. والحمد لله رب العالمين.
وكان
أكبر ما يشغلني ويشغل إخواني في قطر، هو
محنة الإخوان في مصر، وكثيرا ما كنا
نجتمع لنتشاور فيما يجب عمله: أنا
والإخوة عبد البديع صقر، وعز الدين
إبراهيم، والشيخ عبد المعز عبد الستار،
والشيخ علي جمَّاز، وغيرهم، حتى كثير من
الإخوة الذين بعدوا عن الجماعة، عرضوا
خدماتهم لمساعدة إخوانهم. فالأخوّة
الحقة إنما تظهر عند الشدائد، أما في
الرخاء والعافية، فكل يدعي أنه أخوك. وقد
قال الإمام علي رضي الله عنه:
|
إذا
الريح مالت مال حيث تميل
وعند زوال المال عنك بخيل
ولكنهم في النائبات قليل |
|
ولا
خير في ود امرئ متلون
جواد إذا استغنيت عن أخذ ماله
فما أكثر الإخوان حين تعدهم
|
ولذا
قال العرب في أمثالهم: إن أخاك من واساك.
وكيف
يطيب لنا عيش، أو يهنأ لنا نوم، أو يهدأ
لنا خاطر، والأخبار تصبّحنا وتمسّينا
بما يقاسيه إخواننا في السجون من ألوان
العذاب، وما تعانيه أسرهم وذراريهم من
بعدهم من ضيق وعسر، حتى كاد بعضهم
يتكففون الناس؟!
وقد
قال الشاعر:
إن
أخاك الحق من كان معك ومن
يضر نفسه لينفعك
ومن
إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك
شمله ليجمعك
اقرأ
في الحلقة القادمة:
-
القرضاوي
يزور القدس
-
إعدام
سيد قطب
|