آخر تحديث: الجمعة 20 فبراير - 2004

ابحث    |    بحث متقدم 


كثيرا ما يكون السؤال أكثر كشفا من الإجابة، ويكون اللجوء إلى التساؤل فضيلة لمن لا يملك إجابات مؤكدة، وأتصور أن الموقف الفرنسي من حجاب المسلمات من القضايا التي تحتاج إلى طرح الأسئلة التي تحلل وتكشف منها إلى الجرأة على تقديم إجابات.

وسؤال الحجاب لا نقصد ولا نقف به عند حدود تبين الحكم الشرعي في وجوبه أو عدمه؛ إذ إن الحجاب كمعطى ديني محسوم في الوعي الإسلامي أو كاد؛ فهناك شبه تسليم بفرضيته باستثناء أصوات شاذة لا تمثل ثقلا أو مرجعية للشارع المسلم.

كما أن طرح القضية للنقاش لا نقصد حصره في الشق السياسي وحده، خاصة إذا ما تجاوزنا التحليل السياسي إلى الفعل السياسي نفسه الذي يبدو صعبا في ظل انحصاره داخل حدود الدولة الفرنسية مع تواضع الأمل في أن يكون لأي تدخل سياسي عربي أو إسلامي -إذا افترضنا حدوثه- دور في تعديل الموقف الرسمي الفرنسي، وهو ما تأكد في رفض مرجعيات إسلامية بوزن شيخ الأزهر التدخل في الجدل الدائر؛ باعتباره شأنا داخليا فرنسيا! إلا إذا كنا نتحدث عن حركة احتجاج وعصيان مدني واسعة داخل فرنسا، وحملة ضغوط خارجها، أتصور أننا لا نملك ترف الحديث عن جدواها في ظل المعطيات المعروفة عن الجالية المسلمة، وهي ليست بأحسن حال عن مثيلاتها في الغرب أو حتى في العالم الإسلامي!

لذلك كان التناول الواسع للقضية -وخاصة ثقافيا دون حصرها في زاوية واحدة- هو الأفضل والأنسب لفهم ما حدث.

وأول ما يستحق أن نقف عنده تساؤل حول: لماذا أقدمت فرنسا بلد الحريات وملاذها -بشهادة العدو قبل الصديق- على هذا التدخل السافر في قضية يمكن النظر إليها بزاوية ما على أنها من جملة الحقوق الدينية والشخصية المحمية بجملة من قوانين الدولة العلمانية؟

وكيف حدث هذا الصدام مع الإسلام من دولة كانت من أكثر الدول الغربية احتفاظا بعلاقات وثيقة وممتدة مع الإسلام والمسلمين دينا وثقافة وسياسة واقتصادا.. و5 ملايين فرنسي يدينون بالإسلام (الديانة الثانية في فرنسا)، ومواقف كثيرة مؤيدة للحقوق العربية والإسلامية، آخرها الرفض القاطع للغزو الأنجلو أمريكي للعراق؟

ولماذا أقدمت فرنسا على قرار من شأنه أن يؤثر في علاقاتها مع عشرات الدول الإسلامية وأكثر من مليار مسلم، بعضها علاقات إستراتيجية على المستوى السياسي والاقتصادي؟

أي حسابات تلك التي اعتمدت عليها الإدارة الفرنسية في اتخاذ هذا القرار؟ هل كانت حسابات سياسية داخلية تتعلق بموازنات ورسائل للانتخابات القادمة على الأبواب؟

هل كانت انحيازا لعلمانية سياسية صارمة لا تقبل أن يخدشها أي شيء حتى ولو غطاء رأس، أم تنفيسا عن هوية ثقافية مكبوتة لا تفوت فرصة إلا وتعبر عن أصولها المسيحية التي توارت خلف حجاب العلمانية الغليظ؟ ويجرنا هذا إلى التساؤل أيضا حول علاقة ما يحدث بالجدل الدائر حول الهوية الأوربية التي سيتضمنها الدستور الأوربي الجديد؟ وهل كانت مصادفة تصريح الرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان عن الهوية المسيحية لأوربا؟

هناك أيضا تساؤلات مصدرها تفرد العلمانية الفرنسية حامية الحريات بهذا الإجراء الإقصائي الرافض للآخر، مخالفة مثيلاتها في الدول الأوربية والغربية الأخرى على نحو ما رأينا من رفض بريطاني وأمريكي للقرار الفرنسي.. ما أسباب هذا الاختلاف؟ ونحن نتساءل عن الأسباب الحقيقية -بعيدا عن التبسيط المخل- الذي يفسر به البعض الموقف على أنه تصفية حسابات حرب العراق؛ وهو ما يفنده رفض ألمانيا لقرار حليفتها فرنسا!

هل لذلك صلة بخصوصية علاقة العلمانية في فرنسا بالدين التي بنيت على أنقاض صراع دموي لا مجال فيه لتطبيع، حتى ولو كان رمزيا كغطاء شعر؟ نحتاج لفهم ما حدث في إطار أوسع للعلمانية في أوربا والغرب عموما.

ثم ماذا عن الخصوصية الفرنسية في التعامل مع الأقليات الدينية التي لا شبيه لها في أوربا أو الغرب، والتي يعني فيها الإدماج الاستيعاب الكامل للأقليات وعدم السماح لها بأي مظهر أو حتى رمز للتميز عن الآخرين دينيا؟ وهو ما يختلف تماما عن النموذج الأمريكي في الاندماج، فضلا عن بريطانيا التي بلغت مرونتها حد السماح بتأسيس أحزاب إسلامية!

يجب أيضا أن نتساءل حول رؤيتنا وموقف المسلمين في فرنسا وخارجها من القضية حتى لا نقع كالعادة ضحية المسارعة لنجدة إخواننا المسلمين في فرنسا دون أن نعي تفاصيل ما جنته أيدينا وأيديهم في القضية؛ لذا لا بد أن نراجع كيف بنينا صورة الفرنسيين الذهنية عن الحجاب؟ ونسترجع معا إعجابنا بل واحتفاءنا بالحديث المتكرر عن رمزية الحجاب ودلالاته السياسية وأكلشيهاتنا عن "ثورة الحجاب"، وكيف تم تسييس الحجاب وإخراجه من دائرة الفرض الديني وربطه بحركات وتنظيمات سياسية دينية صادرت الحجاب لمصلحتها؛ فصار رمزا لها.. ليس في الوعي الغربي فقط بل وفي بلادنا الإسلامية في ظل تراجع المؤسسات الدينية لمصلحة حركات الإسلام السياسي.

وفي هذا الصدد علينا أن نعيد تعريف الحجاب مرة أخرى لنستعيد التعريف الأصولي (ألا يظهر من المرأة سوى الوجه والكفين)؛ لنعرف عن أي حجاب ندافع. إذ قد نصل إلى أن المرفوض فرنسيا هو شكل سياسي للحجاب، وليس مجرد غطاء شرعي للستر على نحو ما قاله ساركوزي الذي لم ير مانعا في شكل لغطاء الرأس طالما لا يحمل مظهرا سياسيا، وتصوره في البندانا!

وهنا يمكن أن نعيد النظر ومن ثم الاعتبار لاجتهادات وخطابات إسلامية أخرى، لا أقول إنها تتجاوز الحجاب بقدر ما تعيد تعريفه بشكل قد يناسب الأقليات المسلمة في حالة كالحالة الفرنسية.. نحتاج هنا لتوسيع إطار ومدى الرؤية الفكرية والشرعية قدر ما تحتمل؛ حتى لا نقع أسرى خطاب ورؤية أحادية لا يحتمل الظرف فرضها وتجاهل ما عداها؛ إذ نظلم كثيرا من الاجتهادات حين لا نرى معيارا لتقييمها سوى مدى صلابتها أو علو صوتها.

ثم علينا كذلك أن نتساءل عن مسلمات فرنسا اللائي ندافع عنهن دون أن نعرف عنهن إلا القليل (هذا في أحسن الأحوال): من هن؟ وما عدد المحجبات منهن؟ وما نظرتهن للحجاب؟ وكيف جاءت علاقتهن بالحجاب؟ وهل صحيح أن بعضهن -خاصة المتحدرات من الريف المغربي المحافظ- يرتدينه إجبارا؟ وما تأثير ذلك في تقبل المجتمع الفرنسي لهذا الحجاب؟ نحتاج لهذا حتى يتبين الخيطان، ويظهر الفجر؛ فلا نخوض معركة ليس لها ميدان إلا أذهاننا التي كثيرا ما تلجأ إلى التنفيس في معارك "دونكيشوتيه"!

يغيب عنا جزء مهم من المشهد؛ فنخسر كثيرا حين ننحي باللائمة على الفرنسيين وحدهم، متجاهلين التفاصيل، وذهنية من نتحدث عنهم تماما، كما خسر المتظاهرون ضد رفض الحجاب حين تقدم مشهد المظاهرة طفلة لم تتجاوز الثالثة، حرص ذووها على أن ترتدي حجابا كاملا (قد لا ترتديه مسلمة في المشاعر المقدسة)، رافعين لافتات تقول: "إن الحجاب اختيارنا"، غير مدركين ما لهذا المشهد من آثار سلبية تؤكد مزاعم الرافضين للحجاب؛ باعتباره مفروضا على الفتيات بالقوة، وأن المشهد الذي تتحجب فيه فتاة الثالثة من عمرها ينفي أن الحجاب اختيار واعٍ بالضرورة!

وهذا يفرض علينا بالضرورة إعادة النظر وتقييم الخطاب الإسلامي الموجه للغرب: هل نتحدث مع الغرب بلغته ومنطقه أم نكلم أنفسنا؟ وهل نريد التأثير في أفكاره وقناعاته تجاهنا أم نريد تسجيل موقف وحسب؟

ثم لا بد أن نترك ونرصد مساحات اختلاف وتباين لردود الفعل الإسلامية؛ بحيث لا يصطف الجميع أو يجبرون على هذا الاصطفاف؛ فيبدو المشهد كما لو كنا في معركة حربية بين معسكرين للكفر والإيمان، والمتخلف فيها كالمتولي يوم الزحف، فإذا كان لهذا المنطق أن يراجع -وهذا المفترض- فلا بد أن يكون في مثل هذه القضية؛ فموقف مسلمي الداخل ينبغي ألا يحذو بالضرورة موقف غيرهم، وينبغي عدم دفع الجميع إلى حرق كل الأوراق في معركة واحدة ليست أم المعارك ولا نهايتها؛ فهناك توازنات سياسية ومصالح للمسلمين داخل فرنسا قبل غيرها لا يصح أن نتجاهلها؛ فتضيع في سباق الصوت العالي؛ فلكلٍ حساباته، ولمصلحة المسلمين أكثر من وجه وبعض وجوهه هادئة (أو يراها البعض مهادنة)، وأهم هذه الحسابات ألا يغيب عن أذهانهم أن مسئولا مثل ساركوزي المرشح الأول لأن يكون الرئيس القادم لفرنسا رغم ما حدث ليس الأسوأ للإسلام؛ حتى لا يوضع الرجل في قائمة العداء للإسلام، وتتوجه الكتلة المسلمة في الانتخابات ضده، في حين أن وعيا بالخريطة السياسية الفرنسية سيضعه في المقدمة، وربما كان الأفضل والأقرب لمصلحة المسلمين.. ومن المهم ألا يكرر مسلمو فرنسا خطأ مسلمي أمريكا حين وقفوا ضد آل جور لحسابات غير دقيقة، فجاءوا لنا بالرجل المتدين.. السيد بوش!!

وهنا لا بد أن نطرح على بساط النقاش مسألة ترتيب سلم الأولويات في أجندة مسلمي فرنسا وأجندة العالم العربي والإسلامي ونحسب: ما الوزن النسبي فيها لقضية الحجاب؟ وهل ينبغي أن تعلن بسببه معركة عالمية؟! خاصة أن هناك من يرى أن آثارها ستكون سلبية على المستوى الداخلي (تضر بقضية اندماج المسلمين في فرنسا)، وربما خارجيا أيضا على مستوى علاقات العالم الإسلامي بفرنسا.

وإذا ما قررنا وأعلنا المعركة فما جبهة التحالفات التي ستنضم إلينا؟ أم سنحارب كالعادة من دون حليف؟! وهنا لا بد أن نتحدث -إذا أعلنت المعركة- عن حلفاء محتملين، منهم مسيحيون وملحدون وسيخ... ويهود بالمناسبة! كما لا بد أن نتحدث عن الأساس الذي ستدور عليه المعركة.

قد يبدو هذا الحديث لنا غريبا؟ أتصور أنه مهم جدا على الأقل طالما كانت جبهة وميدان المعركة في أوربا؟ هل سنطلب دعما للحجاب الإسلامي؟ أم نتحدث عن حقوق إنسانية مشتركة -كالحرية الشخصية- يهدرها القانون الفرنسي؟ والإجابة على هذه الأسئلة تحدد وجهة المعركة وربما نتائجها.

ومن يرصد المواقف الإسلامية تجاه القانون سيضع يده سريعا على تناقض واضح في المرجعيات؛ ما بين منتقد للعلمانية (والفرنسية تحديدا، وفي هذا الموقف فقط) ورافض تماما لأصل العلمانية! وسنفاجأ بأن داخل المعسكر الإسلامي.. بل وبين الإسلاميين أنفسهم تناقضا غير طبيعي في هذه المسألة.

كما سنجد تناقضا فيما يتعلق بموقفنا من فرنسا: هل يعد تدخلا في شأنها أن نعلق على قانونها ومن ثم شأنها الداخلي؟ أم أنه تدخل منها في شأن ديني إسلامي بحت؟ ما نفعله تناصر وفق مبدأ أخوة الدين والدفاع عن بيضته؟ وإذا حق لنا التدخل أفلا ينبغي وقتها أن نسمح بتدخل غربي في قضايا نراها خاصة وداخلية مثل المرأة والأقليات الدينية... حرية الشذوذ؟ وسيطرح من جديد إشكالية التدخل الانتقائي، ولكن ساعتها سنكون في قفص الاتهام! وهنا يمكن أن نعيد قراءة وفهم ما قاله شيخ الأزهر بصورة مغايرة.

وأخيرا ربما سنتساءل عن المستقبل، وأتصور أن النتائج ستأتي بعكس ما أراده من اتخذوا القرار؛ فحين تقدم العلمانية على خطوة كهذه فهي تقع في تناقض مثير؛ لأنها ترفض شيئا على أساس ديني؛ لتؤكد كراهيتها لكل ما له صلة بالدين، وكراهية الدين لا تنحيه عن المجتمع بل تستدعيه للساحة مرة أخرى وبأقوى مما كان؛ لأنها حين تمنع شيئا ولو غطاء رأس على أساس ديني؛ فهي تستدعي وتسمح في الواقع بحركة احتجاج على أساس ديني أيضا؛ وهو ما حدث فعلا لتشتبك قوى المجتمع الفرنسي وتعيد اصطفافها لسبب ديني تماما، كما حدث في قضية طارق رمضان حفيد الإمام حسن البنا، لم يكن يثير أي ضجة في بلده سويسرا، ولكن حين قامت ضده حملة قوية في فرنسا دشنها مفكرون يهود هاجموه كمسلم وليس كمفكر وأكاديمي علا نجمه، وأصبح هو وأفكاره ملء السمع والبصر في كل أنحاء العالم؛ حتى إن وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي اضطر في النهاية لأن يحاوره أكثر من ساعة في التلفزيون الفرنسي باعتباره ممثلا للجالية المسلمة، وهو -ساركوزي- الذي لا يكف عن رفض النظر أو التعامل مع المواطنين وتقسيمهم على أساس ديني!

حسام تمام


الأخبار

الأحداث في صور

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

ملفات وصفحات خاصة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع