بريدك الالكتروني


English

 

 الأحد  3 شعبان  1427 هـ - 27/08/2006 م

إيمانيات » زاد الدعاة » دعوي
أرسل لصديق
 
 
 

 

انتصار المقاومة.. دروس ونتائج

د. محمد مورو **

ابتهاج في الشارع اللبناني بانتصار المقاومة

انتزعت المقاومة الإسلامية في لبنان احترام الجميع، الأصدقاء والأعداء على حد سواء. فقد كان الصهاينة يأخذون تهديدات وكلام قيادات المقاومة مأخذ الجد، على عكس الآخرين الذين لا يعيرون كلامهم وتهديداتهم اهتمامًا ولا اكتراثًا. 

وعلى المستوى العربي فإن الجماهير العربية باتت تعتبر حزب الله هو الجزء الحي في النسيج، بل هو الأمل. فقد أعطاها لحظات عز وكرامة غير مسبوقة، ليس على المستوى العسكري فقط، بل حتى على المستوى الإعلامي، فإعلام المقاومة -من إذاعة وتليفزيون وإنترنت- استطاع أن يؤثر على نفسية الشعب الإسرائيلي، وأن يحقق نوعًا من الهزيمة النفسية للإسرائيليين. وهذا أعطانا كعرب ومسلمين لحظات عز وثقة بالنفس، ولا شك أنه سيكون لتلك الثقة بالنفس والعزة التي تراكمت من خلال انتصار المقاومة أثرها في مواقف الجماهير العربية.

ولا شك أيضًا أن تجربة حزب الله ضربت ثقافة التطبيع والسلام ضربة قاصمة؛ لأنها أثبتت أن هناك خيارًا آخر غير خيار الخضوع لإسرائيل، وهو خيار رابح ومنتصر. فحزب الله انتصر، وأجبر إسرائيل أكثر من مرة على الفرار من جنوب لبنان، فلماذا نقبل بالذل والعار والتفريط في حقوقنا الوطنية، ما دام الأمر مرتبطًا بالإيمان والإرادة أولاً وأخيرًا؟.

وهكذا فإن ثقافة المقاومة أصبحت هي سيد الموقف على المستوى الشعبي العربي، والإحساس بعدم الأمان أصبح سيد الموقف لدى الجمهور الإسرائيلي؛ فبالضرورة سوف تكون هناك تجارب تستلهم تجربة حزب الله، وعاجلاً أو آجلاً ستمتلك الجماهير العربية أدواتها اللازمة لتكرار تجربة حزب الله هنا وهناك. ولن يوقف هذا الزحف شيء، لا التزييف الإعلامي، ولا محاولات الإساءة إلى حزب الله، أو التشويش على تجربته، أو سحب رصيد الثقة من نفوس الجماهير، أو قمع الجماهير وإرهابها.

الإنسان أقوى من التكنولوجيا

أثبتت المقاومة الإسلامية أنه بالإمكان هزيمة إسرائيل، حتى لو كانت أكبر قوة عسكرية إقليمية، وتستند إلى أكبر قوة عالمية "أمريكا". وأن الإنسان أقوى من التكنولوجيا، وأن سلاح الاستشهاد سلاح لا يمكن مواجهته، وهذا السلاح كفيل بإنهاء إسرائيل؛ لأنه لو تصورنا مثلاً تنفيذ عملية استشهادية مرة واحدة كل شهر، سواء كانت ناجحة أو فاشلة، فإن الذعر سيدب في نفوس الإسرائيليين؛ لأن اليهود أحرص الناس على حياة، خاصة لو استمرت هذه العمليات بشكل منتظم لمدة طويلة، وبالتالي فمن المتوقع أن تحدث حالة ذعر عام داخل إسرائيل تؤدي إلى هجرة مضادة، والإحساس بالضياع كفيل بتفجير إسرائيل على نفسها من الداخل، والتسبب في تفككها، ومن ثم نهايتها وزوالها.

هذا الكلام ليس نوعًا من المبالغة؛ فعندما سُئل الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان في الكونجرس عن سبب عدم قدرة أجهزته ومخابراته على منع عملية نسف مقر قيادة البحرية الأمريكية "المارينز" في بيروت عام 1983، رد بقوله: "إن جميع الاستحكامات المعروفة في العالم قائمة على فكرة خوف المهاجم من الموت، فإذا كان المهاجم لا يخاف الموت، فإنه لا حل هناك".

هم بشر كالبشر

حسن نصر الله

قد يتصور البعض أن نجاح حزب الله يرجع مثلاً إلى عبقرية خارقة لرجاله، أو إلى كفاءة غير مسبوقة عندهم، وهذا غير صحيح؛ فالصحيح أنهم بشر عاديون، وقياداتهم لا تتمتع بأية ميزات شخصية غير عادية. إنها -في رأيي- بركة الجهاد التي تجعل كل فرد من أفراد المقاومة بمثابة أكفأ شخص، وأكثر الناس عبقرية في السياسة والحرب والتكتيك والإستراتيجية.

إن الجهاد هو الذي يفجر الوعي والعبقرية، لقوله تعالى: (والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69]، ومعنى ذلك أنه لو قررت أية جماعة أو مجموعة استخدام الجهاد ضد إسرائيل كطريق إلى الاستشهاد ورضا الله، وأخذت بالأسباب المختلفة لذلك، فإن الله سيوفِّقهم إلى معرفة التكتيك السياسي الصحيح، ويصبح هؤلاء عباقرة في كل مجال، وينتصرون أيضًا على إسرائيل، ويحققون أهدافهم، وهذا المعنى هو العبقرية الحقيقية في تجربة حزب الله القابلة للتكرار بأي رجال، شرط الإخلاص والرغبة في الجهاد والشهادة.

أسئلة تفرض نفسها

لقد أفرز انتصار المقاومة الإسلامية أسئلة كثيرة، فرضت نفسها:

- لماذا تنتصر المقاومة الإسلامية في لبنان دائمًا؟.

- لماذا لم تنجح إسرائيل قط في القضاء على تلك المقاومة برغم امتلاكها لأحدث أنواع السلاح وأشده فتكًا، وبرغم الدعم الاستخباراتي والمعلوماتي والاستراتيجي الأمريكي والغربي لها؟.

- لماذا تستعصي تلك المقاومة -وكل من يتخذ أسلوبها وبرنامجها- على الذبح على أيدي القوى الاستكبارية؟.

- ما المناعة الذاتية والقدرة المدهشة التي تمتلكها تلك المقاومة، والتي أعطتها هذا القدر من الصمود؟.

- لماذا حظيت المقاومة الإسلامية في لبنان بهذا القدر الهائل من التضامن الشعبي العربي والإسلامي، بل من كل المستضعفين في العالم؟.

- هل يمكن اعتبار كفاح هذه المقاومة بالإضافة إلى كفاح الجهاد الإسلامي الفلسطيني نواة لحركة تحرر عالمي ضد الاستكبار لانتزاع حقوق المستضعفين في العالم كله؟.

- هل يتحول الطرح السياسي والحضاري لتلك المقاومة إلى أيديولوجية للمحررين في كل مكان في العالم في مواجهة النمط الحضاري والقيَمِي الغربي الذي يهدد العالم بأسره، فضلاً عما أحدثه بالفعل من ظلم وقهر وعنف وحرمان؟.

- لماذا نجحت المقاومة اللبنانية في أن تصبح طليعة لكل قوى التحرر العربي على اختلاف مشاربها الدينية والطائفية والسياسية والطبقية؟ وبصيغة أخرى: لماذا نجحت المقاومة اللبنانية في الخروج من مأزق الطائفية الضيق إلى رمز للتحرر لكل إنسان، مسلمًا كان أو مسيحيًا، عربيًا أو عالميًا، أبيض أو أسود أو أصفر؟.

- لماذا كانت المقاومة -وحزب الله بالتحديد- هي الجزء الحي في النسيج العربي الذي اهترأ الكثير من أجزائه وأطره الفكرية والتنظيمية؟.

- ما المقاومة؟ وماذا تمثل؟ وإلى أي آفاق تتطلع؟.

هذه وغيرها أسئلة طرحت نفسها على الواقع الفكري والسياسي العربي والعالمي، وليس هنا مجال الإجابة عنها جميعًا، فإننا كي نجيب عن هذه الأسئلة -أو بالأحرى نقترب منها- فإن علينا أن نحدد الكثير من المعالم العامة والخاصة المتصلة بأحوال العالم من حولنا، والمتصلة بأحوال الصراع الإسلامي الصهيوني باعتباره أخطر أشكال المواجهة بين قوى الخير والشر، وأخطر أشكال التحديات التي واجهتها الحضارة الإسلامية.

الطريقة لهزيمة إسرائيل

شعار حزب الله

لم تتوقف إسرائيل بالطبع عن العدوان إيمانًا بالسلام، أو تطبيقًا لقرار الأمم المتحدة، أو بسبب الضغوط الدولية والإقليمية، وإنما توقفت بعد أن أدركت أنها لم ولن تستطيع مهما طال وقت العدوان أن تحقق ما أرادته، في مقابل الخسائر المادية والمعنوية التي تتعرض لها، وهي التي ما تعودت على الحروب الطويلة والمواجهة المباشرة، بل كانت دائما تعتمد على الضربات الخاطفة التي تحقق بها نصرا سريعا، دون أن تتعرض لضربات مباشرة تمس شعبها ومؤسساتها واقتصادها.

إن نجاح مجموعة من المقاومين ذوي الإمكانات المحدودة عددا وعدة، في هزيمة دولة لديها أقوى جيوش المنطقة، وآلة عسكرية واستخباراتية ضخمة يعطي إشارات مهمة، وهذه الإشارات من الأهمية بحيث أنها سوف تتعرض لحملات إعلامية ضخمة من قبل الصهاينة ومسانديهم في محاولة لسحبها من الذهنية العربية والإسلامية.

من هذه الإشارات أنه بالإرادة والعزم والتصحيح يمكن هزيمة إسرائيل، وأن الإنسان أقوى من التكنولوجيا، وأن الحديث عن قوة إسرائيل وعدم القدرة على مواجهتها حديث لم يعد له مصداقية، وهذا يعني إمكانية تكرار التجربة في زمان ومكان آخر -وهو ما يعني من وجهة نظرنا- أن بداية النهاية لدولة إسرائيل قد بدأت ملامحها.

من هذه الإشارات أيضا أنه ثبت يقينا أن إسرائيل لا تفهم غير لغة واحدة، وهي لغة القوة، وأن الأمة لا تزال بها خلايا حية قادرة على إنزال الهزيمة بالعدو، وهذه الخلايا قادرة على تجديد شباب الأمة وإيقاظها من نومها وإنهاضها من كبوتها.

ومن الآثار المهمة جدًا لتجربة المقاومة الإسلامية اللبنانية أنها نسفت -نسفًا- منطق دعاة التطبيع، حيث إن القاعدة الأساسية لدعاة التطبيع هي أنه ما دام ميزان القوى العسكري والسياسي مختلا تمامًا لصالح إسرائيل، وأنه لا فرصة هناك لاسترداد الحقوق عن طريق القوة، فلا مناص بالرضا بالقدر المتاح عن طريق إقناع الإسرائيليين، والتفاوض معهم، وإقامة حوار مع دعاة السلام في إسرائيل للضغط على إسرائيل بالسلام والتطبيع لانتزاع بعض الحقوق.

ومع المغالطات الكثيرة في هذا المنطق، فإن تجربة المقاومة نسفته من أساسه؛ حيث إن التجربة تقول إنه بالإمكان هزيمة إسرائيل، وإن هناك طرقًا ووسائل ليست بالضرورة الحرب النظامية يمكن من خلالها إنزال هزيمة عسكرية بإسرائيل، منها المقاومة الشعبية، والسلاح الرهيب: سلاح الاستشهاد الذي أثبت أنه قادر على هزيمة أية قوة مهما تكن، وأي جبروت مهما يعلو ويطغَى ويتكبَّر، هذا السلاح أعاد ميزان القوى لطبيعته، وأصبح بالإمكان الحديث الآن عن قدرة 120 رجلاً فقط على هزيمة إسرائيل بالكامل وتحرير كامل التراب الفلسطيني من البحر إلى البحر ومن الجنوب إلى الجنوب، على أساس أن عملية استشهادية واحدة كل شهر لمدة 10 سنوات كافية لإجبار الإسرائيليين على الهرب من فلسطين كلها؛ لأن اليهود كما نعلم "أحرص الناس على الحياة".

من ثمار الانتصار

إن انتصار المقاومة الإسلامية على إسرائيل -بما سيتركه من آثار نفسية على العرب- سوف يحدث -في تصوري- نوعًا من الانفراج السياسي في الدول العربية، على مستوى احترام حقوق الإنسان، وتوسيع الهامش المتاح من الحرية، بل أيضًا في تقريب الفجوة بين مختلف القوى السياسية، وكذلك في لفت نظر الإسلاميين في كل مكان إلى جوهر المعركة. وأيضا فإن ما حققته تلك المقاومة من شعبية وسمعة عالية في الشارع العربي سيكون عاملاً ضاغطًا للحركات الأخرى في اتجاه الاقتداء بها أو الاستفادة من تجربتها.

والمهم الآن ألا يتم سحب كل هذه التراكمات عن طريق الحروب النفسية، فنخسر بالغباء والدعاية السوداء ما كسبناه بسواعد الشباب المجاهد.

ماذا على حزب الله الآن؟

قبل أعوام سألت الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، عن شعوره وهو يرسل هؤلاء الشبان إلى الموت، فأجابني: "صدقني إنهم يتسابقون لإدراج أسمائهم في لوائح العمليات الجهادية والاستشهادية، إنهم لا يذهبون إلى الموت، يذهبون إلى النصر ودماؤهم لن تضيع". ففي زمن تآكل الأحزاب يرجع (حزب الله) من انتصاره حزبا قويا مسلحا بإنجازه وعلاقته بالناس في المياه التي يسبح فيها. وفي زمن عربي توقف عن إنجاب الزعامات والأقطاب والقامات، يطل حسن نصر الله في صورة الزعيم الواثق، ويفسح الآخرون مكانا لمن يسلمون اليوم بأنه (لاعب كبير وخطير) ويشرحون: (كبير لأنه حقق إنجازا غير مسبوق، وخطير لأنه يجيد القراءة، ويجيد التشدد والمرونة معا، ولأنه يجيد السير بين الألغام).

وفي النهاية، فإن وجهة نظري الشخصية للمستقبل، أنه ينبغي لحزب الله أن يحذر من الوقوع في مستنقع التفاوض، وألا يكف عن خيار المقاومة؛ لأن الحزب أصبح نموذجًا، وينبغي ألا نهيل التراب على النموذج، وأن المقصود إسرائيليًا وأمريكيًا الآن ليس ذبح حزب الله فقط، بل ضرب النموذج الذي قدمه حزب الله، ويمكن أن يكون مثالاً يُحتذى في هذا المكان أو ذاك، داخل أو خارج لبنان، اليوم أو غدًا.


** رئيس تحرير مجلة "المختار الإسلامي" المصرية، يمكنك التواصل معه أو مراسلتنا بآرائكم ومقترحاتكم عبر بريد الصفحة: da3wa_do3a@islamonline.net.


هذا البريد ليس مخصصا لإرسال الاستشارات

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع