 |
|
نصر الله وبيرتس |
(عنتر ولبلب) فيلم كوميدي مصري
قديم، قام فيه بدور "عنتر" الممثل
سراج منير، بجسمه الضخم، وعضلاته
المفتولة، وشاربه الكثيف، وفتوته التي
أهابت الجميع، بينما قام محمود شكوكو
بتمثيل دور "لبلب"، الرجل الضعيف
الجسم، ضئيل الحجم، قليل الشأن.
في الفيلم، وأمام جمع من أهل
الحي، اضطر "لبلب" لتحدي "عنتر"،
ردًّا على غطرسته وظلمه، وتوعده بأن يصفعه
سبع صفعات على وجهه في تحدٍّ غير منطقي
وغير معقول، في الوقت الذي لم يجرؤ فيه أحد
من رجال الحي الذين يفوقون "لبلب"
قوةً وشأنًا على تحدي "عنتر".
وانقسم أهل الحي إزاء هذا التحدي
إلى ثلاثة أقسام: قسم تعاطف مع "لبلب"
وأشفق عليه من هذه المواجهة غير
المتكافئة، لكنهم ظلوا يراقبون من بعيد،
وقسم آخر سخر منه، واتهمه بالتهور، وأنه
مقدم على مغامرة غير محسوبة، وقسم أسعده
هذا التحدي، حيث وجدها – بحساباته - فرصة
سانحة للتشفي في "لبلب" والتخلص منه.
وبدا المشهد في غاية الغرابة والدهشة!!.
كان "لبلب" يوقن بعدم
التكافؤ، لكنه صمم على كسر هيبة "عنتر"،
وإحداث شرخ في أسطورة قوته، ليصل لأهالي
الحي بطريق غير مباشر: إذا كان رجلٌَ بحجم
"لبلب" وضآلته قادرًا على تحدي "عنتر"
وكسر هيبته، فما بالك بالآخرين؟.
بدأ "لبلب" - في صور ساخرة
ضاحكة - ينفذ وعده، ويحقق هدفه في صفع "عنتر"،
صفعة تلو صفعة، حتى تمت الصفعات السبع.
وبدا "عنتر" – رغم قوته الظاهرة -
أمام أهل الحي في صورة تثير السخرية
والإشفاق!!.
بين الخيال والواقع
لقد استدعت الذاكرة مشاهد وأحداث
هذا الفيلم (الكوميدي)، مع قيام "حزب
الله" بتحدي دولة الصهاينة في قدر من
التشابه لا التماثل: تشابه في إرادة "حزب
الله" التي لم تهن ولم تنهزم نفسيًّا
ولا معنويًّا أمام قوة وغطرسة الصهاينة،
وصمم الحزب بقائده ومقاتليه على كسر
الحاجز النفسي لديهم ولدى الأمة، وعلى أن
يحطموا معه أسطورة القوة الصهيونية، مما
سبب إحراجًا بالغًا لمن يملكون القدرات
والمقومات، فلم يتحملوا أن تنكشف عوراتهم
بهذا الوضوح، فخرجوا علينا بتصريحات
وصياحات مخزية، بالرغم من أن الحزب يخوض
المقاومة وحده، وكان من الشرف والنخوة
والشهامة ما يقتضي مد يد العون والتأييد
والمساندة له، إلا أن المدهش أن البعض
سارع بإلقاء اللوم على حزب الله!!.
إن حزب الله يعلم أنه في هذه
المنازلة - وكذلك حماس وكل القوى المجاهدة
- أنهم لن يحققوا إجلاء الصهاينة عن
الأراضي المحتلة إجلاء تامًّا، لكنهم
أرادوا كشف العدو أمام الأمة وأمام
العالم، والتأكيد على أن إيلام العدو
ممكن، وإذا كان فصيل من الأمة قليل العدد
والعتاد قادر على كسر هيبة العدو، فإن هذا
من شأنه إعادة بث الأمل في الأمة، وإحياء
روح النضال، وإشعال جذوة الهمة التي حاول
البعض على مدار عقود - بدأب وصبر - إطفاءها.
وقد ظهر للأمة أمر في غاية
الوضوح، مفاده: إذا كانت حماس أو حزب الله
قد أحدثوا ألمًا وهلعًا للعدو بهذا القدر
فكيف بقدرات دول بجيوشها وعتادها
وأموالها؟.
وإذا كان الفيلم قد قدم تحدي
الضعيف للقوي في صورة ساخرة، وكأن هذا
النوع من التحدي لا يُقدَّم إلا في تلك
الصورة، فإن "حسن نصر الله"
والمقاومين قد قدموا التحدي في صورة جادة
حقيقية، فكانت الرسالة تفيد بإمكانية
الحدوث على أرض الواقع.
وإذا كان "لبلب" في الفيلم
لم يتحدَّ "عنتر" لقتله أو للتخلص
منه، ولكنه كان يهدف إلى إهدار كرامته
وزعزعة الخوف الساكن في قلوب أهل الحي،
كذلك المقاومون يهدفون إلى صفع العدو
وتقديم المثل والنموذج.
غياب اللافتات
إن قوى الرفض والمقاومة للمشروع
"الصهيوأمريكي" في المنطقة، من
الإسلاميين والقوميين، بل وكل الشرفاء،
قد أظهروا بجلاء أن غضب الأمة ورفضها لم
يعد مجرد هتافات ومظاهرات فحسب، ولكنه
أصبح له - بتعبير أهل الشام - (منتوجًا)
مُعتبرًا منظمًا قادرًا بفضل الله على بعث
الأمة من رقدتها، وعلى إفشال المشروع الذي
أحاطه ثلة من الأمة (لا يمثلونها) بكل
حماية ورعاية.
إن العدو يهدف الآن إلى كسر روح
الصمود والإرادة، بمحاولة تأليب الشعوب
ضد المقاومين فيضرب الطرق، ويهدم
المنازل، ويحطم الجسور، ولكنه يتألم أكثر
عندما يرى أن القوة الروحية تعيد التوازن
لاختلال موازين القوى المادية.
إن أعداء الأمة الذين ساهموا بكل
الطرق في تشتيت وحدتها في صراعات مذهبية
وطائفية، قد أدهشهم غياب اللافتات في هذه
اللحظة، في استجابة تلقائية لفقه
الأولويات عند الخطر الداهم، وهاهي الأمة
تقدَّم عبر أبنائها المقاومين أملاً
ونورًا يضيء الطريق، ويبدد الظلمة، وإن
كانوا قليلي العدد والعتاد، إلا أنهم
جريئو الفؤاد.
|