بريدك الالكتروني


English

 

الأحد  23 رمضان 1427 هـ - 15/10/2006 م

مرئية » وسائل دعوية » دعوي
أرسل لصديق
 
 

 

 
 

 

فضائيات رمضان.. سطوة الأيدي الناعمة

وسام كمال**

أثناء متابعتي وتحليلي للجهد الإعلامي للقنوات الفضائية الدينية في شهر رمضان، حاولت التزام الحيادية في النقد، ولكني أتبرأ في البداية من احتكار الحجة، فلا يمكن لأحد أن يختصر جهود فرق من النخب الإعلامية في بضعة أسطر، إلا أن يكون ناصحًا لا أكثر.

وقد وضعت في اعتباري وأنا أتابع الفضائيات الدينية في رمضان عاملين، وهما: التنافسية مع إطلاق عدد جديد من الفضائيات الدينية، ودور الإعلام الفضائي الديني في متابعة هموم الأمة، والمشاركة الجدية في الوعي بقضاياها.

أما عن التنافسية، فهي عامل مهم يجب أن نضعه في الحسبان، مع إطلاق عدد من الفضائيات الدينية هذا العام، حيث دخلت إلى حلبة المنافسة هذا العام، كل من:

  •  العفاسي (الكويتية): أطلقها المقرئ الكويتي المليونير مشاري راشد العفاسي.

  •  الرسالة (السعودية): الابنة "الشرعية" الصغرى لمنتجات روتانا "غير الشرعية" التي أطلقها الملياردير السعودي الوليد بن طلال قبل عام.

  •  الناس (المصرية): يديرها الناشر المصري عاطف عبد الرشيد. 

وأما عن الحوادث المعاصرة والقضايا الشرعية، فأنشِّط الذاكرة إلى مجموعة الفعاليات والأحداث الأخيرة التي كان يمكن أن يتناولها الإعلام الديني، منها: حوادث الإساءة المتكررة للدين القويم، الجدل الدائم حول الفتاوى المختلفة، الحرب على لبنان، أزمة الشيعة والسنة، قتل السنة في العراق، انعقاد المؤتمرات الفقهية لعلماء ودعاة العالم الإسلامي مؤخرًا في تركيا ومصر.

وقد وجدت للتنافسية دورًا كبيرًا في تطوير صناعة الإعلام الديني الفضائي، ولكن في المقابل، لم أجد إلا التهميش لمشكلات الأمة وأحوالها، وهذا ما سأعرضه في السطور التالية.

خارج اللعبة

بداية يجب أن نستبعد قنوات المجد الفضائية، وقناة الفجر، وقناة العفاسي من حساباتنا التحليلية، فقنوات المجد ما زالت على دربها التقليدي في التناول الإعلامي شكلاً ومضمونًا، ولم تتخذ من موسم الفضائيات فرصة لعرض ما لديها، خاصة أن رمضان شهر القرآن، مع اهتمام سلفيي المجد بتسليط الضوء على القرآن دون غيره.

فلا تلاحظ على قنوات المجد والفجر أي تغير واضح في الخريطة البرامجية للبث الإعلامي في شهر رمضان الكريم، اللهم إلا نقل شعائر صلوات العشاء والتراويح من مكة المكرمة!.

وما زالت العفاسي هذا العام تحبو في طريق العمل الإعلامي، ولم تقوَ بعد على جذب المشاهدين للمتابعة المستمرة؛ لأنها تقتصر على عرض كليبات وإعلانات لأناشيد مشاري راشد العفاسي، وتلاوات قرآنية متباينة لذات القارئ الطموح.

إذن لم يتبقّ لنا في حلبة السباق سوى قنوات: اقرأ، الرسالة، الناس، وبرامج دينية مشتتة في قنوات المنوعات الشتيتة، ولكني سأسلط الأضواء على الثلاثية سالفة الذكر.

ويمكن أن ندير النقاش حول المحاور التالية:

أولاً: انتشار الداعية الواحد في أكثر من قناة:

عمرو خالد

الظاهرة الملحوظة هذا العام، هي تقديم الدعاة لأكثر من برنامج على أكثر من قناة، فالحبيب الجفري يقدم "يحبهم ويحبونه" على الرسالة، و"حي في قلوبنا" على رديم 2. وللدكتور عائض القرني "الروائع" على الرسالة و"تحف" على "اقرأ"، ود. علي جمعة ضيف "يسألونك" في الرسالة، وصاحب "الإسلام كتاب مفتوح" على المحور.

وصدق أو لا تصدق أن عمرو خالد خرج من عباءة الشيخ صالح كامل، بعد أن ترك له البرنامج الأقوى "باسمك نحيا"، وقدم برنامجين دفعة واحدة للرسالة "صدق رسول الله"، والمحور "شباب على الطريق".

وقبل أن نقف قليلاً مع عمرو خالد دعونا نتساءل: هل تعدد البرامج لنفس الوجوه أمر مفيد أم لا؟ نعم التعدد قد يكون مقبولاً، ولكن كما أن له شروطًا في الزواج، ينبغي أن تراعى ذات الشروط في العمل الإعلامي، وهي: الكفاءة، والعدل أو التوازن.

ربما يكون الداعية هو المستفيد الأول والأخير في قضية التعدد على الشاشة؛ لأنه يحصد المزيد من الربح المادي، كما يستفيد الداعية من حصد أتباع جدد من الجمهور المتجزئ على القنوات المختلفة، وإضافة عدد من البرامج إلى السيرة الذاتية.

ولكن على مستوى الرسالة والقناة والجمهور، فأؤكد أنهم خسروا، فقناة "اقرأ" التي كان يتوجه لها أكثر من مليون مشاهد لمتابعة عمرو خالد، لم تَعُد المحتكرة له، أو "الوكيل الوحيد" لتسويقه، فمن يفُته برنامج عمرو على "اقرأ"، أو لم يناسبه مواعيد العرض عليها، فلا بأس من أن يتابعه على المستضيفات الجدد.

أما على مستوى الرسالة، فقد برهنت التجربة هذا العام على أن كل من خرجوا علينا على أكثر من قناة، فشلوا في التميز والتوازن في الإعداد والتقديم مع كل قناة من الحليلات، كما أن الجمهور أصابه الملل من ذات الوجوه المتكررة دون إضافة حقيقية.

ماذا يريد عمرو خالد؟

نعود لعمرو خالد بعد الفاصل الاستدراكي، ونبدأ من حيث انتهينا.. هل استفاد عمرو من التعدد على الشاشة، ولماذا عاد عمرو خالد بثلاثة برامج؟ وهل نجح بثلاثيته؟ والأهم: لماذا خرج عمرو من عباءة صالح كامل بعد أن وصل حد الاحتكار إلى استغلال عمرو في عمل إعلانات عن حرمة سرقة وصلات الـART؟

جهد مشكور لداعية يريد أن يصل بدعوته إلى كل مسلم، ولكن المتابع الجيد يجد أن عمرو خالد استنفد جُلّ جهده في إعداد برنامج "باسمك نحيا" الذي ظل يحضر له منذ أشهر، ويستقطب مريديه على موقعه للمشاركة في الطرح والتصور النهائي للبرنامج.

وحاول عمرو أن يحاكي تصوير برنامج "على خطى الحبيب" -المقدم في رمضان الماضي- من حيث التصوير من أستوديو أمام الكعبة بدلاً من المسجد النبوي العام الماضي؛ نظرًا لأنه يتحدث هذا العام عن ربّ العزة، والعام الماضي عن السيرة.

كما استعار من برنامج العام المنصرم تقديم أغنية في تتر البرنامج، بعد النجاح الساحق في العام الماضي، ورغم ذلك لم يستطع محاكاة تميز التناول، بعد أن تألق في تناول السيرة والتمرد على "العفة" السياسية في برنامج "على خطى الحبيب".

وفي المقابل، قدّم عمرو برنامجًا ضعيف الشكل والمضمون على الرسالة، تم تصويره في غرفة واسعة ليس بها أي ديكور، وكانت مادة البرنامج من دروس ألقاها عمرو منذ ست سنوات في حقبة مساجد المهندسين!.

وعجيب أن يخرج هذا الجهد المتواضع لعمرو في "الرسالة"؛ رغم تكلفة الإعلانات الباهظة التي أنفقها الوليد بن طلال للإعلان عن فوزه بـ30 حلقة لعمرو خالد من "عين" الشيخ صالح كامل، حتى لو كان عمرو يرتدي ملابس كاجوال في "الرسالة" و"بدل" جديدة في "اقرأ".

ربما يكون سبب خروج عمرو بثلاثية من البرامج التليفزيونية في هذا العام، يعود إلى رغبته في استعادة جماهيريته بعد النقد الشديد الذي لاحقه؛ بسبب زيارته للدانمارك، وكانت هي أكبر موجة نقد يتعرض لها عمرو خالد في تاريخه الدعوي؛ لأن الذين هاجموه هذه المرة هم رءوس الدعوة والفكر الإسلامي: القرضاوي، العوا، فهمي هويدي، وآخرون.

أما برنامجه على المحور، فلم أتمكن من متابعته.

ثانيًا: غلبة برامج الرقائق على حساب تناول القضايا الحيوية:

رغم الزخم الكبير الذي بدا واضحًا في عدد البرامج الدعوية في "اقرأ" و"الرسالة" هذا العام فإن معظم هذه البرامج سار في ذات الاتجاه، وهو الخطاب الإيماني الموغل في الرقائق، دون الاكتراث بقضايا الأمة الحيوية والتي أشرت لبعضها في أول التقرير.

والملاحظ أيضًا تعرض عدد من الدعاة للسيرة النبوية، وتناولها من منظور إيماني، دون استنباط العبر التي تمس الواقع. وربما يعود ذلك إلى شغف المسلمين بالسيرة النبوية بعد أحداث الرسوم الدانماركية المسيئة، لكن المشكلة في أن المعالجة لم تقدم جديدًا، نافضة يدها من الاشتباك مع الواقع.

وهناك تفسير لجنوح قناتي "الرسالة" و"اقرأ" إلى الكلام الوعظي، وعدم خوضهما فيما يجرّ عليهما المشكلات، وهو أن تمويل القناتين سعودي، وقد لا يرغب أصحاب القناة في الحديث عن واقع تكون السعودية منتقدة فيه، خاصة أن الفكر السعودي غير منفتح إعلاميًّا -رغم ثرائه المادي- بما يكفي للاشتباك مع معطيات الواقع.

جاسم المطوع

واكتفت القناتان بتقديم برامج إيمانية ناعمة، تتناول التدين اللذيذ؛ لتغدي الجوانب العاطفية في المسلم، دون أن تنوّر ثقافته. وكانت "الرسالة" الأكثر نعومة، خاصة برنامجَي "يحبهم ويحبونه" للجفري وعلي أبو الحسن، و"بحلم بيوم" لعبلة الكحلاوي التي كان يصحب كلامها المتباكي عزف لموسيقى رومانسية.

ولكن يحسب لـ"اقرأ" طرحها لقضايا اجتماعية متميزة من منظور ديني على لسان دعاة الكويت: جاسم المطوع في "بيوت المبشرين بالجنة"، ود. محمد العوضي في "بيني وبينكم"، وكلاهما أحسن واجتهد في الإعداد بشكل ملحوظ.

وهما أفضل من قدما البرامج في "اقرأ" هذا العام، حيث تميز أسلوب جاسم المطوع بالسلاسة، والربط بين تاريخ الصحابة والحياة الاجتماعية الحالية، وحرصه الشديد على تصوير حلقات البرنامج في الأماكن السياحية بالأردن، ورسم ابتسامة تفتح قلوب المشاهدين لكلماته.

واجتهد د. محمد العوضي في سبر أغوار النفس البشرية، ومعالجة الآفات النفسية الاجتماعية، مثل تفكيكه لمرض "الحسد" على أكثر من حلقة، واستضافته للشيخ صهيب الأمريكي؛ ليرسم صورة لواقع مسلمي العرب بريشة مسلمي الغرب.

عاطف عبد الرشيد مدير قناة الناس

والتميز الحقيقي في المضمون هو ما قدمته قناة "الناس"؛ وذلك يرجع إلى طبيعة الإعلام المصري غير المقيد بأموال الخليج، وغير المحافظ في الطرح، فلم تحُل الإمكانيات "البدائية"، دون تقديم موضوعات متجاوزة للجانب الإيماني، فقد رأينا "أخلاق الحروب" لوجدي غنيم، "فجر أمة" لياسر نصر، "أحداث النهاية" لمحمد حسان، "رسائل إلى الشباب" لمحمود المصري.

وكلها برامج تنبئ برغبة حقيقية في التنوع، والتثقيف، والإبداع، ولكن ينقصها المهارة الإعلامية، والإنفاق على الديكور، وتدريب دعاة "الناس" على التعامل مع الكاميرا، بداية من مدير القناة الذي ينقصه - في رأيي - الكثير من مقومات التقديم التلفزيوني.

ثالثًا: تقليعة "اللاب توب" ومظاهر عصرنة الإسلاميين:

الإحساس بالنقص هو سمت واضح عند كثير من الإعلاميين الإسلاميين، ويتضح هذا في برامجهم. فهناك إفراط واضح في صبغ الإسلاميين بمظهر العصرنة والعولمة والتقدم، من خلال وضع "لاب توب" تقريبًا لكل مقدم برنامج، على طراز شعار الحكومة المصرية "كمبيوتر لكل مواطن"، رغم ندرة استخدامه الفعلي في البرامج.

رابعًا: غياب واضح للبرامج التفاعلية:

الشيخ علي أبو الحسن

حتى الآن لم تستطع البرامج الفضائية الإسلامية أن تقدم إعلامًا تفاعليًّا، اللهم إلا برنامج "يحبهم ويحبونه" الذي اجتهد فيه المقدم الشيخ علي أبو الحسن في تقديم نماذج تقصّ تجاربها؛ لتزيد من المرونة والفاعلية في التناول، بدلاً من هؤلاء الذين يتم استضافتهم كأصنام يكتمل بها الديكور، كما هو الحال في برنامج "الروائع" على الرسالة للدكتور عائض القرني.

ولم أتفهم كيف يمكن لقناة "اقرأ" أن تضع رجلاً بثقل د. علي العمري في برنامج للمسابقات؟ وكيف يسمح لنفسه بذلك؟.

الخلاصة: آتت المنافسة أُكُلها في صقل "صناعة" الإعلام الديني في الفضائيات خلال شهر رمضان، وانفردت قناة "الناس" بنقل أصوات الدعاة المهمشين للناس عبر الفضائيات. ولم يوازِ هذا التطوير الشكلي تميزًا في المحتوى في قناتي "اقرأ" و"الرسالة"، وكان خطاب القناتين منصرفًا إلى رسم لوحة تعبيرية عن التدين اللذيذ، وتغذية الجوانب العاطفية والإيمانية للمسلم، دون استحضار عقله المسلوب، وإرادته الغائبة.


** محررة في نطاق الأخلاق والتزكية بشبكة "إسلام أون لاين.نت"، وباحثة في الإعلام الإلكتروني.

هذا البريد ليس مخصصا لإرسال الاستشارات

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع