|
عبد
العزيز القاسم "الشيخ الديمقراطي"
|

|
|
عبد العزيز القاسم
|
ولد
الشيخ عبد العزيز القاسم في أوائل
الستينيات، في منطقة الرياض، وبعد
دراسة الشريعة أصبح قاضيا في
المحكمة العليا في الرياض. وفي أوائل
التسعينيات انخرط في اتجاه تيار
الصحوة الإسلامية، وأصبح من الأعضاء
الناشطين في برنامجها السياسي
الإصلاحي بانضمامه إلى مجموعة مؤلفة
من 52 شخصية إسلامية سعودية بارزة،
قدموا "خطاب المطالب" إلى الملك
فهد في عام 1991م، ثم تحول إلى عضو فاعل
في "لجنة الدفاع عن الحقوق
الشرعية" التي أسسها أعضاء من
المعارضة الإسلامية في عام 1993م.
وقد
تم اعتقاله وأفرج عنه في عام 1997م،
ولم تتم إعادته لمنصبه الرسمي حيث
يعمل الآن كمستشار قانوني مستقل،
وأصبح من حينها أحد أهم الشخصيات في
التيار الليبرو- إسلامي الناشئ.
إن
حجر الأساس في المنهجية الفكرية
لعبد العزيز القاسم يغلب عليه البعد
السياسي، فهو يبدأ بانتقاد مواقف
الحركات الإسلامية المعاصرة التي
رفضت بشكل قاطع النماذج السياسية
الغربية، حيث يصرح بأنه لا يجب تبني
تلك الأنظمة بشكلها الحالي، ولكن
ينبغي أن تشكل مصدرا للإلهام
بالنسبة للإصلاحيين المسلمين.
ويتابع
قائلا بأن كل ما يحتاجه الإسلام هو
نظام سياسي تسوده العدالة، تحدد
ماهيته من خلال مبدأ الاجتهاد،
وعليه، فيرى أنه يجب على المسلمين
اعتناق مبدأ الديمقراطية، بما أنها
أثبتت أنها الطريقة الأمثل لبناء
مجتمع يسوده العدل.
وهو
يصر على حقيقة أن الديمقراطية هي
منهج تطبيقي فقط، وأن مضمونها فيما
يتعلق بالقيم يجب أن يختلف حسب طبيعة
المجتمع التي تطبق فيه، وعليه فإن
الديمقراطية لا تعني العلمانية ولا
التغريب، وهذه نقطة ما يزال معظم
الإسلاميين يجدون صعوبة كبيرة في
تقبلها.
ويدعو
القاسم في كتابات أخرى له إلى إيجاد
مجتمع مدني حقيقي؛ لأنه بدونه لن
يكون هناك أي معنى للديمقراطية
الإسلامية.
ومما
يثير الاهتمام أن عبد العزيز القاسم
يعتبر الجهاد أحد أعمدة المجتمع
المدني الإسلامي: "إن السمة
الأساسية للجهاد أنه يجب أن يكون
قراره مستقلا عن السلطة السياسية
الرسمية، مما يجعله وسيلة ضغط هائلة
على السلطة لضمان جعلها تحمي
البلاد، خشية من إعلان الجهاد بمعزل
عنها".
ويشير
القاسم أيضا إلى أن الوطنية
السعودية لا تتعارض مع الإسلام، وأن
المشكلة الوحيدة لهذا المفهوم هي
أنها أصبحت أداة في يد السلطات
العلمانية في العالم العربي، مما
أدى إلى رفضها من قبل الإسلاميين
الذين اعتبروها جزءا لا يتجزأ من
الأنظمة التي كانوا يحاربونها،
ويقول: "وعلى كل حال فإن مفهوم
الوطن موجود في القرآن، وبالإضافة
لذلك روت أحاديث نبوية عدة أن النبي
محمد صلى الله عليه وسلم أحب مدينة
مكة لدرجة أنه عندما كان في المدينة
المنورة كان يشعر بالحنين الشديد
إليها".
وأخيراً
فهو يعتقد أنه من المهم جدا القضاء
على الانقسام بين الإسلاميين
والليبراليين في المجتمع السعودي،
وهو يشدد على أن انعدام الفهم
المتبادل ومعرفة الطرف الآخر هو فقط
السبب في عدم الثقة بين الطرفين،
ويقول إنه واثق من أن زيادة مستوى
الاتصال داخل الساحة الفكرية
السعودية سيساعد في حل هذه المشكلة.
وعلى
كل حال، فإن معتقدات القاسم
الليبرالية في الحقل السياسي لا
تنطبق على القضايا الاجتماعية،
وعندما سُئل عن رأيه حول ما إذا كان
يجب السماح للنساء بقيادة السيارات،
أجاب بأنه نظرا للظروف الحالية في
المملكة فإنه يعارض إعطاءهم هذا
الحق. وفي مقابلة صحفية أخرى معه حذر
من أخطار الاختلاط بين الجنسين في
أماكن العمل مما يعطي الفرصة للرجل
بأن يختلي بالمرأة، وهو شيء محظور في
الإسلام. إن هذا المثال يوضح الفرق
بين الليبرالية السياسية
والليبرالية الاجتماعية في
السعودية.
عبد
الله الحامد "المجدد"
|

|
|
عبد الله الحامد
|
يشترك
عبد الله الحامد مع القاسم في عدة
نقاط: أولها أنه أيضا كان عضوا ناشئا
في تيار الصحوة الإسلامية، ثم خطا
أولى خطواته السياسية المهمة مع "لجنة
الدفاع عن الحقوق الشرعية"،
وثانيها أن الاستنتاجات التي توصل
إليها تمثل تلك التي توصل إليها
القاسم، مع أنه يتبنى أسلوبا وخطابا
مختلفا.
ولد
عبد الله الحامد في عام 1950م، في
بريدة، في منطقة القصيم، وتلقى
دراسته العليا في قسم اللغة العربية
في جامعة الإمام محمد بن سعود في
الرياض، ثم ذهب إلى مصر حيث درس في
الأزهر، وحصل على درجة الدكتوراة
هناك، وعاد إلى المملكة في عام 1977م،
حيث تم تعيينه أستاذا في الأدب. وفي
عام 1993م أصبح الحامد أحد المؤسسين
الستة للجنة الدفاع عن الحقوق
الشرعية، مما أدى إلى فصله من عمله،
وإلقائه في السجن، حيث أمضى عدة أشهر.
وسُجن مرتين أخريين في 1994م و1995م،
ومنذ ذلك التاريخ ألَّف عدة كتب حول
القضايا الدينية، بالإضافة للعديد
من المقالات.
وعلى
خلاف القاسم، فإن حجر الأساس في
المنهجية الفكرية للحامد ديني
بالدرجة الأولى. فهو يقول: "إن
الحاجة الآن لإعادة قراءة النصوص
القرآنية ضرورية أكثر من أي وقت مضى؛
لأن ذلك سيكون المنبع للفكر السياسي
الإسلامي". ويرى بأن الفكر
الإسلامي القائم يعود إلى العصر
العباسي، حيث يميل الناس إلى
الاعتقاد بأن هذا هو الإسلام
الصحيح، وذلك خطأ. فإذا ألقينا نظرة
فاحصة سنجد أن هذا الفكر يتضمن عدة
أمور ثانوية تم وضعها كحلول لمشكلات
نشأت آنذاك؛ لأن المشرعين والمفكرين
وقتها تأثروا ببيئتهم، مشيرا إلى
حالة المشرع الإسلامي ابن حنبل في
القرون الوسطى، وهو مؤسس المدرسة
الحنبلية في القانون، وأحد أبرز
المؤثرين على الوهابية. ويضيف
الحامد: "لقد أنجز العديد من
المهام الجليلة، مثل جمع وتصنيف
الأحاديث النبوية، ولكنه أيضا عبر
عن آراء بعضها يمكن أن يكون عرضة
للاجتهاد، وحيثما يكون هناك اجتهاد
فهناك بعض الصحة وبعض الخطأ. من
الأهمية بمكان بالنسبة لنا الاقتداء
والاقتباس من أسلافنا؛ لأنهم لعبوا
دورا مهما في تراثنا الإسلامي، ولكن
الذي أنتقده هو سلوك أولئك
المحدِّثين الذين تسمروا عند هؤلاء
الأسلاف واعتبروهم قديسين كما لو
أنهم تجسيد للكتاب والسنة".
وحسب
الحامد، فإنه يوجد هناك نوعان من
السلفية: مجددة ومحافظة، والأخيرة
مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمؤسسة
الدينية السعودية، ويقول: "لقد
صاغ ابن تيمية خطابا دينيا قادرا على
التعامل مع المشكلات الفقهية في
عصره، وهو بذلك يعتبر مجددا. ولكن
أتباعه الذين جعلوه اليوم المرجع
المطلق، ويأملون في حل مشاكلنا
المعاصرة من خلال أفكاره هم مقلدون
وسلفيون محافظون. إن ما نحتاجه اليوم
هو أشخاص يستندون إلى الكتاب والسنة
لإيجاد حلول للمشاكل الخاصة التي
نواجهها: العولمة وحقوق الإنسان
والمجتمع المدني والأمم المتحدة. هل
تستطيع وصفات ابن تيمية علاج هذه
المشاكل؟".
إن
ما يدعو إليه الحامد بشكل عام هو
إحياء السلفية الحقيقية في صورتها
الحيوية المتجددة، أو ببساطة العودة
إلى منهج السلف الصالح، وليس إلى
إنتاجهم، مع رؤية واضحة على ما يجب
عليه أن تكون عليه مقاصد الشريعة.
إن
هذه الرؤية تذكرنا بأفكار محمد عبده
وأتباعه من حركة الإصلاح الديني في
مصر أوائل القرن العشرين. ومع أن هذا
النوع من الخطاب الديني ربما لا يبدو
مبتكراً في بقية أرجاء العالم
الإسلامي، فإنه جديد تماماً بين
الإسلاميين السعوديين.
ويتابع
الحامد: "إن الهدف من إعادة قراءة
النصوص القرآنية هو إظهار أن الدين
الإسلامي جوهريا يتطلب الارتقاء
الاجتماعي كما الروحي، ولكن رجال
الدين غير المؤهلين للتعامل مع
الواقع تجاهلوا المبادئ الاجتماعية
والدنيوية والعملية التي ينص عليها
الدين، وركزوا في المجمل على تلك
المبادئ الروحية والغيبية
والنظرية، وبهذا أصبحت الواجبات
التي فرضها الدين مجرد طقوس، وتم
تجاهل متطلبات الحياة الاجتماعية.
وعلى كل حال فإنه بالنسبة للسلف
الصالح لا يمكن التمييز بين السياسة
والدين، فحقوق الإنسان والمجتمع
المدني والشورى واقعا راسخا".
إن
الذي يدعو إليه الحامد هو العودة إلى
تلك القيم، ولهذا فإن دعوته إلى
احترام حقوق الإنسان وإقامة المجتمع
المدني ودور الشورى ينبع انطلاقا من
نظرته للإسلام. وهو يصر على استخدام
المصطلح الأخير: "إنني أفضل
استخدام الشورى بدلا من
الديمقراطية؛ لأن ما نحتاجه هو شيء
من نتاج حضارتنا وليس مفاهيم
مستوردة". وربما هذا النمط من
التأطير هو الذي يبين بوضوح الفرق
بين طريقة كل من الرجلين في التعامل
مع الموضوع. أما بالنسبة لحسن
المالكي، فإن منظوره يختلف عن
كلاهما.
حسن
المالكي "الثائر على الوهابية"
|

|
|
حسن المالكي
|
ولد
حسن المالكي في عام 1970م في منطقة
جيزان على بعد بضعة كيلومترات من
الحدود اليمنية. وفي سنوات مراهقته
أصبح باعترافه الشخصي "سلفي محافظ"
يقضي وقت فراغه في توزيع أشرطة "ابن
باز"، وحتى أنه كان يفكر بالذهاب
إلى أفغانستان لمحاربة الروس.
وفي
عام 1987م غادر إلى الرياض للدراسة في
قسم الإعلام بجامعة الإمام محمد بن
سعود، حيث تخرج منها في عام 1992م.
وخلال فترة دراسته صدم بالجو
المتشدد المحيط به، وبدأ بالانفتاح
الفكري وأصبح مولعا بالتاريخ.
في
عام 1993م عمل في وزارة التربية كمشرف
على النشر، ثم أستاذا فباحثا. وفي
نفس الوقت بدأ بالكتابة في الصحف
بشكل مستمر، وتم اعتقاله لمدة شهرين
في عام 1996م، بسبب مقالة اعتُبرت
استفزازية بشكل كبير.
ونشر
أيضا عدة كتب مُنعت جمعيها في
المملكة. وأثار كتابه الأخير المليء
بالنقد اللاذع للمناهج الدراسية
السعودية -والذي نشر بعد أحداث 11
سبتمبر بقليل مع أنه يصر على أن
التوقيت كان محض مصادفة- فضيحة لدرجة
أن مؤلفه طرد من وظيفته، ولم تتم
إعادته إليها مطلقا.
إن
حسن المالكي يصر باستمرار أنه ليس
رجل سياسة، ولا ينوي أن يصبح كذلك،
وعلى كل حال إذا لم تكن كتاباته
تستهدف النظام السياسي السعودي بشكل
مباشر، فإنها تهز بعضا من دعاماته
الأساسية: كتابة التاريخ، والمناهج
الدراسية، والفكر الوهابي.
وفي
كتابه "نحو إنقاذ التاريخ
الإسلامي" يكشف لأول مرة رؤيته
حول الطريقة التي يتم بها تدريس
التاريخ في المملكة، حيث يتم إظهار
السلف الصالح كأنهم معصومون عن
الخطأ، وهو -حسب المالكي- أمر خاطئ
تماما، حيث يقول: "إن أسلافنا
ليسوا مختلفين عن بقية البشر، ولقد
نجح بعضهم في تحقيق ما أراد تحقيقه،
وفشل البعض الآخر في ذلك".
ولا
يتردد المالكي في اتهام بعض
الشخصيات التي كان لها حضور رئيسي في
كتب التاريخ السعودي كالخليفة
معاوية، الذي يصفه المالكي على أنه
طاغية وانتهازي، وابن تيمية الذي
يشجب المالكي مواقفه المتشددة،
وخاصة فيما يتعلق بالتكفير.
وبالنسبة
للمالكي، فإن إصلاح المجتمع السعودي
لن ينجح إلا إذا بُدئَ بعملية إعادة
قراءة التاريخ الإسلامي بدون تحيز،
بحيث يصار إلى التعلم من الماضي.
وبنفس
الحماسة يهاجم المالكي بعنف المناهج
الدراسية السعودية، مركزا
انتقاداته على أحد دعائم التعاليم
الدينية الوهابية وهو موضوع "التوحيد".
وفي كتابه "مناهج التعليم: قراءة
نقدية لمقررات التوحيد لمراحل
التعليم العام" يُظهِر أن الكتب
المدرسية التي تُدرَّس للناشئة
السعوديين متخمة بالتهجم على
المسلمين غير الوهابيين، وتحرض على
تكفيرهم وعلى الجهاد ضدهم في حالات
معينة، وفي جميع الأحوال الحرص على
عدم الاختلاط بهم حتى لو تطلب ذلك
الهجرة إلى "أرض الإسلام"، وفي
حال غير المسلمين فإن الهجوم يصبح
أعنف. ولكن المالكي يذهب أبعد من ذلك
في نقده، ويرى أن الكتب المدرسية
السعودية هي فقط إحدى سمات ظاهرة
أعم، حين يقول إن السبب وراء كل ذلك
هو الفكر الوهابي.
وعلى
كل حال فإن نقد الوهابية هو المهمة
الرئيسية للمالكي، وهو من ناحية
يهاجم مصادرها الفكرية الأساسية،
مثل ابن تيمية وابن عبد الوهاب "اللذين
مارسا حقهما في الاجتهاد وقد وقعا
مثلهما مثل أي مجتهد آخر في ارتكاب
أخطاء". وعلى سبيل المثال في كتاب
جدلي بعنوان "نقض كشف الشبهات"
يهاجم المالكي أحد الكتب الأساسية
لابن عبد الوهاب "كشف الشبهات"،
حيث يدين مرة أخرى التشدد الذي
يبديه، وخاصة فيما يتعلق بالتكفير،
ومن ناحية أخرى ينتقد بشدة القسوة
المنهجية الشديدة للوهابية، ويقول:
"إن الوهابية التي كانت ترى نفسها
فوق المذاهب الإسلامية تحولت إلى
نقيض ما أرادته، وهو مدرسة دينية
جديدة، وأصبحت أكثر تصلبا من كل
المدارس الأخرى".
وفي
هذا السياق يتوافق المالكي مع عبد
الله الحامد على ضرورة التخلص من ذلك
الكاريكاتور السلفي الذي أصرت عليه
الوهابية، والعودة إلى مثلها
الأصلي؛ حركة سلفية متجددة واعية،
قادرة على بناء المجتمع المدني
ونظام قائم على الشورى.
إن
آراء المالكي الثائرة على التقاليد
سببت له الكثير من المتاعب، حيث إنه
تمت -كما ذكرنا- إقالته أولا من عمله
في وزارة التربية، وتردد أن الشيخ
صالح اللحيدان والشيخ صالح الفوزان
وهما من كبار علماء المملكة طلبا
شخصيا إقالته. وبعد ذلك جعله الشيوخ
السلفيون الجهاديون هدفا لأقلامهم.
وعلى سبيل المثال فقد نشر علي الخضير
على شبكة الإنترنت بيانا في حسن
المالكي بتاريخ 14\8\2001م وصفه فيه بأنه
من "حماة عبدة القبور والمرجئة
والشيعة"، وأدان "افتراءه على
السلف الصالح"، ولكن بدون أن يصل
إلى درجة تكفيره، ولكنه دعا إلى
محاكمته في محكمة دينية. وتبع ذلك
البيان بيانات أخرى مشابهة وقعها
شيوخ مثل ناصر الفهد وحمود الشعيبي.
ولكن كما سنرى لاحقا ليس المالكي
وحده من بين الليبرو- إسلاميين من
أثار حنق الشيوخ الجهاديين.
منصور
النقيدان "التائب"
|

|
|
منصور النقيدان
|
ينتمي
منصور النقيدان لنفس جيل المالكي،
اتبع تقريبا نفس خطواته. ولد منصور
في عام 1970م في بريدة، وترك
المدرسة وهو ابن ستة عشر عاما، وكرس
نفسه كليا لما أصبح هاجسه الأول
والأخير، وهو الدين. وكان المذهب
الذي اعتنقه في ذلك الوقت شكلا
متطرفا من الإسلام "السلفية
الجديدة" كما يطلق عليها. يقول
منصور متذكرا تلك الأيام: "لقد
حطمت جميع أشرطتي الموسيقية، وحرقت
الجزء الأكبر من كتبي الأدبية
المعاصرة، وخلعت ساعتي التي أرتديها
في معصمي، وقررت الاستعانة بالشمس"!!.
اعتُقل
النقيدان عدة مرات في بداية
التسعينيات بسبب إشعاله النار في
متجر للفيديو، وحدث التحول الحقيقي
داخله خلال المدة التي أمضاها في سجن
جدة بعيدا عن مرافقيه في بريدة.
وحالما
أطلق سراحه في نهاية 1997م أمضى معظم
وقته في قراءة الكتب الدينية، وخاصة
للمفكرين الإسلاميين المجددين. وفي
ديسمبر 1998م، تم تعيينه إماما لأحد
مساجد الرياض الصغيرة. وفي فبراير 1999م
نشر أول مقالاته في جريدة الحياة تحت
عنوان "هل كان ابن أبي داوود
مظلوما"، وفي هذه المقالة
التاريخية حاول إظهار أن منزلة "ابن
حنبل" باعتباره إماما عظيما يمجده
الوهابيون أتت بالدرجة الأولى نتيجة
لحسابات سياسية لدى الخليفة أكثر من
كونها نتيجة طبيعية لصفاته الشخصية،
حيث يشدد على قيام "ابن حنبل"
بتكفير شيخ المعتزلة "ابن أبي
داوود"، بينما يتجاهل معتزلية
الخليفة المأمون. لقد كان لهذه
المقالة وقع القنبلة في الأوساط
الدينية المحافظة، حيث نشر الشيخ
الشديد النفوذ حمود الشعيبي تصريحا
أدان فيه آراء النقيدان، وحتى أنه
قام خصيصا بتأليف كتاب لتفنيد آرائه.
ولقد كان الضغط الذي مارسه الشعيبي
كبيرا، لدرجة أن النقيدان فقد
وظيفته كإمام.
وعلى
خلفية هذه الأحداث بدأت مهنته
كصحافي، حيث بدأ ينشر مقالات جديدة،
وتم تعيينه في سبتمبر 2000م محررا
للقسم الديني بصحيفة الوطن اليومية
السعودية، وتمت إقالته بعد عامين،
ومنذ ذلك الحين وهو يعمل ككاتب صحفي
مستقل.
ويكتب
النقيدان: "ما نحتاجه بشدة هو فهم
متنور للشريعة والنصوص القرآنية
ومقاصدها، آخذين بعين الاعتبار
التطور الكبير ورياح التغيير التي
تهب على الأمم والحضارت". وهو يذهب
أبعد من ذلك حين يضيف: "يجب أن يكون
هناك ثورة مفاهيم حقيقية، إن
المصالح والمقاصد هي التي يجب أن
تحدد طريقة فهمنا للقرآن وليس العكس.
إن القرآن كتاب مفتوح وحمال أوجه".
فيعتقد النقيدان أن الاجتهاد
المتنور سيكون الوصفة السحرية
القادرة على إيقاظ الأمة من سباتها
العميق، ومن هنا سيأتي الإصلاح
الاجتماعي والسياسي الذي تنتظره
السعودية والعالم الإسلامي برمته.
وليست
المسألة أن النقيدان أكثر ليبرالية
في آرائه من معظم أقرانه، ولكن من
أجل إسماع صوته فإنه يستخدم عبارات
لا بد أن تصدم قُرَّاءه، فعلى سبيل
المثال فإنه يكتب: إن الإسلام يحتاج
إلى إصلاح "لوثري"، وإننا نحتاج
إلى "إسلام جديد". وهو يصف نفسه
بأنه داعية "إنساني"، بدون
الاهتمام بصدى تلك التسمية في أوساط
المتشددين، وينزع إلى معالجة
موضوعات حساسة في مقالاته، ودائما
يدافع عن المواقف المناقضة لتلك
التي يتبناها الوهابيون.
وعلى
سبيل المثال نشر في ديسمبر 2001م مقالا
بعنوان "حكم بطاقة المرأة"،
دافع فيها بشدة عن مشروع إعطاء
المرأة بطاقة شخصية. وفي مقالتين
منفردتين انتقد "هيئة الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر"،
مشككا بدورها، وواصفا وجودها بأنه
بدعة.
ومؤخرا،
ربط بشكل واضح بين الوهابية ونزعتها
التكفيرية وبين العمليات الإرهابية
العنيفة التي هزت المملكة منذ مايو
2003م، وهذه المقالة الأخيرة تسببت في
إبعاده عن الساحة لمدة شهرين.
إن
عناده وولعه بالاستفزاز جعله الهدف
الرئيسي للجهاديين الذين اتسم
موقفهم منه بالقسوة الشديدة، بما
أنه كان في ذات يوم واحدا منهم.
وبالنسبة لهم يمثل النقيدان تجسيدا
للخيانة نفسها، وهذا يفسر القسوة
التي أظهروها ضده.
وفي
نهاية المطاف، وبعد العديد والعديد
من الكراريس والبيانات والكتب التي
تدين أفكاره وتحذر من خطورتها، قام
أربعة شيوخ جهاديين في 24 يناير 2003م -من
بينهم علي الخضير وأحمد الخالدي-
باتهامه بالردة، بسبب ما صرح به خلال
مقابلة أجراها أثناء مشاركته في
منتدى الوسطية في ديسمبر 2002م،
وطالبوا بأن تطاله عقوبة الردة، وهي
الموت إذا كانت الشريعة حقا هي
القانون في هذا البلد، على حد قولهم.
وعلى
كل حال رفض النقيدان الخضوع
للتهديد، وبادر بعد بضعة أيام بالرد
على أولئك الذين أعطوا لأنفسهم الحق
بأن يكونوا قضاة على كلامه، وذلك من
خلال مقالة عنوانها "رأيي في صكوك
التكفير"، مظهرا بأنه لا نية له
على الإطلاق لوضع حد لانتقاداته.
ودعا بشكل صريح إلى "التبرؤ" من
الوهابية وأي شكل آخر من أشكال
السلفية، وإحياء "الإرجاء" وهي
مدرسة إسلامية فكرية قديمة، ميزتها
رفض الحكم على العقائد، وإرجاء ذلك
الحكم إلى مشيئة الله، قائلا: "إن
الحكمة اليوم تقتضي أن نبذل كل
جهودنا ليتعلم الناس الإرجاء في
الدين؛ لأن الفكر السلفي –في معناه
المعاصر- يحتوي في جوهره على نزعة
تكفيرية واقصائية". ولهذا أصبحت
السلفية بالنسبة للنقيدان مصطلحا
ينظر إليه بريبة كبيرة: "أشعر بأني
قريبا فكريا من أمثال الحامد
والقاسم، ولكن الفارق الكبير بيننا
هو أنهم يدعون أنفسهم سلفيين
ويستمرون بالإيمان بذلك العصر
الذهبي في القرون الأولى بعد الهجرة".
محمد
سعيد طيب "الليبرالي"
|

|
|
محمد سعيد الطيب
|
ولد
محمد سعيد طيب في مكة عام 1939م، وأصبح
في الخمسينيات من الأنصار المتحمسين
للرئيس المصري جمال عبد الناصر، مما
سبب له -تحت حكم الملك فيصل- الكثير
من المتاعب، حيث أودت به كتاباته إلى
السجن أكثر من مرة. ومع أنه ابتعد في
الثمانينيات قليلا عن السياسة، فإنه
لم يستطع الوقوف متفرجا عندما شهدت
البلاد في أعقاب حرب الخليج الثانية
1990-1991م موجة نادرة من الغليان
السياسي، وأصبح بالتالي أحد
الشخصيات البارزة فيما عُرف
بـالتيار الليبرالي.
ونشر
في عام 1992م كتابا بعنوان "مثقفون
وأمير.. الشورى وسياسة الباب المفتوح"
والذي يمثل بيانا حقيقيا لحركة
الإصلاح الليبرالي، والتي تدعو إلى
الديمقراطية وحرية التعبير.
ونتيجة
لهذا النشاط الجديد أُلقي به في
السجن عدة أشهر أخرى. ومنذ بدء
الانفتاح الإعلامي عام 1999م أصبح
يعبر عن آرائه بانتظام في الصحافة،
وأحيا ديوانية الثلاثاء الشهيرة،
وهو تجمع أسبوعي للحياة الفكرية
السعودية يحضره أحيانا حتى 80 شخصية
من النخبة المثقفة في مجالات
السياسة والاقتصاد والإعلام والأدب.
إن
البرنامج السياسي لمحمد سعيد الطيب
مثله مثل برنامج كل الليبراليين:
الإصلاح، الديمقراطية، حرية
التعبير وحقوق الإنسان... إلخ، ولا
شيء مبتكر هنا، بما أنه ناشط وليس
واضع نظريات. ولكن الجدير بالاهتمام
هو أنه بدأ منذ منتصف التسعينيات
بصياغة تلك الأفكار نفسها بلغة
جديدة، مصرًّا على الدور المركزي
للإسلام. وهذا لا يعني أن الطيب أو أي
من الليبراليين السعوديين شككوا
يوما ما بسيادة الشريعة في خطابهم
السياسي، ولكنهم في المقابل لم
يتخذوا موقفاً فاعلاً تجاهها، ولا
استخدموها كإطار فكري لمشاريعهم
الإصلاحية. وموقف محمد سعيد طيب جلي
وواضح عندما يقول: "الدين خط أحمر
لا أريد أن أتجاوزه ولا حتى أن أقترب
منه، وهذا ينطبق بشكل خاص على كل
الأسئلة التي يوجد لها إجابات واضحة
في القرآن والسنة".
ومن
ناحية أخرى وفيما يتعلق بدور
المرأة، يوضح الطيب: "لا نريد أن
نخرج عن كتاب الله وسنة نبيه، نريد
للمرأة الحقوق التي ضمنها لها
الكتاب والسنة".
وعلى
هذا الأساس، ومع إدراكهم بعدم
تمتعهم بالدعم الشعبي في المجتمع
السعودي، ظل الطيب وليبراليون آخرون
يدعون خلال السنوات القليلة الماضية
إلى التقارب مع الإسلاميين.
وفي
عام 2001م أعلن الطيب معترفا بطريقة أو
أخرى بأن القومية العربية تنتمي إلى
الماضي، وأن الإسلامية أخذت مكانها،
حيث يقول: "أنا لا أرى أي تناقض بين
أفكاري وأفكار الحركة الإسلامية
الحقيقية بكل ما تحمله هذه الكلمة من
معنى، بل على العكس نحن جميعا إخوة
وأهدافنا واحدة؛ حياة أفضل وأجمل.
ولا أخفي عليكم أن التغييرات التي
حدثت جعلت بعض المبادئ القومية
العربية غير مناسبة لهذا العصر،
ولهذا يجب على القوميين العرب
التأقلم مع تطورات ومتطلبات وظروف
العصر".
ومنذ
أحداث 11 سبتمبر برزت لديه فكرة ضرورة
توحيد القوى أمام هذه المحنة بصورة
أكثر إلحاحا. وفي مقابلة مع منتدى
طوى في مايو 2003م، جعل الطيب من هذا
الهدف الموضوع الرئيسي لحديثه: "تحقيق
السلام، ضم الصفوف، التوصل إلى
اتفاق (سمها ما شئت) هي ضرورة ملحة في
أيامنا هذه لا يمكن تأجيلها، وهي في
هذا المجال تماثل موضوع الإصلاح
تماماً ولا تقل أهمية عنه".
وفي
17 مايو 2003م صاغ لدعواته شكلا ملموسا
بمشاركته في لقاء مع الشيخ سفر
الحوالي، حيث قال عنه: "صدقني لم
أجد فيه إلا النبل والشهامة، وقدرة
مذهلة على الفهم، وحرص لا يصدق على
المصالح العليا للأمة". ومن أجل
أولئك الذين ما يزالون يشككون
بإخلاصه يضيف قائلاً: "إن
علاقاتي مع التيار الديني وشخصياته
وقياداته ليست مجرد علاقات تكتيكية
كما يتخيل البعض، ولكنها على العكس
تماما ثمار لقناعات راسخة من أجل خير
هذا البلد".
ويختتم
الطيب قائلاً: "إنني مقتنع تماماً
أنه يوجد بيننا وبينهم مبادئ وقواسم
مشتركة نتفق عليها ونريدها بجدية
وإخلاص للتطوير والارتقاء، خاصة في
هذه الأوقات العصيبة". ويبدو أن
هذه العبارة الأخيرة تلخص تماماً
المشروع الليبرو- إسلامي.
محمد
محفوظ، وجعفر الشايب، وزكي الميلاد.. الصوت
الشيعي
|

|
|
محمد المحفوظ
|
محمد
محفوظ، وجعفر الشايب، وزكي الميلاد،
هم ناشطون شيعة من مدينة القطيف في
المنطقة الشرقية، غادروا المملكة في
الثمانينيات، ثم عادوا في
التسعينيات بعد التوصل لاتفاقية في
عام 1994م بين الحكومة السعودية
والمعارضة الشيعية.
وقد
راقب مأمون فندي وحلل التغير في خطاب
المعارضة الشيعية في أواخر
الثمانينيات، وتحوله من الخمينية
إلى التعددية الديمقراطية. ولكن في
ذلك الوقت لم يكن لدى الشيعة من
يتحدثون معه في المعارضة الإسلامية
السنية، والتي مثَّل تصلبها خطرا
عليهم أكبر من الخطر الذي تمثله
العائلة المالكة.
وكما
يطرح فندي فإن عزلتهم في الساحة
المحلية جعلتهم يتبنون هذا الخطاب
الجديد كصلة وصل بينهم وبين العالم
الخارجي وخاصة الغربي.
إن
بزوغ التيار الليبرو-إسلامي في
السعودية منذ 1998م أعطى المثقفين
الشيعة الفرصة لإعادة الاندماج في
الساحة المحلية، وقد شهد خطابهم بعض
التغيرات نتيجة لذلك. وما تزال
الديمقراطية وحقوق الإنسان
والمجتمع المدني تشكل حجر الأساس في
دعوتهم.
ولكن
ظهر أيضا عنصران جديدان، الأول أنه
يمكن ملاحظة توكيدا أكبر على
الإسلام مقارنة بأوائل التسعينيات،
كما يوضح الشيخ زكي الميلاد: "نحن
كشيعة لا نريد أن يُنظر إلينا
باعتبارنا تلقائيا جزءا من
الليبراليين، ولكننا نريد أن نتقدم
بمشروع إصلاحي يكون ديمقراطيا
وإسلاميا معا".
وهذه
الفكرة نفسها هي محور الكتاب الأخير
لمحمد محفوظ: "الإسلام ورهانات
الديمقراطية"، حيث يقول فيه: "لن
نتطور ونرتقي في كل مستوى من مستويات
وجودنا إلا باتباع تعاليم الإسلام.
إن الطريقة الوحيدة أمامنا كعرب
ومسلمين للتطور والارتقاء هي دمج
الإسلام والديمقراطية"، وبهذا
يعكس خطاب محفوظ آراء الليبرو-إسلاميين.
وبالفعل لجعل تلك التركيبة ممكنة
يتابع محفوظ قبل أن يشيد مطولاً
بالاجتهاد: "ندعو إلى قراءة
حضارية وإنسانية للإسلام".
والعنصر
الثاني أن القادة الشيعة اليوم
يدعون إلى الوطنية السعودية، بحيث
تعلموا العزف على نغمتها في خطابهم
السياسي.
ويشرح
محفوظ: "نحن سعوديون، ونحب وطننا،
وكل ما نطلبه هو أن تصبح وحدة الأمة
السعودية حقيقية. وبهذا الإطار وليس
بغيره نريد أن تتم تسوية المسألة
الشيعية".
ويضيف
الشيخ زكي الميلاد: "لا نريد بعد
الآن أن نتمثل ببقية الشيعة الذين
يعيشون في دول الخليج العربي،
ويُنظر إلينا على أننا الطابور
الخامس للدول المجاورة. نريد أن نكون
جزءا معترف به تماما من المواطنين
السعوديين".
وبهذا
يكون الخطاب الشيعي قريبا جدا من ذلك
الذي يستعمله الليبرو-إسلاميون،
وبالفعل يمكن اعتبار الشيعة جزءا من
المشروع الإصلاحي الليبرو-إسلامي.
وبالإضافة لذلك فقد تم فتح عدة قنوات
اتصال وتواصل بين الليبرو-إسلاميين
السنة والشيعة، مثل "منتدى
الثلاثاء" على سبيل المثال، الذي
رأى النور في عام 2000م في القطيف،
ويشرف عليه جعفر الشايب، حيث استضاف
عدة متحدثين بارزين من التيار
الليبرو-إسلامي السني، مثل عبد الله
الحامد وتوفيق القصيِّر.
وفي
خطوة غير مسبوقة في السعودية، تم
دعوة الشيخ حسن الصفَّار القائد
التاريخي للحركة الشيعية في
السعودية، لإلقاء محاضرة حول السلم
الاجتماعي، في المنتدى الأسبوعي
للدكتور راشد المبارك في الرياض في
إبريل 2001م. ولم يكن مدير تلك الندوة
سوى عبد الله الحامد، حيث حضرها
العديد من الليبرو- إسلاميين.
تابع
في هذا الملف:
اقرأ
أيضا:
**
أستاذ
العلوم السياسية بجامعة باريس، نقلا
عن شبكة راصد الإخبارية، بتصرف يسير.
|