 |
|
راشد الغنوشي
|
اعتبر الشيخ راشد الغنوشي
رئيس حركة النهضة التونسية أن جميع
الأطراف السياسية في العالمين العربي
والإسلامي -بما فيهم الإسلاميون-
يفتقدون إلى مشروع سياسي ديمقراطي،
من شأنه أن يمكِّن الجميع من التعايش
معًا دون إقصاء، وشدد الغنوشي في هذا
الحوار الخاص مع شبكة "إسلام أون
لاين.نت" على أن حالة السقوط التي
تعيشها الأمة مردها إلى غياب قيمة
الحرية، لا في حاضرنا فحسب بسبب
الأنظمة الديكتاتورية، ولكن أيضًا
للاستبداد التاريخي الذي عشناه لقرون
طويلة بسبب الالتفاف على مبدأ الشورى
وتهميشه.
وإليكم نص الحوار..
**
سؤال: هناك واقع سياسي عربي وإسلامي
أهم توصيفاته أنه واقع الإحباط التام
والهزيمة الكلية.. إلامَ ترجعون ذلك؟
- جواب: أعتقد أن المدخل
الأساسي لفهم كل ما يجري اليوم في
العالمين العربي والإسلامي هو وجود
أزمة الحرية المفقودة؛ فهناك أزمة
تتمثل في وجود أنظمة ديكتاتورية هي
استمرار مكثف للاستبداد التاريخي
الذي عشناه، يضاف إلى ذلك ما أصبحت
تتمتع به الدولة القُطرية المعاصرة
من مركزية شديدة، مستعينة بآليات
التقنية والرصد والتأطير والمراقبة،
يضاف إلى كل ذلك ما تجده هذه الأنظمة
الديكتاتورية من دعم النظام الدولي،
على الرغم من أن هذا الخارج يزعم أنه
ديمقراطي، بل بلغت به حماسته
للديمقراطية والحرية حد أن يعنون
غزواته بعناوين الحرية، مثلما حصل في
العراق.
فالديمقراطيات الغربية هي
أكبر عائق أمام عملية التحول
الديمقراطي في المنطقة، والسبب واضح،
وهو أن التعامل مع ديكتاتور أيسر من
التعامل مع الشعوب؛ فاتفاقية كامب
ديفيد -على سبيل المثال- سهل عقدها مع
ديكتاتور، ولكن لو أحيلت هذه
الاتفاقية الكبرى التي حددت ليس فقط
مصير مصر بل مصير المنطقة بأكملها لو
عرضت هذه الاتفاقية على الشعب المصري
ما كان ليقبلها بهذه السهولة.
بالمثل لو مرت اتفاقية
أوسلو باستفتاء فلسطيني حقيقي ما
كانت لتمر هذه الكارثة التي أحدثت
تمزقًا للمقاومة الفلسطينية، وحولت
منظمة التحرير إلى جهاز أمني
إسرائيلي، لم ينقذه إلا التطرف
الإسرائيلي الذي أعاد تجميع الصف
الفلسطيني؛ فاتفاقية أوسلو ومن قبلها
كامب ديفيد وغيرهما ما كانتا لتمرَّا
لو استفتيت الشعوب واستشيرت؛ لذلك
فإن التعامل مع ديكتاتور يظل بالنسبة
للغرب أيسر من التعامل مع الشعوب.
إن النظام القُطري كله
ونظام التجزئة يعيش ويتعيش من ظلال
الديكتاتورية، بينما شعوبنا تريد
الوحدة؛ فكيف لاتفاقية لسايكس بيكو
التي جزأت الوطن العربي أن تستمر في
ظل أنظمة ديمقراطية؟! وكيف للكيان
الصهيوني أن يستمر في قلب الأمة في ظل
الأنظمة الديمقراطية؟! وكيف يمكن أن
يستباح العراق وشعوبنا تتظاهر
مطالبةً بتفعيل اتفاقية الدفاع
العربي المشترك، بينما تقف الأنظمة
الديكتاتورية حاجزًا أمام الشعوب
وحائلا بينها وبين تنفيذ هذه
الاتفاقية؟
**
سؤال: أنت تتهم الأنظمة الديكتاتورية
بخلق أزمة الحرية، وبالتالي السبب في
الهزيمة، ولكن ألا تعتقد أن
المعارضات العربية على اختلاف
تلويناتها تتحمل كذلك جزءًا من
المسئولية؟
- جواب: أعتقد أن أزمة
الحرية لا تقتصر فقط على أنظمة الحكم،
ولكن تتجاوزها إلى المعارضة؛
فالمعارضات تمارس الإقصاء على بعضها
البعض، ومن الناحية النظرية لا نجد في
أدبيات المعارضة العربية مكانًا
للمخالف عقائديًّا.
ولنتساءل مثلا: ما هو مكان
حزب علماني في دولة إسلامية؟ حتى الآن
النظرية الإسلامية العامة ليس عندها
جواب تمامًا، مثلما نتساءل: ما هو
مكان حزب إسلامي في دولة يحكمها
القوميون أو الشيوعيون أو
العلمانيون؟
وأعجب ما في الأمر أن
الحركات اليسارية قفزت قفزة عجيبة من
مرحلة ديكتاتورية البروليتاريا إلى
مرحلة احتكار الديمقراطية، وممارسة
الإقصاء لغيرها وأساسًا الإسلاميين؛
فبالأمس مارسوا الإقصاء بل السحل لكل
خصومهم السياسيين باسم مصالح الطبقة
العاملة، واليوم يمارسون الإقصاء على
الإسلاميين ويلحون على احتكارهم
للديمقراطية، بالمثل فقد مارس
الإسلاميون لما حكموا في السودان
الإقصاء على خصومهم، ولم يقدموا
إجابة حتى الآن: ماذا سيفعلون مع
خصومهم العلمانيين إذا ما وصلوا إلى
سدة الحكم؟
فأنت لو سألت اليوم نواب
الإخوان المسلمين في البرلمان المصري:
ما الذي يجمعهم بالآخرين من يساريين
وقوميين و ليبراليين يجلسون معهم تحت
نفس قبة البرلمان؟ لقالوا: إنه حكم
الواقع، ولو سألت خصومهم لوجدت نفس
الإجابة؛ لذالك فالإسلاميون
كالعلمانيين سواء بسواء في عدم
امتلاك أي نظرية واقعية سياسية
ديمقراطية.
**
سؤال: من الواضح أن أزمة الحرية عميقة
وقديمة كما قلت في أول الحوار، قِدَم
ما أسميته "بالاستبداد التاريخي"..
فهل هناك فعلا أزمة حرية في تاريخنا
الإسلامي؟
- جواب: أستطيع القول بأن
قضية الحرية طرحت في الفكر الإسلامي
في العلاقة بالسلطة السياسية،
واستُخدِمَ مصطلح الشورى للحديث عن
الحرية السياسية، ومدى حرية الناس في
اختيار حاكمهم؛ فذهب بعض المسلمين
إلى سلب هذه الحرية لصالح أن الحاكم
يعيِّنه الله، وذهب جمهور المسلمين
إلى أن الشورى مصدر الشرعية، وإن كان
هذا المفهوم وقع الالتفاف عليه
وإفراغه من مضمونه، فأصبحت الشورى
ليست اختيارًا حرًّا من الأمة
لحاكمها، وإنما اختُزلت في مجموعة
قليلة من المسلمين، يطلق عليها "أهل
الحَل والعقد"، وهي نخبة قليلة
العدد قد لا تزيد عن الاثنين أو
الثلاثة، ينوبون عن الأمة في اختيار
حاكمها، وإن لم يفعلوا فربما استطاع
الحاكم أن يستند إلى قوته أو قبيلته
في انتزاع السلطة، واستطاع بالتالي
أن يقهر الناس على مبايعته.
وأظن أن أهم خلل في قضية
الحرية أن المسلمين لأسباب كثيرة قد
قصروا في الانتقال بالشورى من كونها
قيمة سياسية إلى كونها نظامًا
سياسيًّا وآليات واضحة في إدارة
الشأن العام، وربما كان من بين أسباب
إفراغ الشورى من محتواها الروح
العالمية السائدة عند ظهور الإسلام؛
فالروح العالمية هي روح الأنظمة
الثيوقراطية السائدة؛ حيث إن الحاكم
اعتُبر ظل الله على الأرض، ولا شك أن
الإسلام الذي انتشر بين الحضارات قد
تأثر بهذه الروح؛ فكان الحكم السائد
في بلاد فارس بعد ذلك -مثلا- مزيجًا من
القيم الإسلامية والروح
الإمبراطورية السائدة، وكذالك
مزيجًا من النظام القبلي.
المهم أن المسلمين لم
ينجحوا في الانتقال بالشورى من كونها
قيمة إلى كونها -كما قلت- نظامًا
سياسيًّا يجعل القرار الذي يخص الأمة
لا يستبد به الفرد، وإنما يعبر عن
المجموعة.
هناك سبب ثانٍ عطَّل تطبيق
الشورى كآلية سياسية، لا يقل أهمية عن
السبب الأول، وهو تأخر وسائل
التواصل؛ إذ لم يكن التواصل بين الناس
متاحًا؛ ففي العصر الأول كان يُنظَر
للشورى على أنها شأن أهل المدينة،
وليس معنيًّا بها بقية الأقطار عندما
اتسع الإسلام.
وربما كان سبب سقوط الحكم
الراشدي -أي حكم الشورى- هو عدم
الانتقال بالشورى من كونها شورى أهل
المدينة إلى شورى مدن كثيرة، حتى أن
علي بن أبي طالب الخليفة الراشد
الأخير عندما جاءه رجال من اليمن ومصر
يطالبون بحقهم في الشورى اقتناعًا
منهم أن الإسلام سوَّى بينهم في
الحكم، قال لهم الخليفة الراشد: هذا
الأمر للمهاجرين والأنصار!!
فنظام الشورى نشأ في
المدينة، وعندما أصبح الإسلام يدير
مدنًا عديدة لم تكن وسائط الاتصال
تتيح إدارة الشورى في مدن مترامية، من
أقصى المشرق إلى أقصى المغرب؛ فكان من
أسباب عدم تطور الشورى عدم وصول
العلوم والتقنيات إلى مرحلة تتيح
سرعة التواصل واتخاذ القرار الجماعي
الذي يخص مدنًا ومناطق متباعدة.
هناك سبب ثالث في غياب
الشورى كآلية سياسية في تاريخنا، وهو
غياب التنظيرات الفقهية لها؛ فالحكام
مارسوا قمعًا غير قليل للعلماء
والمثقفين حتى يمنعوهم من البحث في
هذا المجال؛ لذلك نجد أن التراث
الفقهي سواء تعلق بالعبادات أو
المعاملات يحتوي على فيض من
المؤلفات، بينما الفقه الذي يخص
التعامل بين الحاكم والمحكوم بضاعته
قليلة وضعيفة؛ لأنه يعرض صاحبه لنقمة
الحاكم؛ فصاحبه إما أن يقول كلامًا
يجامل فيه الحاكم أو يعرض نفسه للخطر؛
لذالك تجنب الفقهاء الأتقياء الحديث
في هذا الموضوع، وأكثر الذين تحدثوا
كانوا إداريين في إدارة السلطة؛
فصاغوا "آدابًا سلطانية" ترضي
الحاكم ولا تزعجه، ولا تسحب منه
الشرعية.
يضاف إلى كل هذا ما ساد
من فتن وخلافات بين المسلمين، بين
فرقهم و طوائفهم؛ الأمر الذي مثل عامل
تخويف للفقهاء في أدبياتهم التي
صاغوها في مسائل الحكم؛ حتى انتهى بهم
الأمر إلى القول: "حاكم ظلوم خير من
فتنة تدوم".
لذلك لم تتطور عند
المسلمين ثقافة المعارضة السلمية، من
مثل العصيان المدني وتشكيل أحزاب
وتشكيل مجتمع مدني؛ الأمر الذي جعل
الخيار بين أمرين: القبول بالحاكم
الظالم مع إضافة بيعة شكلية، أو
الخيار الآخر وهو أن يقبل التقاتل؛
فترجح عند الفقهاء جانب القبول
بالحاكم الظالم.
**
سؤال: هل أن هذا يعني أن تاريخنا
السياسي كان تاريخ الاستبداد الشامل
الذي قهر كل إمكانات المجتمع، ولم
يفسح مجالا لأي سلطات أخرى ثقافية أو
اجتماعية مثلا؟ وبماذا يختلف استبداد
الماضي عن الاستبداد الذي نعيشه
اليوم؟
- جواب: فيما يتعلق بالنقطة
الأولى أعتقد أنه في علاقة الناس
ببعضهم البعض كانت هذه العلاقة
تحكمها الشريعة، ولذلك كان القضاء
يتمتع بقدر كبير من الاستقلال؛ فسلطة
التشريع (أي تفسير النصوص) لم تكن بيد
الحاكم، وإنما كانت بيد الفقهاء،
كذالك سلطة تقدير الضريبة لم تكن بيد
الحاكم؛ لأن مقادير الزكوات أيضًا
مقادير محددة في الشريعة.
فالمجتمع الاسلامي كان
مجتمعًا قويًّا، وسلطة الحاكم كانت
سلطة تنفيذية؛ حيث كانت تقتصر على
حماية الثغور وحماية الأمن الداخلي،
والإشراف على الإدارة العامة للبلاد،
ولم يكن الحاكم –مثلا- يتدخل في
التشريع أو القضاء اللذَين كانا
مستقلَّين.
كذلك عندما نتحدث عن
السلطة الثقافية والتربوية؛ فإن
الحاكم لم يكن له شأن في هذه السلطة؛
إذ كانت إدارة المدارس والمساجد بيد
العلماء؛ فالمساجد مثلا كانت المركز
الثقافي الذي تشكلت فيه الحضارة
الإسلامية؛ فلم يكن للحاكم سلطة على
جامع الزيتونة –مثلا- أو جامع
الأزهر؛ فهذا كان شأن العلماء؛ لذلك
كانت تذهب حكومة وتأتي حكومة ونظام
التعليم لا يتأثر أبدًا.
لذلك عندما نتحدث عن
الاستبداد في تاريخنا يجب أن ننتبه
إلى أنه يختلف اختلافًا كبيرًا -إن لم
يكن جذريًّا- عن الاستبداد الذي نعيشه
اليوم؛ حيث أصبحت الدولة تتحكم في
التشريع عبر البرلمانات الصورية أو
المنَصَّبة، أو عبر فرمانات أو
قرارات تصدرها، وتتحكم في الأموال
حيث لا توجد رقابة مالية، وتتحكم في
القضاء؛ فليس هناك قضاء مستقل،
وتتحكم في عالم القيم والثقافة
والتربية.
ففي تاريخنا كانت هناك
أنظمة مستبدة، ولكن سلطاتها كانت
محدودة جدًّا، بينما استبداد دولة ما
بعد الاستعمار كان استبدادًا شاملا
مغلظًا وموسعًا لم يترك للفرد ولا
للمجتمع مجالا يتنفس فيه؛ فالعلماء
الذين كانوا شركاء في السلطة ممثلين
للشعب هؤلاء تحولوا في الدولة
الحديثة -دولة ما بعد الاستعمار- إلى
مجرد موظفين عند الدولة؛ فهي التي
تُعيِّنهم وتتحكم في أرزاقهم، بينما
كان للعلماء قديمًا استقلال مالي من
خلال أموال الوقف الذي كان تمويلا
شعبيًّا لسلطة العلماء والمثقفين.
دولة ما بعد الاستعمار
وضعت يدها على هذا الوقف، ووضعت يدها
على نظام التعليم، وعلى المجتمع،
وعلى العلماء؛ فتحول الجميع إلى خدم
للدولة التي أرادت أن تحل محل الله
بغير حق.
من هنا يكتسب مبحث الحرية
أهميته من خلال تجربتنا التاريخية
التي لم تطور الشورى، والتي لم تتحول
إلى حكم نظام يعبر عن أمة، ويحقق
التداول السلمي للسلطة، ويحقق
للمجتمع سلطانًا حقيقيًّا على دولته؛
فتكون الدولة للشعب وليس الشعب
للدولة.
فتاريخنا -كواقعنا اليوم-
يستوجب فتح ملف الحرية، وإلا فإنه
سيكون الدمار الشامل، ملف الحرية يجب
أن يفتح لأنه لم يأخذ حقه حتى تصبح
الشورى نظامًا يحقق سلطة الشعب
العليا.
**
سؤال: ولكن وبوصفكم أحد قيادات الحركة
الإسلامية في العالم.. ماذا فعلت
الحركة الإسلامية لمواجهة عائق
الاستبداد الموروث بنظرية سياسية
مناسبة؟
- جواب: أنا أقول: إن الأمر
لا يخص الحركة الإسلامية وحدها؛
فجملة التحليلات السياسية في مجتمعنا
لم تطور نظرية سياسية لها تأصيل في
ثقافة الأمة وفي تراثها وتستجيب
لحاجياتها، وترسخ ثقافة حرية الإنسان
وكرامته، وتقديس سلطة الأمة والقانون.
فلا تجد في الوطن العربي
تجربة واحدة تنبئ ببناء نظري صلب
لتحقيق الديمقراطية؛ فقد جرب
الشيوعيون الحكم، وجرب الليبراليون
والقوميون، وجرب الإسلاميون، ولم تكن
ممارساتهم تختلف كثيرًا؛ مما يدل على
أن هناك في ثقافة الجميع عوائق
تاريخية.
فمثلاً لما حكم بورقيبة -أهم
رموز الحداثة كما يزعم- اعتبر نفسه
باي زمانه (البايات أسرة ملكية حكمت
تونس إبان فترة الاستعمار وما قبلها
بقليل)، ولم يكن الناس يرهبون الباي
كما أصبحوا يرهبون دولة بورقيبة، ثم
دولة خلفه بعد وفاته.
كذلك فإنه لما حكم
الإسلاميون في السودان فإنهم لم
يقدموا ممارسة للحرية وللشورى
مُشرِّفة؛ إذ تسلموا الحكم من خلال
انقلاب دافعوا عن مبرراته، ولم
يعتبروا أن الانقلاب عرضي ويعيدوا
السلطة للناس، بل انقلب بعضهم على
بعض، وهو ما كان منتظرًا؛ فالذي يتسلم
السلطة بالقوة سيحتكرها ويقمع كل
معارضيه، وهذا من طبائع الأمور.
طبعًا هناك مستويات في
الاستبداد، وإذا تحدثنا بالمنطق
النسبي لوجدنا أن الاستبداد بخلفية
إسلامية قد يكون أقل وطأة من
الاستبداد بخلفية علمانية؛ فلو قارنا
بين استبداد النظام الإيراني
واستبداد النظام العراقي لوجدنا أن
استبداد النظام الإيراني أقل وطأة؛
إذ إن هناك برلمانا منتخبا في إيران،
رغم أنه ليس كل الإيرانيين ممثلين في
هذا البرلمان؛ إذ إن هناك قوى مقصاة،
كذلك لا يمكن مقارنة واقع الصحافة في
تونس حيث التكميم التام في بلد يدَّعي
الحداثة بالصحافة الإيرانية
المنتعشة نسبيًّا.
ومن المفارقات أن أكثر
الأنظمة إقصاء في العالم العربي
والإسلامي هي أكثرها حداثة؛
فالجمهوريات في العالم العربي هي أشد
إقصاء من المَلَكيات؛ فالمَلَكيات
ظلت تمثل نوعًا من الامتداد التاريخي
للاستبداد القديم من حيث علاقتها
بالدين والمجتمع؛ كالمملكة المغربية
أو الأردنية مثلا. فهذه الملكيات لها
انتساب تاريخي، ولذلك لم تحدث فجوة
تاريخية كبيرة بينها وبين شعوبها؛ إذ
هي لم تطرح على نفسها إعادة تشكيل
هوية الناس مثل الجمهوريات التونسية
والسورية والعراقية والتركية.
طبعًا إذا عدنا إلى منطلق
السؤال فأنا أظن أنه من الحركات
القليلة التي أقدمت على تقديم نظرية
سياسية ديمقراطية وطرحًا لا يقصي
أحدًا، هي حركة النهضة التونسية،
وذلك منذ انطلاقتها سنة 1981م، ومنذ
بيانها التأسيسي الذي صدر في شهر جوان
(يونيو) من نفس السنة، والذي نادى
بتعددية سياسية كاملة لا تقصي أحدًا،
حتى أنه لما سؤلنا في أول ندوة صحفية
لنا: ماذا لو انتخب الشعب الحزب
الشيوعي؟ قلنا يومها: إننا سنحترم
إرادة الشعب، وسنعمل على إقناعه في
الانتخابات المقبلة بأن يتراجع عن
خياره الأول!! كان ذلك قبل أكثر من
عشرين سنة.
**
سؤال: وبرأيك ما هي العوائق التي تحول
بين الإسلاميين وطرح موضوع الحرية
ضمن برنامج واضح ومتماسك ولا يقصي
أحدًا؟
- جواب: أعتقد أن هناك
عائقين: الأول تراثي، وهو أن الإسلامي
لا يجد في تراثه حكمًا للشعب، ولا يجد
ممارسة للشورى حقيقية، ما عدا فترة
قصيرة هي فترة الخلافة الراشدة؛ لذلك
كثيرًا ما ينجذب الإسلاميون بشكل
واعٍ أو غير واعٍ إلى النماذج
التاريخية، إلى دول ما قبل
الاستعمار، وإلى الدول السلطانية،
بما يجعل المشروع الإسلامي وكأنه
مشروع يعني إعادة إنتاج الدولة التي
سبقت الاستعمار، رغم أن الحركة
الإسلامية في خطوطها العامة حركة
تشذب الانحطاط، وتدعو إلى فتح باب
الاجتهاد.
ولكن هناك انجذابا
للتجارب التاريخية أو للاستبداد
التاريخي؛ فعندما نلقي نظرة على
التجربة الإسلامية السودانية أو
التجربة الإيرانية نلمس ذالك؛ ففي
المثال الإيراني نجد أن سلطة خامنئي
رغم وجود مجلس شورى منتخب هي سلطة
مطلقة؛ إذ إن ولاية الفقيه هي ولاية
مطلقة، حتى أن في الانتخابات السابقة
كان هناك بعض الجدل حول إذا ما كانت
ولاية الفقيه هي ولاية مطلقة أم هي في
إطار القانون، أو بشكل آخر: هل سلطة
الأمة أعلى من سلطة ولي الفقيه، أو أن
الفقيه يمارس سلطاته على الأمة؛ لأنه
يستمد سلطته من الإمام الغائب أو من
الله، وهو نوع من الثيوقراطية؟
لذالك نرى أن نظرية الحكم
الإسلامي لم تتخلص بالكامل من ظلال
الثيوقراطية، سواء في الفكر الشيعي
أو السني.
أما العائق الثاني فهو
حديث، وهو رد فعل من بعض الإسلاميين
على الديمقراطية على اعتبار أنها
أتتنا من الغرب، والغرب لم يأتنا
كحركة ثقافية، ولكن كحركة عسكرية،
مثل هذا الأمر جعل البعض يرفضها
باعتبارها بضاعة غربية؛ الأمر الذي
جعل العلمانيين يعملون على احتكارها
بربطها ربطًا محكمًا بالعلمانية،
مروجين أن الأخذ بالديمقراطية يتناقض
مع الإسلام ومتناقض مع سلطة الله
العليا، وبعض الإسلاميين صدقوا ذلك،
ولا سيما بعض التشكيلات المتطرفة،
واكتفوا بتعريفات شكلية
للديمقراطية، فقالوا: إن الديمقراطية
هي حكم الشعب، وإن الإسلام هو حكم
الله، فاقتنعوا أن هناك تناقضًا بين
الديمقراطية والإسلام. والحقيقة أن
الإسلام دين والديمقراطية نظام سياسي
وآليات في إدارة الاختلاف؛ فلا يمكن
أن يقوم تناقض بينهما؛ فحكم الشعب في
أي دولة يمارَس في إطار هويته، ويعبر
عنها في الدساتير، وفي إطار ثقافة
الشعب ومعتقداته.
ففي الأنظمة الجمهورية
الديمقراطية لا تُطرَح ثوابت
الجمهورية للنقاش، ولا يطرَح على
البرلمان أن يغير اللغة والمعتقدات
والثوابت التي جمعت الناس في إطار
دولة واحدة، فإذا مورست الديمقراطية
في المجتمعات المسيحية أو اليهودية
أو الهندوسية.. فلماذا لا تمارس في
المجتمعات الإسلامية؟!
إن ما تحتاج إليه الحركة
الإسلامية اليوم هو أن تقدم طرحًا
سياسيًّا لا يقصي أحدًا، ويترك للناس
حرية الاعتقاد؛ إذ الحكم الاسلامي لا
يتدخل في عقائد الناس، وإنما ينظم
المجال العام؛ فلكل مواطن ما يشاء من
العقائد، وليس من مهمة الدولة
التفتيش على عقائد الناس، وإنما
وظيفتها أن تدير الشأن العام؛
فالمواطنة في الدولة الإسلامية متاحة
لكل ذي عقيدة مسلم أو غير مسلم.
فنحن في حاجة إلى تأصيل
فكرة المواطنة؛ حيث الوطن للجميع،
بقطع النظر عن انتماءاتهم الفلسفية
أو الدينية، ولقد ذكر أحد أهم
المنظرين، وهو محمد سليم العوا أن
الدولة الإسلامية التاريخية قامت على
أساس فكرة الفتح؛ فالذين فتحوا
البلدان حكموها، سواء أكانوا يوم
الفتح أغلبية أم أقلية؛ فشرعية
الدولة استمدت من الفتح، والفاتحون
وأبناؤهم هم أصحاب الشرعية، نفس
الأمر حدث أثناء مقاومة الاستعمار
الذي حاربه المتدين وغير المتدين،
وقامت دولة ما بعد الاستعمار على
شرعية التحرير، وجمعت الجميع دون
إقصاء.
لذلك ففكرة المواطنة
الكاملة تعتبر أهم مشغل إسلامي يجب
التأصيل له مستقبلا.
اقرأ
أيضًا:
|