افتتح الدكتور أحمد عمر هاشم
الرئيس السابق لجامعة الأزهر أعمال
الجلسة المسائية الأولى للمؤتمر
العام السابع للدعوة الإسلامية
العالمية، والتي عقدت في اليوم
الثاني للمؤتمر 2/11/2004 مسيحي. وفي
البداية أكد الدكتور هاشم على أن
المؤتمر جاء في توقيت هام، وحمل
موضوعا له ثقله وأهميته؛ فالمؤتمر -على
حد قوله- يأتي وسط العواصف.
وعلق هاشم على اختيار الآية
القرآنية "وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين" شعارا للمؤتمر قائلا: إن
الرحمة في الإسلام للجميع؛ المؤمنين
وغير المؤمنين، المهتدين والعصاة.
والإسلام لا يحرض على الإرهاب،
والمسلم لا يقاتل من لا يقاتله، مؤكدا
أن الشريعة الإسلامية أسمى من أي
قانون.
ثم جاء الدور على الأستاذ
إبراهيم الغويل ليعرض ورقته التي
جاءت بعنوان "الرسالة الخاتمة..
احتواء الماضي واستشراف المستقبل"؛
حيث أكد أن رؤية الغرب للتاريخ -التي
للأسف فرضوها علينا- هي المسئولة عن
تزييف النظر الصحيح للتاريخ
الإنساني، ومساهماتِ الأقوام
والثقافات القومية في المسيرة
التاريخية الحضارية للإنسانية. وهي
المسئولة عن هذا الغرور الذي يتنكر
لعطاءات الثقافات الأخرى. ويصور لهم
غرورهم أنهم نهاية التاريخ ويمثلون
آخر إنسان؛ بل الإنسان الأخير، والـ
(Super man)!!
وأضاف الغويل أن رؤية الغرب
للتاريخ -التي للأسف فرضوها علينا
أيضا- تقول: إن التاريخ له بعد واحد،
يلتصق فيه التقدم مع تقدم الزمن؛
فالقرن الواحد والعشرون متقدم على
القرن العشرين، والقرن العشرون متقدم
على القرن التاسع عشر، والقرن التاسع
عشر متقدم على القرن الثامن عشر،
وهكذا دواليك.
وإن رؤيتهم للتاريخ هذه
تجعلهم يزعمون أنهم قمة التاريخ،
ونهاية التاريخ! وإن رؤيتهم للتاريخ
هذه هي التي جعلتنا ننظر -وجعلت أهل
الثقافات الأخرى سواهم ينظرون- إلى
أنه لا خيار إلا أن نكون ويكون أهل
الثقافات الأخرى أتباعا لهم، فإذا
رفضنا لم يعد لنا ولأهل الثقافات
الأخرى من خيار آخر سوى أن نعود إلى
تاريخنا، وننعزل عن التاريخ الإنساني
المعاصر والمستقبلي!!
الرؤية الصحيحة
ثم طرح الغويل رؤية تاريخية
مختلفة تتأسس على أن البشرية اكتسبت
منذ آدم المعرفة {وعلم الأسماء كلها}،
فكما أن أساس المعرفة الإنسانية
ونقطة البدء اليقينية فيها هو الوحي
الذي كوَّن الإطار المعرفي المبدئي
المتوافق مع الفطرة المؤكدة بتراكم
التجارب البشرية، التي تعرف المعروف
فتؤكده بإنكار المنكر وإقرار العرف،
ويأتي الدين القيم مؤسسا على الفطرة
التي فطر الله الناس عليها، وآمرا
بالعرف.
إن تاريخ الوحي وتاريخ
النبوات والرسالات من لدن آدم ومرورا
بأبي الأنبياء إبراهيم، وموسى وعيسى،
واكتمال كل ذلك -ومن هنا أهمية
التاريخ بإكمال الدين واختتام
النبوات- في صورته النهائية عند حجة
الوداع (632 ش من ميلاد المسيح عليه
السلام) التي قال فيها رسول الله -صلي
الله عليه وسلم-: "إن الزمان قد
استدار اليوم كهيئته يوم أن خلق الله
السموات والأرض"، يكون كل ذلك
إعلان على أن المعرفة الإنسانية
والمسيرة التاريخية الإنسانية قد
استدارت وأخذت منحنى جديدا بعد أن
تأكدت نقطة البدء اليقينية بالوحي،
ورسمت الخطوط العريضة وتأكدت، وبعد
أن تمت عملية الصياغة المكتملة لـ"الوصية
الخاتمة" والنداء الأخير للبشرية
جمعاء عبر حواجز الزمان والمكان،
فقال عــز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمُ الإسلام دِينًا}.
والنبوة والرسالات تقدمٌ في
التاريخ، ولقد كان للأنبياء وللرسل
دور ورسالة في تقدم الوعي الإنساني،
وكان اكتمال الرسالة إعلانا لاستقلال
العقل والإرادة واكتمال الوعي
الإنساني بعد أن حقق الوعي غايته في
تطور البشرية.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إنه
تم رسم محور الارتقاء والتقدم الذي
سجلته الإنسانية من خلال مسيرتها
وفقا للفطرة، وما تأكدت به من إنكار
للمنكر عند أي انحراف وأمر بالمعروف،
حتى صار "عرفها" الذي به تأتمر،
وهي مسيرة مشرفة قادها الأنبياء
والرسل أجمعون عليهم أفضل الصلاة
والسلام.
والنبوة والرسالات تقدمٌ في
التاريخ، ولقد كان للأنبياء وللرسل
دور ورسالة في تقدم الوعي الإنساني من
خلال تأكيد ما هو أساس في تهيئة
الإنسان -والناس كافة- لما يصلحون له
من "دور" في أداء "رسالتهم"
التي اؤتمنوا عليها، خلفاء في الأرض
لتعميرها وقد سخرت لهم... إلخ.
إن الدين عند الله
الإسلام
ولقد تأسس محور الارتقاء
والتقدم واستدار الزمان كهيئته يوم
أن خلق الله السموات والأرض، وبعد هذا
التاريخ المشرف الذي قاده الأنبياء
والرسل، وما جاء به الرسول -صلى الله
عليه وسلم- لقومه وللعالمين مفتتحا
عصر القومية بآفاق إنسانية وعالمية،
فكانت دعوته لقومه وللعالمين وللناس
كافة.
وإن ما جاء به الرسول -صلى
الله عليه وسلم- وما يمكن أن يجعل
لكلٍّ منا شرعة ومنهاجا، إنما هو آخر
مرحلة من الوحي في التاريخ، وهو الوحي
مكتمل في صورته النهائية، ويمكن أخذه
كأصل للتشريعات.
مداخلات وتعليقات
وتعليقا على ورقة الأستاذ
إبراهيم الغويل، أكدت د.فوزية
العشماوي أستاذة الحضارة واللغة
العربية بسويسرا، على اتفاقها مع ما
جاء في الورقة، مؤكدة أن عالمية
الإسلام جاءت قبل 14 قرنا من مجيء
العولمة؛ لأن الإسلام هو الدين
الخاتم، كما أن الإسلام كرم المرأة
وأعطاها حقوقها التي كانت مسلوبة
منها في الجاهلية.
ثم تحدث أبو زيد المقرئ
الإدريسي، الأستاذ الجامعي والنائب
في البرلمان المغربي عن مسألة ترتيب
المصحف، وكونه مختلفا عن ترتيب نزول
القرآن، مؤكدا أن ذلك أحد أهم أوجه
عالمية الإسلام؛ لأن هذا الترتيب
يجعل من القرآن نسقا كاملا، ولم تتم
الاستفادة منه كليا إلى الآن. كما
ناشد الإدريسي الحضور للتعاون مع
المغاربة.
وبعد ذلك أعطيت الكلمة لمحمد
المصري، رئيس الكونجرس الإسلامي
الكندي قائلاً: إن أغلب الناس في
الغرب لا يعرفون شيئا عن الإسلام،
ولكنهم في الوقت نفسه لا يعلمون شيئا
عن أديانهم. ودعا المصري إلى ضرورة
مقارنة تعاليم الإسلام وغيره من
الديانات. ونصح مسلمي الغرب
بالاندماج الذكي في المجتمعات
الغربية.
لا قوة فوق الإسلام
وفي مداخلته، شدد محمد شمس
الحق صديق على أن المسلمين يجب ألا
يُفرض عليهم نموذج للتقدم أو
للديمقراطية؛ فالإسلام لا ينتظر
نصيحة من أحد.
أما د. أحمد سنجندو، فأكد على
أن خاتمية الإسلام تعني أنه الدين
الباقي ليوم الساعة، وأنه لا توجد قوة
على الأرض تستطيع تدميره أو منعه.
وأضاف د. سنجندو أن الإسلام
لن يكون مفهوما لدى غير المسلمين ما
دام المسلمون لا يفهمونه ولا يطبقونه.
وطالب المسلمين بالتحلي بخلق القرآن
والسنة النبوية المطهرة؛ لكي يكونوا
على مستوى المسئولية في هذا الوقت
العصيب الذي تمر به الأمة.
التصدي لفكر نهاية
التاريخ
كما أشاد د. محمد شكري بما
جاء في ورقة الغويل، مؤكدا على أن
خاتمية الإسلام إنما تعني أن الإسلام
هو الدين الكامل الذي ختم الله به
الرسائل السماوية، ولذا يجب على
المسلمين التصدي للمفاهيم التي
يروجها بعض المفكرين الغربيين، مثل
فرانسيس فوكوياما صاحب فكرة نهاية
التاريخ، وهذا التصدي يجب أن يأتي عن
طريق الحوار البناء مع غير المسلمين
حتى يتم تجنب مثل تلك الأفكار.