الرؤية التاريخية التي نتبنى
ترى أن نشأة التاريخ كانت منذ أن اكتسب
آدم المعرفة وعلم الأسماء كلها، فكما أن
أساس المعرفة الإنسانية ونقطة البدء
اليقينية فيها هو الوحي الذي كون الإطار
المعرفي المبدئي المتوافق مع الفطرة
المؤكدة بتراكم التجارب البشرية التي
تعرف المعروف فتؤكده بإنكار المنكر
وإقرار العرف، ويأتي الدين القيم مؤسسا
على الفطرة التي فطر الله الناس عليها،
وآمرا بالعرف.
إن تاريخ الوحي وتاريخ النبوات
والرسالات من لدن آدم ومرورا بأبي
الأنبياء إبراهيم، وموسى وعيسى، واكتمال
كل ذلك -ومن هنا أهمية التاريخ بإكمال
الدين واختتام النبوات- في صورته
النهائية عند حجة الوداع (632 ش من ميلاد
المسيح عليه السلام) التي قال فيها رسول
الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن الزمان
قد استدار اليوم كهيئته يوم أن خلق الله
السموات والأرض"، يكون كل ذلك إعلان
على أن المعرفة الإنسانية والمسيرة
التاريخية الإنسانية قد استدارت وأخذت
منحنى جديدا بعد أن تأكدت نقطة البدء
اليقينية بالوحي، ورسمت الخطوط العريضة
وتأكدت، وبعد أن تمت عملية الصياغة
المكتملة لـ "الوصية الخاتمة"
والنداء الأخير للبشرية جمعاء عبر حواجز
الزمان والمكان، فقال عــز وجل: {الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا}.
والنبوة والرسالات تقدمٌ في
التاريخ، ولقد كان للأنبياء وللرسل دور
ورسالة في تقدم الوعي الإنساني، وكان
اكتمال الرسالة إعلانا لاستقلال العقل
والإرادة واكتمال الوعي الإنساني بعد أن
حقق الوعي غايته في تطور البشرية.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إنه تم
رسم محور الارتقاء والتقدم الذي سجلته
الإنسانية من خلال مسيرتها وفقا للفطرة،
وما تأكدت به من إنكار للمنكر عند أي
انحراف وأمر بالمعروف، حتى صار "عرفها"
الذي به تأتمر، وهي مسيرة مشرفة قادها
الأنبياء والرسل أجمعون عليهم أفضل
الصلاة والسلام.
والنبوة والرسالات تقدمٌ في
التاريخ، ولقد كان للأنبياء وللرسل دور
ورسالة في تقدم الوعي الإنساني من خلال
تأكيد ما هو أساس في تهيئة الإنسان -والناس
كافة- لما يصلحون له من "دور" في أداء
"رسالتهم" التي اؤتمنوا عليها،
خلفاء في الأرض لتعميرها وقد سخرت لهم...
إلخ.
ومن هنا كانت كلمات: العبودية
لله بمعنى تهيئة الإنسان لما يصلح له،
والاستخلاف ائتمانا له على العمران
والتسخير... إلخ. كل هذه الكلمات هي ما أكد
عليه كل الأنبياء والرسل بتأكيدهم على
"لا إله إلا الله" بما تعني من أن لا
يكون الفرد عبدا لغير الله، وألا يستعبد
غيرَه.. وبما تعني أن يكون الإنسان خليفة
في الأرض ويكون إخوانه من الناس جميعا
مستخلفين.. وبما تعني أن يكون كل شيء
مسخرا للإنسان ولإخوانه من بني البشر
جميعا.
ولئن تولى كل نبي ورسول -بعد
تأكيده على ما هو أساس في تهيئة الإنسان-
معالجة لمنكر ظهر في قومه نتيجة ضلال
وخطأ فجاءهم بالهدى والتصحيح، وحتى إذا
استوفت الأقوام ضلالها وأخطاءها،
واستوفت النبوات والرسالات التصحيحات،
فإن الوصية الخاتمة قد جاءتهم مصدقة
ومهيمنة؛ فكان القرآن الكريم الفرقان
الذي جاء بالحق المبين، والدين القيم
الذي يقوم بكل جوانب الحياة، والذي جاء
آمرا بالعرف متوافقا مع الفطرة.
إن الدين عند الله
الإسلام
ولقد تأسس محور الارتقاء
والتقدم واستدار الزمان كهيئته يوم أن
خلق الله السموات والأرض، وبعد هذا
التاريخ المشرف الذي قاده الأنبياء
والرسل، وما جاء به الرسول -صلى الله عليه
وسلم- لقومه وللعالمين مفتتحا عصر
القومية بآفاق إنسانية وعالمية، فكانت
دعوته لقومه وللعالمين وللناس كافة.
وإن ما جاء به الرسول -صلى الله
عليه وسلم- وما يمكن أن يجعل لكلٍّ منا
شرعة ومنهاجا، إنما هو آخر مرحلة من
الوحي في التاريخ، وهو الوحي مكتمل في
صورته النهائية، ويمكن أخذه كأصل
للتشريعات.
ومن هنا صح ذلك القول لأحد
المستشرقين الأمريكيين: "إن القرآن قد
بدَّل مجرى التاريخ الإنساني".
وقد ارتفع رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- بقومه، وبـ"السابقين" من
الأقوام الأخرى التي كانت على ساحة
الأحداث في عصره إلى المستوى السامق الذي
رسم للارتقاء والتقدم، وحملهم -بحكم
جعلهم أمة وسطا- أن يكونوا شهداء بالحق
على الإنسانية، وسوف يسألون.
وإذا كان المنكرون لله، ومن
قالوا بـ"العلمانية" (بفتح العين) أو
الاهتمام بهذا العالم الآن، إنما كان
دافعهم هو:
ـ تحرير الإنسان من الخوف
والخضوع للطبيعة.
ـ تحرير الإنسان من الشعور بعدم
القداسة وهو يعالج مشكلات حياته.
ـ تحرير الإنسان من سيطرة طبقات
ادعت لنفسها الامتيازات.
إن الإسلام برفضه للوثنيات
وعبادة غير الله، وإعلانه تسخير كل ما في
الكون للإنسان إنما يحرر الإنسان من
الخضوع للطبيعة.
والإسلام يستنكر تحريم زينة
الدنيا، ويؤكد حل ما في الدنيا من طيبات.
وفي الإسلام لا ازدواجية بل
مساواة، فليس بينهم معصوم سوى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- في تبليغ ما أُمِر
بتبليغه إلى الناس.
ولا حكومة إلهية؛ بل "حكومة
كل الناس" تخضع للخطأ والصواب.
والشورى هي قاعدة "الجماعة"،
وللجماعة أن تختار من صفوفها من تولى
عليها.
"وإذا كانت دعوة التوحيد
والألوهية في الإسلام تستهدف المساواة -فيما
عدا الله- بين الناس في الاعتبار
الإنساني، وفي البقاء في المستوى
الإنساني، وفي المشاركة في خصائص
الإنسانية من الصواب والخطأ، فإنه ليس
هناك -في نظر الإسلام- مكان في جماعة
المؤمنين أو في المجتمع الإسلامي لنزاع
حول السلطة، على أساس أن بعض المجموعات
في المجتمع تتميز عن المجموعات الأخرى
على أساس غير إنساني؛ فهذه مجموعة لها
قداسة ولقولها عصمة، وهذه مجموعة أو
مجموعات أخرى ليست لها قداسة، وليس
لأقوالها عصمة!!.
فإن أهل "مدينة رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-" كانوا جميعا معا "أمة"
من دون الناس ولكلٍّ دينه، وهو دين واحد
وإن تعددت الرسالات وتعددت الرسل بتعدد
أقوامهم، وبهداهم اقتدى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- وكان أسوة ورحمة
للعالمين، وأمته ستكون "شرعة" للناس
وشاهدة بالحق.
و"الزوجية" -الزوج هو الفرد
الذي له قرين يكتمل به، والرجل والمرأة
كل منهما زوج، وهما معا زوجان- هي المكون
الأول لـ"الوحدة" الإنسانية، ومن
الزوجية يكون الانتشار في شعاب الأرض
شعوبا وقبائل لتعارفوا، والأكرم -أي
الأكثر كرامة- هو من يتزكى ضمن "الوقايات"
التي تقيه في مسيرته نحو الفلاح. (والفلاح:
هو البقاء لا الفناء، والغنى لا الفقر،
والعز لا الذل، والعلم لا الجهل).
ولقد كان التطبيق الرسولي لهذا
الوحي على أحوال الناس واحتياجاتهم
بيانًا إلى أن كل آية هي حل ومعالجة
وموقف، وأن ما تجمع من الآيات على مدى
ثلاثة وعشرين عاما قد قدم حلولا ومعالجات
ومواقف.
وإن هذا الوحي المنادى به من
الواقع قد جاء موضوعًا للأفهام، وفهم
القرآن ليس إلا نظرية في التفسير.
ومن هنا أردنا أن نضع الوحي من
جديد باعتباره مصدرا للمعرفة وموضوعا
لها، ومن هنا فنحن نحتاج إلى نظرية في
التفسير لا فلسفة.
إن ما شرع لنا من الدين ليس علما
متخصصا؛ إنه "وجهة نظر - منطلق" أو
"زاوية رؤيا - إطار" أو "إطار
مرجعي" يعينك على رؤية الأشياء من
خلالها، من هذا المنطلق ومن هذا الإطار
يمكن أن ترى العلوم والآداب والصراعات
والاتجاهات كلها، تراها بشكل يختلف عما
يراه شخص ينطلق من وجهة نظر وأيديولوجيا
أخرى.
إن ما شرع لنا من الدين موقف
ثوري، إنه أيديولوجيا صالحة لتهدي كفاح
البشر في عصرنا أيضا، وأيديولوجيا تمكن
البشر من النظر إلى الأمور بشكل متوازن.
ومن هنا يجب ألا ننشغل -وما
ينبغي لنا أن ننشغل- بغير هذه المهمة؛
مهمة إحياء نظرة الإسلام للعالم،
وللمسائل السياسية والاقتصادية
والاجتماعية.
ونحن نريد للإسلام أن يُخْرج
إنسانا جديدا، ونريد من الإسلام أن يجعل
منا إنسانا يستطيع الوقوف على قدميه
فيكون منه شرعة للآخرين ومنهاجا.
إن مهمتنا هي أن نحول القرآن من
"وقف على أرواح الموتى" إلى موقف في
حياة الناس، وأن نفهمه بالبساطة والوضوح
التي فهمه بها أبو ذر الغفاري، ذلك
الأعرابي الأمي!!.
إن التخصص -وإن كان يعجب البعض،
حتى إنهم يريدون مد ظلاله على الشريعة-
يخلق النخبة ويعمق التمايز، ويقود إلى
تضخم سرطاني في البيروقراطية. أما ما
شُرِع لنا من الدين فهو ما نزل في القرآن
مصدقا ومهيمنا، وهو ميسَّر لكل مُذِّكر.
وإن ما شرع لنا -وهو ما وصى به
ربنا نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى، وكان
كلمة السماء إلى الأرض، وختمه الله
بنبينا عليه السلام- إن صح التعبير -ولله
المثل الأعلى وليس له شبيه ولا نظير- وجهة
النظر الإلهية، إنه الإطار الإلهي، إنه
النظارات التي إذا وضعها الإنسان ونظر من
خلالها ظهر له كل شيء كما هو في الحقيقة،
وذلك خلافا لأي وجهة نظر أخرى قد تضخم
أمورا وتصغر أخرى، وتلوِّن ثالثة ورابعة...
إلخ.
إن من خلال المنظار الثقافي
تكون رؤيانا واضحة وتضع الأمور في حجمها
الطبيعي أو لا تكون، فإذا كان المنظار
الثقافي يعطي المنظور الصحيح كانت كل
أفكارنا وأقوالنا وأعمالنا صحيحة وإلا
فلا.
إن الذهنية الإنسانية إما أن
تكون طوع الإله أو لا تكون، وإنها لترى
الأمور والناس وفق نظر إلهي أو شخصي،
وعلى اختلاف في هذا النظر الشخصي.
وبهذه الرؤية نرى في سنة رسول
الله -في إطار سيرته عليه السلام- تجربة
بشرية نموذجية قدمت تحققا لهذا الوحي.
فلا يتحول الوحي من الفكرة إلى الشخص،
ومن تحقق الرسالة في الواقع التاريخي إلى
التجسيد الشخصي.
أما الإجماع -أعني إجماع الأمة-
فقد كان كفيلا بأن يقدم تحققا لهذا الوحي
في التاريخ إذا التزم "الشرعة"، أما
المنهاج فمفتوح أمامهم "وما رآه
المسلمون حسنا فهو عند الله حسن"، فمن
الله إلى شعور النبي، إلى شعور"النبي -
الرسول"، إلى الأمة، عودا إلى شعور
الفرد من جديد. فلسفة للتاريخ تقوم على
دور الأبطال، ولكنها تهدف إلى تحويل
الجموع إلى أبطال وقادة في التاريخ
والأمم.
كان يمكن من خلال الأدلة
الأربعة وإعادة ترتيبها أن نبدأ بالواقع
وحياة الناس وبالأمة والجماعة كذاتية
أكبر -على حسب ما يقول إقبال- ثم
الاسترشاد بالسنن وسير الأبطال، ثم
بالوصول في نهاية الأمر إلى الشامل في
التاريخ.
والوحي نفسه ليس معطى من الله لا
في زمان ولا في مكان؛ بل هو تنزيل إلى
البشر وتوجيه للواقعات ومعالجات
لمشكلات، فالواقع هو الذي كان ينادي
بالحل حين تستعصي المشكلات عن المعالجات
البشرية بنسبيتها. و"الكتاب" هو في
الحقيقة مجموعة من المواقف التي طرأت على
الواقع الإسلامي الأول والتي استدعت
حلولا، وكل موقف يمثل نمطا مثاليا يمكن
أن يتكرر في كل زمان ومكان، فإذا ما حدث
أن تكررت الواقعة استدعينا الحل نفسه.
وهذه خاصية الوحي في الإسلام، وتعرف في
علوم القرآن باسم: "التنجيم"، وفي
علوم التفسير باسم "أسباب النزول".
ولقد نزل القرآن على مدى ثلاثة وعشرين
عاما، وقد سمى الأصوليون هذه الأنماط
المثالية "المناط"، وهي مواقف
إنسانية حية زاخرة بالتجارب النفسية
الفردية والمجتمعية.
وفي هذه النظرة تبدو السُّنة -وفي
إطار السيرة- مجموعة من المواقف
التطبيقية التي يتحدد فيها سلوك الإنسان
كصيرورة لأنماط مثالية، ونموذج لتجارب
بشرية يمكن الاحتذاء بها والاقتداء.
السنة تعني أن الوحي لا يصير
دولة إلا بتحقق أولي له في مجتمع بعينه.
وكان يمكن للتاريخ أن يظهر من خلال
الإجماع أو تفاعلاته ليس لعصر بعينه ولا
لجماعة بعينها، وإن عدم التزام كل عصر
بإجماع العصر الذي سبقه ليعطي دفعة جديدة
للتاريخ. وإن احترام المخالفة في الإجماع
-حتى ولو بصوت واحد- ليشير إلى حيوية
الأمة واحترامها اجتهادات الجميع،
وقبولها للخلاف في الرأي، والحرص على رأى
الأقلية.
أما الاجتهاد فهو مبدأ الحركة
واحترام الذات، كما أن الشورى هي تأكيد
لمبدأ الحركة واحترام جميع الذوات في
الجماعة، وما "الإجماع" إلا تجارب
الأجيال وتراكمها من خلال حركة الجماهير
في شكل عمل جماعي وممارسة تاريخية.
والعقل الإنساني ليس مجرد حركة؛
بل هو بناء متكامل، ويبدو مسبَّبًا
مشروطا متخطيا للموانع، وقد يتحقق على
نحو مثالي نموذجي، وهو العزيمة، أو على
نحو واقعي، وهو الرخصة، ويقيِّم في
النهاية من حيث الصحة والبطلان، إضافة
إلى أنه بالأصل إما أن يكون تعبيرًا عن
التزام فرض واجب، وإما أن يكون -في حالة
الإحجام عن الإتيان- تعبيرًا عن التزام
بالامتناع تجنبًا أو امتناعًا عن
الاقتراب أو تحريمًا. والفعل الواجب
الفرضي أو عدم الفعل يمثلان قطبين:
أحدهما موجب، والآخر سالب، وقد يكون
الفعل أقل درجة من الالتزام من حيث
المجموع أو يكون التزامًا متعدد الجوانب
يوزع المسئوليات بين مجموعة يجب أن تتقدم
ومجموعة عليها أن تقدم من هو أهل، فهو
الفعل الممكن للبعض ويأثم الجميع إن لم
يقوموا به. ثم هناك الفعل المرغوب، كما
هناك الفعل الذي يتحدد بالطبيعة
وبالبراءة الأصلية التي تحتوى على
شرعيتها، فهو مباح.
والحقيقة أن الوحي عندنا هو آخر
مرحلة من تطور الوحي في التاريخ؛ "ابتداءً
من آدم وانتهاء بمحمد عليه الصلاة
والسلام"، وبذلك يكون الوحي لدينا
مكتملا في صورته النهائية، وهو أصل "وإطار
مرجعي"، كما أنه قد توافرت له كل
إمكانات الحفظ والتوثيق، كما أنه ليس
وحيا معطى، ولكنه وحي منادى به اقتضته
أحوال الناس واحتياجاتهم، وكل آية هي حل
أو معالجة لموقف، ومن مجموع الآيات التي
تعالج المواقف تجمع الكتاب. ثم إن
الشريعة موضوعة للإفهام، وفهم القرآن
ليس إلا نظرية في التفسير.