|
|
الجهاد في سبيل الله(13) المرسل : د. عبد الله قاري الأهدل
| 2/4/2001 (7:59) GMT
أضف رداً | ( 13 )
====== إضاعة الجهاد بأعمال الفساد =====
والخلاصة أن جنس الجهاد فرض عين على كل المسلمين ، وأن الجهاد
بمعنى قتا الكفار فرض كفاية ، إذا قامت به طائفة من المسلمين
قياما كافيا لكسر شوكة أعداء الإسلام ، وإعزاز هذا الدين في
الأرض ، وإلا أثم الجميع حتى يقوم به من يكفي على الوجه المذكور
، وأن الجهاد فريضة من فرائض الإسلام التي لا قيام للإسلام بدونها
، حتى ليكاد يكون ركنا من أركان الإسلام ، وما ضاعت الأمة
الإسلامية وذلت إلا بتركها الجهاد بمعنييه العام والخاص .
قال أبو بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص ، رحمه
الله : " وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرض آكد ولا أولى بالإيجاب
من الجهاد ، وذلك أنه بالجهاد يمكن إظهار الإسلام وأداء الفرائض
، وفي ترك الجهاد غلبة العدو ودروس الدين وذهاب الإسلام ، إلا أن
فرضه على الكفاية كما بينا " [ أحكام القرآن 3/15 ]
وإن ترك المسلمين لفريضة الجهاد في سبيل الله ، والتأخر عن
إعداد العدة لإقامته ، لجريمة عظيمة في حق دينهم وخيانة لله
ولرسوله ولعزتهم ، لا سيما في هذه الأزمنة التي أصبح الإسلام فيها
محاربا في غالب المعمورة ، فخسر بترك الجهاد في سبيل الله
العالم كله بله المسلمين الذين يتحملون إثم تلك الخسارة .
ولقد كان المسلمون الأوائل يتساءلون : أيهما أفضل الجهاد في
سبيل الله ، أم طلب العلم – وطلب العلم جزء من الجهاد بمعناه
العام – وهذا التساؤل إنما هو في حال قيام بعض الأمة الإسلامية
بالجهاد قياما كافيا .
ومع هذا نرى اليوم أعداء الإسلام قد هيئوا لشباب الإسلام ميادين
كثيرة لتبديد طاقاته ، وتلهيته عما ينفعه في دينه ودنياه ، لا
عن فريضة الجهاد بمعناه الخاص فقط ، بل عن طاعة الله بعامة ، أي
عن فروض العين وفروض الكفاية كلها ، وأصبح ذلك من الأمور
المألوفة لدى عامة المسلمين ، حتى ماتت في نفوسهم الغيرة على
دينهم ، وهان عليهم عزتهم وكرامتهم !
فهناك الأعداد الهائلة من صفوف الرياضة – وحدها – في العالم
الإسلامي ، لو ربيت على طاعة الله ، وأعدت للجهاد في سبيل الله ،
وفقهت غايتها في هذه الحياة ، لكان لهذا للشباب - الضائع
الممسوخ الذي أصبح في عداد الحيوان يتسلى بهم الفارغون ، كما
يتسلى أهل أسبانيا بنطاح الثيران – شأن آخر في رفع راية الإسلام
وعزة المسلمين : كما كان لشباب الإسلام في عصوره الزاهرة
المفضلة ، إذ كانوا يتسابقون قبل أن يصلوا إلى سن التكليف إلى
خوض المعارك الجهادية ضد أعداء الإسلام .
وهناك صفوف أخرى لا حصر لها تولى أعداء الإسلام إعدادها لحمل
جراثيم الفساد الخلقي التي تقتحم قلوب أبناء المسلمين ،
فتميتها وتحولها من قلوب بشرية مفطورة على الخير إلى قلوب
حيوانية ، ليس لها هم إلا تلبية الشهوات ، لا تفكر إلا في البطن
والفرج والزي ، لا فرق بين أن يأتيها من طريق حلال أو حرام ،
مثلها في ذلك مثل من قال الله تعالى فيهم ) والذين كفروا
يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ( [ محمد 12
]
ومن أمثلة هذا النوع صفوف الرقص الفاضح ، والغناء الماجن ،
والموسيقى الملهية عن الحق والخير، وسائر الملاهي التي لم يبق
منزل في الأرض ولا مكان إلا وصل فسادها إلى أهله ، إما مباشرة في
المراقص والمسارح ودور السينما ، ومراكز الفتن ونوادي الشر ،
وإما عن طريق وسائل الإعلام - كالمذياع وتلفاز وجرائد ومجلات -
التي يديرها ويسيرها من لا يخاف الله ولا اليوم الآخر ، من ذوي
الهوى والشهوات . ولوسائل الإعلام العربية – وبخاصة الفضائيات
النصيب الأوفر من الفساد والإفساد – حتى عم الأرض بلاؤها ، وأصبح
متاع الحياة الدنيا ولعبها الذي هو غاية المفسدين في الأرض ،
هو غالب ما يسعى إليه الكثير من المسلمين ، كبارا وصغارا ،
رجالا ونساء ، كما قال تعالى : ) وما الحياة الدنيا إلا متاع
الغرور ( [ الحديد 20 ] وقال تعالى : ) اعلموا أنما الحياة
الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد
… ( [ الحديد 20]#
لقد أراد أعداء الإسلام أن يصرفوا شبابه بتلك الألعاب ويلهوه بها
عن معالي الأمور ، ومصالح الأمة ، التي لو علمها الشباب حق
العلم وتصورها حق التصور وعلم واجبه نحوها ، لانصرف إلى
تحقيقها ، ولَحَرَم أعداء هذه الأمة وأذنابهم ما يتمتعون به من
خيرات بلاد المسلمين التي لا يحصلون عليها إلا بجهل المسلمين
وانحطاطهم ، وسفالة أهدافهم في حياتهم ، وعدم قيامهم بدفع
العدوان على دينهم وحقوقهم .
أين هذا الانحطاط الذي لم يشهد التاريخ مثيلا له في حياة
المسلمين ، من طموح السلف الصالح الذين كانوا يوازنون بين
الأعمال الصالحة ، عندما يكون لهم الخيار في فعل أي منها ،
ليعلموا أيها أفضل ، ليتسابقوا غليه ويقدموه على غيره ، طمعا
الطاعة التي هي أرضى لله سبحانه وتعالى . واقرأ لمثل هذا القصة
الآتية :
عن النعمان بن بشير الأنصاري ، رضي الله عنه ، قال : " كنت عند
منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، فقال رجل
منهم : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحجيج ،
وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام ، وقال آخر : بل الجهاد في
سبيل الله خير مما قلتم . فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،
وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فاستفتيته فيما اختلفتم فيه . قال : ففعل ، فأنزل الله عز وجل )
أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم
الآخر وجاهد في سبيل الله ؟ لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم
الظالمين ( [ التوبة 19 . والقصة في صحيح مسلم 3/1499 ،
وذكرها ابن كثير في تفسيره 2/342 ]
ويتساءل علماء الإسلام : أي العملين أفضل تعلم العلم أم الجهاد
في سبيل الله ؟ ثم يجيبون : " فإن قيل تعلم العلم أفضل أم جهاد
المشركين ؟ قيل له : إذا خيف معرة العدو وإقدامهم على
المسلمين ، ولم يكن بإزائه من يدفعه ، فقد تعين فرض الجهاد
على كل أحد ، فالاشتغال في هذه الحال بالجهاد أفضل من تعلم
العلم ، لأن ضرر العدو إذا وقع بالمسلمين لم يمكن تلافيه ،
وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال ، ولأن تعلم العلم فرض على
الكفاية ، لا على أحد في خاصة نفسه ، ومتى لم يكن بإزاء العدو
من يدفعه من المسلمين فقد تعين فرض الجهاد على كل واحد . وما
كان فرضا معينا على الإنسان غير موسع عليه في التأخير ، فهو
أولى من الفرض الذي قام به غيره ، وسقط عنه بعينه ، وذلك مثل
الاشتغال بصلاة الظهر في آخر وقتها ، هو أولى من تعلم علم الدين
في تلك الحال ، فإن قام بفرض الجهاد من فيه كفاية وغنى ، فقد
عاد فرض الجهاد إلى حكم الكفاية " [ أحكام القرآن للجصاص 3/119
] .
قارن بين حديث النعمان ، وما ذكره الجصاص ، وبين انصراف كثير
من المسلمين اليوم عن الجهاد بنوعيه العام والخاص ، إلى اللعب
واللهو ومتاع الحياة الدنيا ، وكثير منه من المحرمات ، أو
المباحات المبالغ فيها !
وما دامت موازين حياة كثير من المسلمين بعيدة كل البعد عن
موازين حياة السلف الصالح ، فإن حكم الجهاد في سبيل الله –
وغيره من الأحكام – سيبقى ليس ذا بال في نفوسهم ، بل إن نفوسهم
لا تزال نافرة من أحكام الله ، ولا سيما الجهاد في سبيل الله ، الذي
يقتضي الجد في الأمور ، وهجر الراحة والترف واسترخاء والتثاقل
إلى الأرض ، نلك النفوس ألفت اللهو والخلود إلى الأرض والهزل في
الحياة .
هذه هي فريضة الجهاد في سبيل الله ، وتلك هي حال الأمة الإسلامية
اليوم أمة أضاعت الجهاد ، وأخلدت إلى اللعب واللهو ، ففقدت
العزة ، وأصيبت بالذلة ، فالجهاد فرض عين عليها ، والإثم عام
شامل ، حتى يقوم علم الجهاد قياما كافيا .
# تم تصحيح الآية الكريمة من قبل محرر الساحة. | | <السابق | التالي> [الأول | الأخير | قائمة الرسائل] | | | | | قائمة الردود على الجهاد في سبيل الله(13) (العدد الإجمالي 1) | أضف رداً | | العنوان | اسم الكاتب | الردود | التاريخ (GMT) |
|---|
| | الجهاد | barka | 0 | (9:54) 3/4/2001 |
|