|
|
الجهاد في سبيل الله(12) المرسل : د. عبد الله قاري الأهدل
| 1/4/2001 (10:8) GMT
أضف رداً | ( 12 )
======= أقوال العلماء في كثرة العدو وقلة المسلمين ======
كان المسلمون في مبدأ الأمر مأمورين أن يقف الواحد منهم أمام
عشرة من الكفار ، وإذا فر في هذه الحالة اعتبر آثما ، ثم خفف
الله عنهم بعد ذلك ، فأجاز لهم الفرار من العدو إذا زاد عدده عن
ضعفهم ، وأوجب على الواحد منهم الوقوف أمام الاثنين ، لقول الله
تعالى : ) يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم
عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من
الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون# ( [ الأنفال 65-66 ]
وللعلماء في هاتين الآيتين رأيان :
الرأي الأول : أن آية الضعف ناسخة للآية التي قبلها ، فيجب على
المسلم أن يقف أمام اثنين من الكفار ، ويجوز له الفرار من
أكثر م نذلك . ويرى بعض العلماء أن ذلك جائز ، ولكن ليس من
قبيل نسخ الآية الثانية للأولى ، وإنما هو من باب التخفيف
للحكم .
الرأي الثاني : أن ذكر العدد في الآيتين ليس مقصودا لذاته ،
وأن المسلمين إذا وقفوا في الصف لقتال الكفار ، فليس لهم حق
الفرار من العدو والتولي عن الزحف مطلقا ، واستدلوا بنهي الله
سبحانه عن أن يولي المسلمون عدوهم أدبارهم ، وبحديث أبي هريرة
الذي مضى ذكره قريبا ، وفيه عد الرسول صلى الله عليه وسلم
التولي يوم الزحف من الموبقات .
قالوا : وآخر الآية التي ادُّعِيَ نسخُها ، وهو قوله تعالى : )
بأنهم قوم لا يفقهون ( يدل على أن انتصار المؤمنين على
الكافرين هو بسبب حسن قصدهم واعتمادهم على ربهم ، لأنهم
يقاتلون في سبيل الله ، راجين نيل رضاه وإعلاء كلمته والفوزز
بالشهادة في سبيله ، وهم بهذا الفقه يقدمون الموت على الحياة
، والله معهم وناصرهم على عدوهم ، بخلاف أعدائهم الكافرين – مهما
كثر عددهم – فليس عندهم فقه يجعلهم يثبتون في المعركة ثبات
المؤمنين ، والثبات من أهم أسباب النصر ، والله تعالى في صف
عباده المؤمنين ، فكثرة الكفار لا تنفعهم ، وقلة المؤمنين لا
تضرهم إذا ثبتوا .
وقد أثبتت التجارب التاريخية انتصار العدد القليل الثابت من
المؤمنين على العدد الكثير من عدوهم ، كما نص الله تعالى على
ذلك في قوله تعالى : ) كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن
الله والله مع الصابرين ( [ البقرة 249 ]
ومن ذلك ما حصل في معركة بدر ، حيث كان عدد الكافرين ألفا ،
وعدد المسلمين ثلاثمائة يزيد قليلا .
من ذلك ما حصل في معركة مؤتة ، حيث كان عدد المسلمين ثلاثة آلاف
مقاتل ، وعدد عدوهم من الروم مائتا ألف .
ومن ذلك ما حصل لجيش طارق بن زياد في الأندلس ، حيث كان عدد
المسلمين سبعمائة وألف مقاتل ، وعدد جيش العدو سبعون ألف
مقاتل .
وعلى هذا الرأي ابن حزم رحمه الله الذي حمل – كعادته - على من
ادعى نسخ الآية الأولى بالثانية وأنه يفهم منها جواز الفرار من
العدو الكثير العدد ، فقال : " وأما الآية فلا تعلق لهم فيها ،
لأنه ليس لهم فيها نص ولا دليل بإباحة الفرار من العدد المذكور
، وإنما فيها أن الله تعالى علم أن فينا ضعفا ، وهذا حق إن فينا
لضعفا ، ولا قوي إلا وفيه ضعف بالإضافة إلى ما هو أقوى منه ، إلا
الله تعالى وحده ، فهو القوي الذي لا يضعف ولا يغلب . وفيها أن الله
تعالى خفف عنا ، فله الحمد ،وما زال تعالى ربنا رحيما بنا
يخفف عنا في جميع الأعمال التي ألزمنا ، وفيه أنه إن كان منا
مائة صابرون يغلبوا مائتين ، وإن يكن منا ألف يغلبوا ألفين
بإذن الله ، وهذا حق ، وليس فيه أن المائة لا تغلب أكثر من
مائتين ولا أقل أصلا ، بل قد تغلب ثلاثمائة ، نعم وألفين وثلاثة
آلاف ، ولا أن ألفا لا يغلبون إلا ألفين فقط ، لا أكثر ولا أقل .
ومن ادعى هذا في الآية فقد أبطل وادعى ما ليس فيها منه أثر ولا
إشارة ولا نص ولا دليل . بل قد قال عز وجل : ) كم من فئة قليلة
غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين# ( فظهر أن قولهم لا
دليل عليه أصلا .
ونسألهم عن فارس شاكي السلاح قوي لقي ثلاثة من شيوخ اليهود
الحربيين هرمى ، مرضى ، رجالة ، عزلا ، أو على حمير ، أله أن
يفر عنهم ؟ لئن قالوا : نعم ليأتُنَّ بطامة يأباها الله والمؤمنون
وكل ذي عقل ، وإن قالوا : لا لَيَتْرُكُنَّ قولهم " [ المحلى 7/292-293
]
ويرد على هذا الرأي إشكال ، وهو أن المسلمين قد يرون – أحيانا
أن لا طاقة لهم بقتال الكفار ذوي الكثرة العَدَدِية ، أو القوة
العُدَدِية ، فما ذا يفعلون ؟ إذ وقوفهم أمام عدوهم قد يكون فيه
استئصالهم ، وفيه تكليفهم بما لا يطاق ، وهو خلاف شرع الله ، وإن
فروا كانوا آثمين متولين عن الزحف ، وهو كذلك تكليف بما لا
يطاق .
والجواب : أن الله تعالى قد جعل لهم مخرجا باتباع أحد أمرين :
الأمر الأول : التحيز إلى فئة منهم ولو بعدت كما مضى . وهذا
يشمل رجوع المجاهدين إلى إمام المسلمين لطلب النجدة
الأمر الثاني : التحرف للقتال . وهو الانتقال من مكان إلى مكان
آخر يمكنهم فيه التحصن و الثبات ، ولو ولوا العدو أدبارهم في
الظاهر ، لأنهم إنما يفعلون ذلك ليتمكنوا من الثبات والمصابرة
والمغالبة .
فلا يبقى عذر للمسلم أن يفر من عدوه بدو نية هذين الأمرين . [
راجع بدائع الصنائع 9430 والمحلى 7292 ]
وهذا الرأي قوي ، وهو اللائق بعزة المسلم واستبساله واعتماده
على ربه .
وقد يشكل عليه كون الآية كون آية التخفيف قد حدد فيها العدو
المغلوب بمائتين ، وعدد المسلمين الغالبين مائة ، وهكذا ألف
من المسلمين يغلب ألفين من الكافرين بنسبة واحد إلى اثنين ،
والآية التي قبلها فيها مائة تقابل ألفا ، بنسبة واحد إلى عشرة
، مما حمل بعض المفسرين – وعلى رأسهم الإمام ابن جرير – على
القول بالنسخ . [ راجع جامع البيان عن آي القرآن 10/41 ] .
ويمكن أن يجاب عن ذلك بما يأتي :
الأول : حمل ذكر العدد على أقصى ما يستطيع المسلمون الثبات
أمامه ، سواء في كثرة عدده أو عدده ، مع مراعاة الترف والتحيز
المذكورين .
الثاني : حمل الآية الأولى ) إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا
مائتين ( على حال قوة المسلمين ، والآية الثانية : ) فإن يكن
منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين … ( على حال ضعفهم .
فهنا حالتان : حالة قوة يثبت فيها الواحد من المسلمين لعشرة
من الكفار .
وحالة ضعف يثبت فيها الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار .
فهو تخفيف وليس بنسخ . [ راجع روح المعاني 10/31 ، في ظلال
القرآن 10/1550 ]
الثالث : حمل الآية الأولى على الندب ، وحمل الآية الثانية على
الوجوب [ راجع تفسير المنار 10/93 ]
والذي يظهر هو الرأي الثاني الذي قواه ابن حزم رحمه الله . وقد
سبق إيراد الإشكال عليه والجواب عنه . والله أعلم .
# تم تصحيح الآية الكريمة من قبل محرر الساحة. | | <السابق | التالي> [الأول | الأخير | قائمة الرسائل] | | | | | قائمة الردود على الجهاد في سبيل الله(12) (العدد الإجمالي 0) | أضف رداً | | لا يوجد ردود |
|---|
|
|