لقد أنتج الجهاد الاقتصادي منظورا جديدا لإدارة الأزمة،
وهو "منظور القرار الذاتي". إن الجهاد بمفهومه التقليدي
الماضي إلى يوم القيامة ينبني على قرار جماعي، وحتى لو تصورنا
أن أي فرد يمكن أن يغامر بنفسه ليذهب لساحة الجهاد فإنه يتحرك
في بيئة جماعية لا يستطيع بت صلته بها. فهو في تنفيذه لرغبته
يتعاطى مع منتجات القرار الجماعي من حدود سياسية مغلقة،
ودعاوى اقتراف فعل مجرَّم قانونًا، ومحاكمة أمام قضاء
استثنائي..إلخ.
تلك هي معطيات القرار الجماعي. أما منظور القرار الذاتي
فمصطلح الغرض منه الدعوة لنشاط الفقيه في الدائرة التي يتمتع
فيها الفرد المسلم بحرية الحركة طالما أن مخاطبة المجتمع
المسلم كانت غير مجدية (في حالات محدودة طبعًا).
فالفرد المسلم خلال الجهاد الاقتصادي قادر على أن يقاطع ما شاء
من السلع في أي وقت يشاء، وقادر على إسداء العون الاقتصادي لمن
يريد وقتما يريد، وقادر على أن يعبئ قدراته الخاصة لتحقيق
أهدافه. ولا تملك السلطة حق فرض استهلاك سلعة بعينها عليه، ولا
تملك منعه من إدارة أمواله بالطريقة التي يريد.. ليتبرع بها
حيث يريد، أو يحبسها حيث يريد، أو يستثمرها حيث يريد.
بالطبع ما نشير إليه هنا من منظور لا يعدو أن يكون اكتشافا
لفرصة، وإمساكًا بمنظور مختلف يحكم مساحة من مساحات الجهاد
مختلفة في خصائصها الذاتية عن قضايا الجهاد الأخرى. ومن ثم
فنحن في حاجة لا للوقوف عليها والتباهي بالوصول إليه، والجمود
عند حدود الجهاد الاقتصادي، والقول بأن كل أشكال الجهاد موجودة
وأننا لسنا في حاجة لتجديد في هذا الإطار، بل نحن في حاجة
لاعتباره مدخلا للنظر بعين فاحصة لأشكال الجهاد الممكنة،
والاختلافات البينية بين هذه الأشكال، وما تتيحه هذه الاختلافات من
إمكانيات فعل وفاعلية تخرج بفتاوى الجهاد عن حيز الأرشيفية إلى
حيز الفاعلية.
من الخطأ أن نتصور أن الجهاد كل واحد مصمت لا تعدد فيه.
|