تبدو إشكالية هذا المنطق التفجيري الذي باشر تفجيرات كل من
الرياض والدار البيضاء.. على مستويي: التفكير/الفعل على مستوى
بِنيته الكلية، فهي ليست عَرَضية كما يفيده كلام بعض المعلقين
الذين يقرنون بين هذه الأفعال وبين ممارسات أمريكا وحلفائها في
المنطقة، وإن احتوت بعض خطابات "القاعدة" على هذه المقارنة،
فهذا الفعل المسكون بهاجس "العداء" العمومي أولاً، والاندفاع في
مقابل العجز السياسي ثانيًا، يصدر عن معرفة فقهية منقوصة،
ومغلقة في آن واحدٍ، ويمكن قراءة ملامح ذلك في الآتي:
* الاجتزاء الواضح لبعض النصوص الدينية، من دون استكمال
الرؤية الكلية في إطار كليات الوحي ومقاصده.
* لا عقلانية مفهوم "الفقه" في تصور هؤلاء حين يبدو
لديهم "تعبديًّا" خالصًا، فلا يبدو أن هناك أهدافًا محددة يريدون
تحقيقها سوى أفعال طائشة تحت مسمى "المتاح" و"الممكن"، والهدف
المعلن "النكاية" بالعدو، والانتقام لما يفعله في فلسطين أو
العراق ... وهنا لا مجال للحديث عن المصالح والمفاسد، والمآلات،
والذرائع، وحساب مستويات الضرر الناتجة، ليكون الهدف هو الفعل
لأجل الفعل فقط!
* يبدو أن أصحاب هذه الأفعال والمشرّعين لها يتعاملون
مع "الفقه" وكأنه مسائل اعتقادية يقينية حدّية واحدية، فتستباح
بها دماء المسلمين بقرار فردي بحجة أنهم يصابون بـ"التبع" لا
أصالة! هذا إذا تجاوزنا كل الإشكالات القبلية السابقة على هذا
الإشكال.
* يتم تجاهل الفارق بين القضايا التعبدية الشعائرية،
الدينية الخالصة، وبين قضايا "الجهاد" والشأن العام التي تجمع
الديني إلى السياسي وتتطلب معالجة مركبة ولها بابها الواسع في
الشريعة الإسلامية، وليست رهينة تصرفات فردية، لأفراد أو
تنظيمات، خصوصًا حينما يطاول الأمر الدماء والشأن العام للإسلام
والمسلمين.
= وما يؤكد غياب البعد السياسي عن منطق وفعل "القاعدة" وما
شاكلها - فضلاً عن خطاباتها - هو الإصرار على ذات الفعل، دون
الاكتراث بعواقبه، حتى إن جاءت معاكسة! فإذا كانت تلك الأفعال
(ردًا) على ممارسات العدو (وهنا يختلف المنطق بالنسبة لمقاومة
شعبٍ للاحتلال فوق أرضه وفي حدودها) فالسؤال المهم هو ماذا يقدم
هذا الرد للأمة وقضاياها؟ وما وجه النصرة في ذلك؟ وإذا كان
يحلو لبعض المتفيقهين أن يجعل 11 سبتمبر من قبيل "الضربة
الاستباقية" بحجة أنه كانت هناك مخططات "جاهزة" لضرب أفغانستان
والعراق، فالسؤال: ماذا قدمت هذه الضربة إذن؟
= إن توسيع "جهاد" هؤلاء داخل المملكة السعودية - وهو ما يغلب
على الظن – يأتي في حين تواجه المنطقة إعادة ترتيب، وتحديات
وتهديدات صريحة من احتلال العراق إلى القضية الفلسطينية إلى
تهديدات سوريا ولبنان وإيران، وإلى غير ذلك من متواليات. وهو
ما يؤكد غياب الرؤية الواعية عن منفذي تلك التفجيرات، وسيطرة
نزعة الانتقام، أو "إثبات الوجود" لتتحول هذه إلى
أهداف "شخصية" دون اعتبار مصلحة دينية أو حتى سياسية لقضايانا.
|