حادث 11 /9 الدروس والعبر والمستقبل .
إن المقطع الزمني الأخير والذي بدأ منذ حركة وحادث 11 / 9 وإن
كان ظاهره مليء بالسبليات والمآسي واللام تجرعت البشرية
مرارتها ، فهو أشبه بالدواء والعلاج الذي لا بد منه ، فلو نظرنا
إلى السلبيات والإيجابيات سنجدها مليئة بالدروس والعبر وهي
بحاجة لدراسة عميقة واعية من قبل العلماء والمفكرين ، كما يجب
أن تدفعهم لمراجعة أفكارهم وتصوراتهم ورؤيتهم للحياة بشكل عام
، وهي تشكل قواعد متعددة ومتنوعة يجب أن ينطلق منها العالم
والباحث والمفكر إلى أفق فكرية أرحب وأوسع لكي يقدم ما ينفع
البشرية بعد ما تكتمل الصورة في ذهنه ، فالحركة لها بعدين بعد
مادي وبعد روحي ، وعلى هذا الأساس يمكننا معرفة حقيقة الأشياء ،
أو " فلسفة " الحركة .
ونحن المسلمون - وفي واقع الأمر - نتمنى الخير للبشرية جمعا ،
فنحن يجب أن نجاهد ونجتهد من أجل تلك الغاية ، فرسولنا – صلى
الله عليه وسلم - رسول الإنسانية والبشرية وهو الأسوة الحسنة
والمثل الإنساني الراقي ، الراقي في تعامله في أحاسيسه ومشاعره
، الراقي في عقيدته وفكره وتصوراته ونظرته للحياة بشكل عام .
فعملنا وحركتنا يجب أن تكون حركة واعية تستهدف القضاء على
الشر المتربص بالبشرية ، فهو شر وعر ، وعر في التكوين وعر في
التشكيل وعر في آلية عمله وعر في حركته ، فهو وعر في كل
شيىء .
والمؤمن وسائله كلها وسائل كريمة حتى في الحرب والصراع ، لأنه
يعرف طبيعة وحقيقة وأبعاد الصراع ، والقضية بالنسبة له ليست
قضية عصبية عرقية أو قبلية أو وطنية أو قومية فهي في حقيقتها
عصبية للإنسانية وغيرة عليها ، فديننا دين الإنسانية ، فحقيقة
الصراع هو صراع بين الخير والشر وبين الحق والباطل ، وأساس كل
شر على الأرض هو الشيطان ، وهو عدونا الأول ، فهو يعادينا
كمسلمين كما يعادي الآخرين ، وهو أكثر عداء لنا لأننا أصحاب
المنهج الحق الذي إذا ما طبق سينهي شروره ، فهو يعلم بطبيعة
وبحقيقة المنهج الرباني وبتأثيره على الناس وعلى الجو العام ،
وهو يجتهد من خلال أعوانه ومطاياه من أجل تعكير المياه التي
تسقط فيها جواهر الأفكار المنبثقة من كلمة وفكرة التوحيد ، فهو
لا يريد السكينة والهدوء ويبغض الحرية النظيفة ويكره النور
الذي سيسطع لكي يكشف كل حيله ومكره ودجله ، وكل خديعة .
ومهمتنا لن تنتهي عند معرفتنا لتلك الحقيقة وعند رؤيتنا للنور
، فالله جل شأنه يطلب منا مواصلة الطريق والعمل بجد وبإخلاص
وتبليغ الرسالة الربانية للآخرين وإظهار الحقيقة لهم من أجل
تبصيرهم وفك أسرهم وأغلالهم ومحاولة استلال صنمية الأشياء
والأشخاص التي سكنت في قلوبهم وأعتمتها ، وخربت لهم موازين
ومقاييس عقلوهم ، وعلينا العمل والحركة وعلى الله الهدى
التوفيق .
ونحن بإمكاننا تحديد مستقبلنا ومستقبل البشرية بشكل عام
لنجعله مستقبل مشرق ، فيجب أن نفر من قدر إلى قدر ، ولماذا
نواصل السير في الطريق الذي اختير لنا وكأنه قدر محتوم ؟
فهناك أفق فكرية أوسع وأرحب من تلك الأفق الضيقة ، فالجو العام
بحاجة لتواصل العلماء والمفكرين المسلمين أولاً من أجل الجلوس
في جو من الحرية ودون أي قيود شيطانية وحيل قانونية سلطانية ،
والحق جل شأنه لا يظهر الحقيقة إلا للصادقين والمخلصين له وحده
دون غيره وهذا الأمر يجب أن لا يخفى على أحد وخاصة العلماء ،
فما يريد الله جل شأنه شيىء وما يريده الحاكم شيىء آخر ، والله حق
والحق أحق أن يتبع.
وأحب أن أذكر هنا بتوجه فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي – حفظه الله -
، عندما نادى بتشكيل مجلس يضم العلماء والمفكرين دون الخضوع
لأي حكومة وسلطة سياسية ، فالرجل لم يقدم ذلك من فراغ ، فهو
يستشعر بضرورة ذلك من أجل إحياء علوم الدين ، فالحقيقة لن
تخرج من تحت عباءة الحكام والسلاطين .
والناس لن تصل إلى معرفة الحقيقة وجواهر الأفكار والأشياء إلا
بعد معرفة العلماء والمفكرين ، والصورة لن تتضح وبشكل عام إلا
بذلك ، فليس كل الناس تملك الأسس الفكرية التي ستعينها على جمع
المعرفة والحلقات الفكرية والفقهية المفقودة من الساحة
السياسية والاجتماعية ، وخاصة إذا ما كانت قراءتها قراءة سطحية
في علوم الدين .
ونسأل الله الهدى والسداد التوفيق .
|