إن ما أريده من خلال ورقتي حول الحركة الإسلامية وعلاقتها بالتدين
الاجتماعي تحويل واقع الحركة الإسلامية من انتظار سلبي بين
مناوشات ومواجهات، وسجون ومعتقلات، ومطالب متجددة للعمل العلني
ورفع سقوفه، في مقابل رفض متكرر ومذل، من واقع متحرك في
مكانه، إلى انتظار إيجابي يتمثل في تحضير البناء الفعلي
للمشروع الحضاري العادل، في ظل مشاركة أدنى في الحياة
السياسية العامة دون استفزاز أو إثارة.
وهذا الحضور يمثل حالة وسطًا بين الظهور والوجود. بين البروز
الدائم والمبالغ فيه، الذي يصل حد الاستعراض والتباهي، وبين
التواجد المكتفي بذاته المنغلق على نفسه والمفعول به، دون
إرادة أو حراك. وفي هذا الإطار لا يخلو الواقع المحيط من
إمكانية أفعال وأقوال، لا تُغضِب ولا تؤرق، ولكنها تبني المشوار
بهدوء وسلام، وهي موجودة ويسهل حصرها حسب ظروف كل حركة زمانًا
ومكانًا ومستجدات الواقع في الداخل والخارج.
ولا تمثل حالة الانتظار التي طرحناها اكتشافًا نوعيًّا؛ فهي ليست
غريبة عن التاريخ الإسلامي ولا غائبة عن مقدّسه النصي والقولي
والفعلي. ففي القرآن الكريم تظهر لنا قصة أهل الكهف في الْتجاء
الفتية إلى المغارة، نجاة فردية في ظاهرها، ولكنها خلاص
للمشروع أيضًا: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى
الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا}
(الكهف: 16).
ورغم أن دور الغيب كان مهيمنًا في الإرشاد والتوجيه والإنقاذ؛
فإن الانتظار مثّل منهجية تغيير في ظل واقع غير طيّع، وشكّل رحمة
للفتية ورشادًا للمشروع {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا
آتِنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} (الكهف: 10). فكان
الشباب أصحاب راية التمكين، لكن ظروف التنزيل لم تكن ناضجة
لقبول دعوتهم ونجاحها، فتدخل الغيب، وفرض هذه الفترة الطويلة
التي تعدت الأجيال مدتها، حتى نضجت الثمرة وهيمن التدين في
البلاد. وهي عبرة أقرب إلى حالنا من واقع الرسل؛ حيث كان الغيب
فيه محدّدا للفترة والإطار والمنهجية والنهاية. وهو تأكيد على
تجنب القفز على الواقع ومجانبة التغيير القسري، وعدم استنقاص
دور الزمن، وتغييب الأنا وحضور المشروع.
كما نجد حالة الانتظار الإيجابي في قصة موسى عليه السلام مع قومه
لما خالفوا أمر الله، وأبوا حرب الجبارين؛ فحُرّمت عليهم بيت
المقدس، وفُرِض عليهم التيه في الصحراء أربعين سنة، تم خلالها
استبدال جيل مطيع بجيل المخالفة والعصيان.. تقبل الدعوة وفتح
المدينة. ومات هارون وموسى عليهما السلام أثناء هذه الفترة،
وهو رمز إلى أن منهجية الانتظار يمكن أن تطول لتطال جيلا بأسره،
وأن يختفي خلالها روادها وقوادها وباعثوها، من أجل أن يبقى
المشروع، وينجح في إطار جديد يحمل القابلية لتنزيله. "قَالَ
فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ" (المائدة: 26).
ويمثل عهد الحديبية حالة انتظار مهمة في تاريخ الإسلام، وحدثًا
حدّد الكثير من توجهات الدعوة في المستقبل. ولقد كان لحالة
الهدنة التي فرضها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على أصحابه
وأغلبهم كانوا لها كارهين فرصة لتعليمهم الصبر والانتظار
كمنهجية للتغيير. كانت المدة الافتراضية للصلح 10 سنوات، غير
أنه لم تمر سنتان حتى خرج المسلمون لفتح مكة.
ورغم أن الإطار الجامع يختلف عن حال حديثنا في بعض ثناياه، فإن
عبرًا هامة تتجلى لتأكد طرحنا؛ حيث إن حالة الانتظار لم تكن
دائمًا حالة سلبية إذا تم تفعيلها؛ ففي تلك الفترة الوجيزة
فُتحت خيبر، وعاد المهاجرون من الحبشة، ووقعت غزوة مؤتة في
ملاقاة الروم، والجبهة الداخلية ما زالت لم تنتظم بعد، وهو
تنوع في الأداء يوحي بإرادة التفعيل وعزيمة التنزيل رغم
الإمكانات المحدودة والإطار المضيّق.
ولمزيد من التفاصيل يمكن مطالعة الورقة المكتوبة كاملة في:
الحركة الإسلامية والدور الجديد:
قراءة في العلاقة بين الإسلام السياسي وظاهرة التدين الاجتماعي.
أطمع أن تثري مداخلاتكم الحوار حول هذا الموضوع أملا في الخروج
بحركة الإصلاح الإسلامي عموما من حالة الصفرية التي تحياها.
|