( 5 )
ثانيا : الأدلة من السنة على أن الجهاد فرض كفاية:
1- من السنة القولية :
من ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعث بعثا إلى بني لحيان من هذيل ، فقال : ( لينبعث
من كل رجلين أحدهما ، والأجر بينهما ) وفي رواية : ( وليخرج من
كل رجلين رجل ) ثم قال للقاعد : ( أيكم خلف الخارج في أهله
وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج ) رواه الإمام مسلم [ 3/
1507 ].
فالحديث صريح في أن الجهاد ليس فرضا على الأعيان ، بل هو فرض
كفاية ، وإلا لما قال : ( لينبعث من كل رجلين أحدهما ] ولما
أثبت للقاعد الذي يخلف الخارج أجرا
[ والأحر بينهما ]
ومن ذلك حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، أنه قال : ( من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا
، ومن خلفه في أهله وماله بخير فقد غزا ) مسلم أيضا نفس الجزء
والصفحة .
2- السنة الفعلية :
فقد كان صلى الله عليه وسلم يخرج في الغزوات تارة ، ويبقى في
المدينة تارة ، ويؤمر غيره على الغزوة أو السرية ، كما في
حديث بريدة عن ، أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
أمر أميرا علفى جيش أو سرية ، وصاه في خاصته بتقوى الله ، ومن
معه من المسلمين خيرا ، ثم قال : ( اغزوا باسم الله ، في سبيل
الله ، قاتلوا من كفر بالله … ) الحديث . رواه مسلم [ 3/1357 ]
ولم يكن يأمر جميع أصحابه بالخروج ، بل يأمر بعضهم دون بعض ،
إلا أ ن يكون نفيرا عاما ،كما في غزوة تبوك . وهذا من أقوى
الأدلة على أن الجهاد ليس فرض عين وإنما هو فرض كفاية .
2- المعنى يقتضي كون الجهاد فرض كفاية .
ومما يدل على أن الجهاد فرض كفاية المعنى الذي شرع له ، وهو
إعلاء كلمة الله ، فإذا قامت به طائفة من المسلمين حتى تحقق هذا
المعنى فعلت كلمة الله في الأرض ، وقُهِ أعداء الإسلام المحاربون له
بتلك الطائفة ، فقد حصل المقصود الذي شرع له الجهاد ، فلا محل
لجعله فرض عين على كل المسلمين كالصلاة مثلا .
تنبيه مهم
وهنا لا بد من التنبيه على معنى فرض الكفاية الذي لا يفهم فقهه
كثير من الناس ، ولو فقهه المسلمون حق الفقه ، لكان للجهاد في
هذا العصر شأن آخر ، غير ما أصيب به المسلمون من ذلة وصغار في
كل أنحاء الأرض .
ففرض الكفاية الذي يسقط عن الأمة بقيام طائفة به ، هو أن تكون
تلك الطائفة كافية في القيام به ، وليس المراد مجرد قيام
طائفة مجاهدة ولو لم يكن جهادها كافيا ، فلا يصح إسقاط الجهاد
عن الأمة الإسلامية كلهم بقيام طائفة منهم في جزء من الأرض ، ولو
كانت كافية في ذلك الجزء ، مع بقاء أجزاء أخرى ترتفع فيها
راية الكفر، فإن كل جزء من تلك الأجزاء يجب على المسلمين
القريبين منه أن يجاهدوا – ما داموا قادرين - من حارب الله
ورسوله وعباده المؤمنين ووقفوا عقبة لصد الناس عن الدعوة إلى
الله حتى يقهروهم ، فإذا لم يقدروا على قهرهم ، وجب على من
يليهم من المسلمين أن ينفروا معهم ، وهكذا حتى تحصل الكفاية .
ولهذا فال في حاشية ابن عابدين : " وغياك أن تتوهم أن فرضيته
( الجهاد ) تسقط عن أهل الهند بقيام أهل الروم مثلا ، بل يفرض
على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تقع الكفاية ، فلو لم تقع
إلا بكل الناس فرض عينا ، كصلاة وصوم "
قلت : والذي يتأمل أحوال المسلمين مع أعداء الله المحاربين
للإسلام ، يجد أن الجهاد اليوم فرض عين على كل قادر عليه من
أفراد المسلمين ، وليس فرض كفاية ، لأن بعض طوائف المسلمين
التي تقوم بالجهاد ضد عدوان الكفار على أرضها وعرضها
ومقدساتها في عقر دارها لا تكفي لقهر عدوها ، بل العدو هو الذي
يقهرها ، بل ينصر العدو عليها من يدعي الإسلام ، وما قضية
المسلمين في فلسطين بخافية على المسلمين !!!
راجع في تفسير الآيات الكتب الآتية : الجامع لأحكام القرآن [ 3/
293 ] جامع البيان عن تأويل آي القرآن [ 11/70 ] التفسير
الكبير للرازي [ 11/9 ]
وراجع في كتب الفقه : المبسوط [ 10/3 ] والمغني لابن قدامة [ 9/
196 ] وبدائع الصنائع [ 9/4300 ] وتكملة المجموع للعقبي [ 18/
47 ] وحاشية ابن عابدين [ 4/124 )
|