|
|
العلاقة بين الديموقراطية والإسلام - الإسلام بين الفردية والجماعية المرسل : د. عبد الستار قاسم
| 10/6/2001 (14:38) GMT
أضف رداً |
قرأت على موقع "الإسلام على الخط" على الشبكة الإليكترونية أن من
مهام المشروع الإسلامي تعزيز الديمقراطية، وبما أنني من طلاب
الفكر السياسي وممن لديهم معرفة متواضعة بالفكر الإسلامي وجدت
أن الجملة قد خرجت فلسفياً عن السياق الإسلامي وربما تم
استحضارها تمشياً مع موجة ترسيخ أو البحث عن الديمقراطية
المشتعلة في العالم الآن. إن في هذا ما يدفعني إلى الكتابة حول
الموضوع محاولاً توضيح بعض الافتراضات الفلسفية الأساسية وما
ينبثق عنها من مفاهيم واشتقاقات ذات انعكاس على أرض الواقع.
تغزو الفكرة الديمقراطية في الوقت الحاضر العالم وتجد لها
مساحات واسعة في النشاطات الإعلامية والثقافية سواء على مستوى
الندوات أو المحاضرات أو اللقاءات المرئية أو صفحات الجرائد.
ولا شك أن للفكرة بريقا قويا خاصة بالنسبة للشعوب التي تعاني
من القهر والاستبداد. وقد حولها هذا البريق من بعد فكري وإطار
نظري لترتيب المجتمع السياسي إلى ممارسات عملية تتعلق بحريات
أساسية ومنها حرية التعبير والتنقل والتنظيم. والناس عامة لا
يكترثون في البحث عن الأسس الفلسفية التي تنطلق منها
الديمقراطية بقدر ما يهتمون ببعض المظاهر والممارسات السياسية
التي يرتاحون لها ويثنون عليها ويودون أن تكون جزءاً من واقعهم
علّهم ينعمون ببعض الخير الذي تنعم به الشعوب التي أقامت نظماً
سياسية ديمقراطية.
ساد هذا الانطباع الجماهيري العام عن الديمقراطية في العالم
الإسلامي والوطن العربي حتى بات المفهوم الشعبي لها مرادفاً
للحرية، ولا يقوم في أذهان الناس بأن الحرية قد تكون أكثر شمولاً
أو أقل اتساعاً من الديمقراطية، وأن لكل مفهوماً خاصاً ربما
يتقاطع مع الآخر ولكن لا يتطابق بالضرورة معه. وربما هذا ما قاد
بعض المفكرين أو الكتاب المسلمين الى القول بأن الإسلام
ديمقراطي وأن القيم الديمقراطية قيم إسلامية يجب الدفاع عنها.
وبدل أن يركزوا على البحث في مجال الحريات في الإسلام انطلقوا
يحدثون عن الحداثة الإسلامية بثوب ديمقراطي، بينما انبرى آخرون
للهجوم على الديمقراطية على اعتبار أنها نظام كفر وعرّفوا
الحرية بالإيمان الذي يتقيد بالكثير من الأوامر والنواهي الى
درجة لم يعد المرء يفرّق بين الحرية والقفص.
من منطلق معرفتي المتواضعة بالنظام الديمقراطي والنظام الإسلامي
أسوق المقارنات المختصرة التالية والتي يمكن أن تشكل أساسا
لكتاب في الحريات المقارنة. وقد أعطيت أهمية في البداية لبعض
الافتراضات الأساسية وانتقلت بعدها إلى بعض المقارنات التطبيقية.
تنطلق الديمقراطية كنظام سياسي من مبدأين رئيسين هما الفردية
والتحررية. كنظام منبثق أصلاً من حصيلة التجربة السياسية
الغربية استندت على مجمل التفاعلات الفلسفية التي زخرت بها
التجربة الغربية على مدى سنين، وعلى العلاقة الجدلية
الديناميكية بين هذه التفاعلات وحركة الواقع الاجتماعي والسياسي
والاقتصادي الغربي. تميزت هذه التفاعلات بقطبية ثنائية شهدت
مشادة ما بين الفردية والجماعية، والتي حسمت في هذه المرحلة
التاريخية لصالح الفردية.
باختصار كبير تقول الفردية أن الفرد هو أساس المجتمع وليس
العكس، وهو سابق على المجتمع عملياً من ناحية الولادة ونظرياً من
ناحية الاستقلالية كشخص غير تابع لتصورات أو أفكار مسبقة.
السلوك الاجتماعي عبارة عن سلوك فردي ويمكن تفسيره بناء على
دوافع واستعدادات الأفراد وميولهم. كل وضع اجتماعي أو حدث
عبارة عن نتيجة لتشكيل محدد من قبل الأشخاص وليس بمبادرات
جماعية تعكس مصلحة عامة.
إبداعات المجتمع هي في الأساس إبداعات الأفراد، وكل عقبة أمام
تقدم الفرد هي بالتأكيد عقبة أمام المجتمع ككل. صالح المجتمع
يتحقق من خلال تحقيق كل فرد لمصلحته ولما يعتقد أنه صالحه.
وعليه فإن مؤسسات المجتمع تقوم على افتراضات فردية. إنها
تفترض أن الفرد يستجيب للثواب والعقاب سواء كانا نفسيين أو
ماديين، ولذا فإن الأفراد يسلكون حسب القواعد المتبعة لأن
موافقتهم تؤدي إلى المكافأة وعدم الالتزام يؤدي إلى العقاب.
ينتمي الفرد إلى عدد من التجمعات والجمعيات والمؤسسات، وبذلك
يكون له عدد من الولاءات تبعاً للأهداف المختلفة التي تعمل على
تحقيقها. وهو بالتالي يتصرف بطرق مختلفة وحسب الدور المتوقع
منه، وسلوكه يتغير تبعاً لتغير القواعد. وهذا هو السلوك
الاجتماعي للفرد. إنه يتغير مع تغير المعايير والنظم والضوابط
والظروف. ولهذا فإنه ليس من المستبعد أن يتصادم الفرد مع نفسه
لان مصالح المجتمعات والمؤسسات قد تتضارب. وفي هذا ما يدفع
الفرد للعمل على إيجاد نقطة التوازن من خلال تكيفه مع مختلف
الأوضاع والتجمعات.
أما التحررية فتفترض انطلاق الفرد عندما يخرج من دائرة العام
إلى الموقع الخاص. في موقعه العام يتقيد الفرد بسلوكيات أو
قواعد يضعها هذا الموقع لأنه هو الذي اختار أن يكون ضمن الموقع
ولم يجبر على ذلك، أما في الموقع الخاص فهو الذي يقرر بماذا
يتقيد وبماذا لا يتقيد. القيم التي تحكمه في موقعه الخاص قيم
ذاتية بحتة يضعها هو لنفسه وبالطريقة التي يراها مناسبة في
نسج علاقات خاصة وفي توجهه نحو اختيار الموقع العام. إذا رأى
أن الإباحية مثلاً هي القيمة العليا المحمودة فلا كوابح على ترتيب
شؤونه الخاصة بهذا الاتجاه ولا كوابح أمامه للعمل في مؤسسة أو
الانتماء لجماعة تتخذ الإباحية قيمتها العليا.
وإذا رأى أن الحياة لا تسمو إلا بمقيدات أخلاقية ذات بعد عام فله
أن يرتب أموره حسبها. ومثلما يتمكن الفرد من صياغة شؤونه
بصورة ديناميكية دون الافتراض بثبات الأرضية الأخلاقية التي ينطلق
منها، تستطيع المؤسسة أن تفعل ذلك أيضاً، إنما دون الإخلال
بالقانون المعمول به والمصادق عليه ضمن أطر سياسية تقوم على
الفردية التي تفترضها الديمقراطية. يحدد القانون مسألة الحلال
والحرام، أما ما يقع خارجه فهو من حرية الفرد.
على مستوى الجماعية، يسود في الأوساط الفلسفية تعبير العضوية
كمصطلح يدلل على أن الجماعية ليست مجرد نسيج قانوني وسياسي،
وإنما عبارة عن كل حي تتشابك فيه الحيوات والنشاطات ويشكل
قاعدة التقدم وإطاره. يفترض العضويون أن الدولة أو المجتمع
عبارة عن كائن حي متكامل ولا يختلف جوهرياً عن أي كائن حي آخر.
الدولة أو المجتمع عبارة عن كائن حي ومميز، وأن أجزاء هذا
الكائن (الأفراد والمؤسسات) تعتمد على بعضها بعضاً اعتماداً
متبادلاً، وأن هذه الأجزاء لا قيمة لها ولا معنى بدون الكل، ولا
يكون لها هدف إلا من خلال الكل. وعليه فإن كل جزء منها يعمل على
القيام بوظيفته أو واجبه خير قيام، تماماً كالجسد الإنساني الذي
يتكون من أجزاء تعتمد على بعضها البعض في تحقيق المعنى والهدف
والقيام بالوظيفة. وحتى يتم تحقيق دولة كهذه لا بد من منهاج
تربوي ينشئ الفرد على ما ينسجم مع القانون الطبيعي العضوي.
يختلف الإسلام في افتراضه الأساسي عن النظم الفردية والجماعية
بحيث أنه يجمع بين الفردية والجماعية، الأمر الذي يعتبر غريباً
على تاريخ الفلسفة السياسية. من ناحية الجماعية، واضح من
القرآن الكريم أن الله خلقنا أزواجاً كحالة طبيعية ولم يخلق
الناس فرادى. تقول الآية: "وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى".
(النجم، 45) لم يخلق الله سبحانه فرداً ذكراً وفرداً أنثى وإنما
زوجين: زوج ذكر وزوج أنثى. وتنص آية أخرى: "ومن كل شيء خلقنا
زوجين لعلكم تذكرون" (الذاريات، 49) حتى أن خلق الزوجين كان
من ذات النفس وذلك حسب الآية: "سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما
تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون". (يس، 36) وآية أخرى
تؤكد الخلق من نفس واحدة وجَعٌل (الخلق ليس ابتداء)
الزوجية: "خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من
الأنعام ثمانية أزواج...". (الزمر، 14).
الزوج ليس فرد وإنما مكملاً لآخر، وبذلك يكون غير مهيأ لأن يبقى
منفرداً، وليس بإمكانه أن يفعل ذلك حسب خلقه الذي هو طبيعته.
من الممكن أن يعيش المرء وحيداً تحت سقف معين لكن هذا لا يفقده
أهليته الطبيعية، وإذا حاول أن يكون فرداً فإنه يحاول أن ينفي
أهليته الطبيعية إلا إذا كان معبراً عن وضع يصدف أن يكون فيه
وليس عن حالة ذهنية أو نفسية.
لا يقف الأمر عند الأزواج، بل يتعداه الى جعل الناس شعوباً
وقبائل. جعل الله (أي خلقهم بمعنى أضاف خلقاً على خلق) الناس
شعوباً وقبائل وذلك حسب الآية: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من
ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله
أتقاكم إن الله عليم خبير".(الحجرات، 13) في هذه الآية ما يقطع
بصورة باتة أن الإنسان لا يمكن أن يكون فرداً لأنه بالخلق عبارة
عن زوج وبالجعل عبارة عن عضو في قبيلة أو شعب. وفي هذا ما
يبين موقف الإسلام من طروحات تكوّن المجتمعات والتي اعتمدت لدى
أغلب الفلاسفة على مبدأ الحاجة أو الضرورة دور فذلك ضمن بعد
آلي وليس سببي.
من المفروض أن ينتبه المؤلفون الى دقة التعبير في القرآن
الكريم وأن يتجنبوا الخلط بين الألفاظ والمعاني. قرأت لعدد لا
بأس به من المؤلفين ووجدت من بينهم من يقول أن الإسلام جماعي
ومنهم من يقول أن الإسلام فردي وذلك حسب تفسيرات من الصعب الأخذ
بها. تارة يرى المؤلف أن الإسلام فيه شبه من الاشتراكية لأنه
جماعي، وتارة أخرى يظهر مؤلف ليقول أن الإسلام ديمقراطي لأنه
فردي.
الإسلام ليس جماعياً فقط والدليل على ذلك أن المسؤولية تقع على
الشخص الواحد سواء في الدنيا أو الآخرة ويتلقى ثواباً وعقاباً
عما قام به من أفعال. الآيات حول هذا الأمر كثيرة أذكر
منها: "كل نفس بما كسبت رهينة". (المدثر، 38) و "لا تزر وازرة
وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى. ثم
يجزاه الجزاء الأوفى". (النجم، 38ـ41) وما دام الحساب يقوم على
أساس شخصي فإن ممارسة الشخصية في الحياة الدنيا تبقى حاسمة
وذلك لأن الحساب الشخصي يفترض أن الشخص مسؤول عن عمله. فإذا
ذاب الشخص في جماعة أو أجبر على ذلك فإنه يتحرر من مسؤوليته
الذاتية ويصبح أعضاء الجماعة أو الذين أجبروه على الذوبان
موضوع الحساب. وبما أن الله يحاسب كل نفس على عملها باعتبارها
مسؤولة عن كل ما تقوم به فإنه لا يعقل أن يذيب الإسلام الإنسان
الواحد في جماعة أو أن يجبره على ذلك. قال تعالى: "وكل إنسان
ألزمناه طائرة في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه
منشوراً. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً". (الإسراء، 13-
14).
أي أن الإنسان فردي وجماعي في آن واحد، وفي هذا ينفرد الإسلام عن
غيره من النظم العالمية. لكن هل من الممكن الجمع بين هذين
النقيضين أو، إن شئت، الضدين؟ يجمع الإسلام بينهما على اعتبار
أن العمل ضمن الجماعة عبارة عن فضيلة تعود بالنفع على الذات،
إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، ومن المحتمل في الدارين.
العمل للصالح العام مثل الإنفاق أو المساهمة العلمية أو الجهاد
عبارة عن عبادة تعود على صاحبها بالثواب، وهو يحاسب على عدم
القيام به. إنه واجب من حيث أن الله قد أوجبه على الإنسان من حيث
أنه عضو في جماعة، وهو حق للإنسان لأنه يرى نفسه من خلاله كعضو
مشارك وفاعل ويجزى عليه الجزاء الأوفى. والعمل للصالح الفردي
واجب وحق أيضاً لأن على المرء أن يعمل ويعتمد على نفسه وله أيضاً
أن يكون منتجاً حتى يكون لحياته معنى ومضمون، وهو أيضاً عمل من
أعمال العبادة ويثاب عليه. فعندما يقوم المرء بعمل لصالحه
الذاتي تبقى عينه على الصالح العام فلا يلحق به ضرراً، بل
يعززه، وعندما يقوم بعمل عام تبقى عينه على الصالح الخاص فلا
يلحق به ضررا،ً بل يعززة.
الفردي يكمل الجماعي فلا يطغى أحدهما على الآخر، وفي كل منهما
خدمة للشخص بعينه وللمجتمع أو للأمة كل. يقع التكامل المتبادل
هذا ضمن إطار عبادة هدفها تطبيق شريعة تعتمد نظاماً أخلاقياً
متكاملاً سواء كان على مستوى العقيدة أو الحق والباطل أو الحلال
والحرام. وهذا بالتحديد ما يميز المنطلق الأساسي الإسلامي عن
المنطلق الديمقراطي أو الشيوعي أو الرأسمالي. إنه نظام يزاوج
بين الشخص والجماعة ولا يضعهما نقيضين وإنما يعملان معاً ليس ضمن
تعايش وإنما ضمن تكامل يحافظ على شخصية الإنسان فلا يذيبه في
الجماعة ولا يغذي المصلحة الخاصة على العامة. إنها وحدة الأضداد
التي تنسجم تماما مع التكامل الكوني سواء كان في إطار
النواميس الجسمانية (البشرية) أو الإنسانية. إنه يحرص على
الشخص ويحترم خصوصيته وطموحاته في التقدم والإنجاز وعلى
الجماعة فلا يطغى عليها الفرد ويسخرها لصالحه. إنه منطلق يميز
الشخص عن الجماعة ولا يفصله عنها، أما المنطلق الديموقراطي
فيميز الفرد ويفصله والمنطلق الشيوعي لا يميز الشخص ولا يفصله.
| | <السابق | التالي> [الأول | الأخير | قائمة الرسائل] | | | | | قائمة الردود على العلاقة بين الديموقراطية والإسلام - الإسلام بين الفردية والجماعية (العدد الإجمالي 0) | أضف رداً | | لا يوجد ردود |
|---|
|
|