( 4 )
الوجه الثاني الدال على أن الجهاد فرض كفاية وليس فرض عين .
النصوص التي ذكرت في الوجه الأول دلت دلالة عامة على أن الجهاد
فرض ، وقد وردت نصوص أخرى تدل على أن هذه الفريضة كفائية
وليست عينية ، والقياس يقتضي ذلك أيضا .
أولا : الأدلة من القرآن الكريم :
من ذلك قول الله عز وجل : ) وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا
نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم
إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ( [ التوبة 122 ]
ودلالة الآية على المقصود من وجهين : الوجه الأول : في قوله
تعالى : ) وما كان المؤمنون لينفروا كافة ( أي ما صح ذلك ولا
استقام أن يهب جميع أفراد المؤمنين القادرين على الجهاد للغزو
، لما في ذلك من ضياع من وراءهم من العيال ، ومن ترك السعي
للرزق وحرث الأرض وعمارتها التي لا يتم الجهاد إلا بها .
سواء فسر الفريق المتفقه في الدين بالنافرين للجهاد ، أم
بالمقيم في البلد .
الوجه الثاني من دلالة الآية ، يؤخذ من قوله تعالى : ) فلولا نفر
من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا
رجعوا إليهم ( فإنه ظاهر بأن الله تعالى كما نفى في أول الآية
أن ينفر المسلمون للجهاد كافة ، حض في آخرها على أن ينفر من
كل جماعة من المسلمين طائفة لتقوم الطائفة النافرة بفرض
الجهاد الذي يسقط عن الباقية ، وتقوم الباقية بالمصالح التي لا
بد منها …
ـ وقوله تعالى : ) لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي
الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله
المجاهدين على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله
المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ( [ النساء : 95 ]
ودلالة الآية على أن الجهاد فرض كفاية واضحة ، لأن الله فضل
المجاهدين على القاعدين بدون عذر ، ووعدهم جميعا بالحسنى ،
فالقاعد عن الجهاد بدون عذر لا يأثم إذا قام به غيره قياما
كافيا ، ولم يستنفره ولي الأمر .
ـ وقوله تعالى : ) ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ( [ آل عمران
104 ]
والجهاد قمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهما فرض كفاية.
وفي الحلقة القادمة سيكون الكلام في دلالة السنة - وكذا المعنى -
على أن الجهاد فرض كفاية .
|