إشكالية أولوية المواجهة والجهاد ضد الديكتاتور أو ضد
المستعمر لم تكن وليدة الحالة العراقية، كما أنها ليست بجديدة
على الواقع الإسلامي؛ لأن هذه الإشكالية يعاد إنتاجها في الأزمات
الشديدة التي تضيع فيها بوصلة التوجيه الصحيح للجماعة في
الفكر والفعل؛ لذلك كان شعار المجاهد الجزائري الكبير "عبد
الحميد بن باديس" في مجلته "المنتقد" لتجاوز هذه الأزمة
هو "الحق فوق القوة، والوطن قبل كل شيء".
وإذا كانت الديكتاتورية وجور الحكام بلاء كبيرًا يصيب الأمة، كما
يقول جعفر الصادق: "إن أعظم الفتنة التي يسلط الله على الناس
السلطان الجائر"؛ فإن الاستعمار هو الخطر الماحق للأمة في
شخصيتها وكينونتها وهو ما عبر عنه "الكواكبي" في "طبائع
الاستبداد" بقوله: "فإذا كان البستاني والحطاب غريبًا لم يخلق
من تراب تلك الديار، وليس له فيها فخار، ولا يلحقه منها عار،
فإن همه الحصول على الفائدة العاجلة، ولو باقتلاع الأصول، فهناك
الطامة، وهنالك البوار".
ونتج عن هذه الإشكالية في أيهما الأحق بالمواجهة: الديكتاتور أم
المستعمر، مواقف فكرية وحركية متباينة امتدت في التاريخ
الإسلامي، وواقع الحركة الإسلامية المعاصرة. فالعالم الجليل "العز
بن عبد السلام" لم تمنعه الأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية من
صليبيين وتتار، من الصدع بالحق ومواجهة ظلم الحكام في الشام
ومصر، وإصدار فتواه الشهيرة ببيع المماليك الذين يشكلون عماد
الجيش آنذاك ووضع أثمانهم في منافع المسلمين، ما دام هؤلاء
محجمين عن الدفاع عن الأوطان والدين. ولا يخفى أن هذه الفتوى
كانت تحمل في طياتها هزًا عنيفًا للأسس التي تقوم عليها الدولة
المملوكية، في وقت كانت الدعوات تنادي بالاحتشاد خلف الحاكم
الذي يواجه العدو الخارجي، غير أن الحق والعدل والحرية كانت
هي الأسس التي رأى فيها "العز" أنها الأولى بالرعاية والاهتمام
على اعتبار أن البنيان المحكوم بالقهر لا ينهار إلا جملة واحدة
مع أدنى احتكاك خارجي، وهو ما يؤدي إلى انهيار فوضوي لا يبقي
حجرًا على حجر.
ويعطي التاريخ تجربة أخرى في المفاضلة بين الآخر المختلف
عقائديًا وحضاريًا، وهذا الذي ينتمي إلى نفس العقيدة والحضارة،
فعندما وقع "المعتمد بن عباد" بين اختيارين لإنقاذ مملكته
الأندلسية من الانهيار أمام ضربات النصارى الأسبان: إما الرضوخ
لهؤلاء الأسبان، وإما الاستعانة بدولة المرابطين الفتية في
المغرب وقائدها الكبير "يوسف بن تاشفين"، ورغم
إدراك "المعتمد" أنه وقع بين شقي الرحى وأن اتجاهات داخلية
ترحب بالأسبان عن المرابطين، فإن الرجل اختار الآخر الذي يتفق
معه حضاريًا وعقائديًا وأعلن "أن رعي الإبل خير من رعي الخنازير".
وفي هذا الشأن تظهر مسألة مهمة هي أن الأمم في لحظات انكسارها
أو صعودها قد تؤجل قضية الحرية لفترة ما، ما دام القائد (فردًا
أو نظامًا) يتبنى مطالبها وآمالها ويسعى لتحقيقها، مثلما حدث
في الدولة الأيوبية شديدة المحافظة من الناحية الفكرية، طالما
أن القائد صلاح الدين يسعى لتحرير المقدس، ودحر الأعداء.
وقد ظهرت إشكالية "مواجهة الديكتاتورية أم مواجهة الآخر
المختلف عقائديًا وحضاريًا" في واقع الحركة الإسلامية المعاصرة،
وكانت أساسًا من أسس الافتراق بين الجماعات والتنظيمات الإسلامية،
وأخذت مسميات مختلفة: "جهاد الداخل، وجهاد الخارج"، و"قتل
العدو القريب (الحكومات المستبدة) أم العدو البعيد"،
فكان "تنظيم الجهاد" ثم "الجماعة الإسلامية" في مصر في فترة
السبعينيات وما بعدها، قبل مراجعات الجماعة الإسلامية، يريان أن
المواجهة العاجلة يجب أن تكون مع حكام البلدان الإسلامية الذين
خرجوا على الإسلام ونحَّوا شريعته. وعللا موقفهما بأن محاربة
اليهود أو حتى الانتصار عليهم تحت قيادة هؤلاء الحكام لن تحقق
إلا تقوية قبضتهم على الشعوب الإسلامية، لأن هؤلاء الحكام لا يخدمون
إلا مصالح المشركين. كما نفيا إمكانية وجود "جهاد" دون وجود
إمام، لأنه لا جهاد إلا تحت رايات إسلامية حقيقية، وبالتالي كانت
الأولوية عندهما لجهاد الحكام.
ونتج عن ذلك مواجهات دامية تم خلالها تصفية كثير من أبناء
الحركة الإسلامية، ولم تؤد إلى تصفية تلك الأنظمة التي نهضت تلك
الجماعات لمواجهتها، ولعل هذا ما أوجد نوعًا من التطور اللاحق
في رؤية بعض الجماعات الجهادية التي ذهبت للجهاد في
أفغانستان، والتي أعطت الأولوية لجهاد الآخر المختلف حضاريًا.
وكان هذا الاختلاف سببًا في خروج بعض الجماعات عن تيار الإخوان
المسلمين، الذي رأى أن جهاد الداخل يكون عبر الآليات السياسية
دون رفع السلاح لمواجهة الأنظمة مهما كانت ديكتاتوريتها، أما
الآخر المختلف حضاريًا، خاصة اليهود، فالجهاد القتالي هو الأساس
في المواجهة، ولم توجد استثناءات في مسيرة فصيل الإخوان في
النضال ضد الاستبداد إلا في الحالة السورية عام (1982) عندما
تبنت قطاعات كبيرة من إخوان سوريا مواجهة النظام البعثي
بالسلاح، ونتج عن ذلك قصف مدينة "حماة" وسقوط ما يقرب من 20
ألفا، وحالات ضخمة من فرار الإخوان خارج سوريا، واعترفت قيادات
إخوانية سورية بخطأ هذه المواجهة.
|