 |
|
إحدى جلسات البرلمان المصري |
"نعم لتقنين الإفتاء.. لكن
بشروط" عبارة اتفق عليها عدد من العلماء
تعليقا على مشروع قانون تقدم به أحد نواب
البرلمان المصري يدعو لمعاقبة وتجريم كل
من يتصدى للفتوى بدون شهادة معتمدة من دار
الإفتاء، وإجازة خطية من المفتي شخصيا.
كان النائب المستقل بالبرلمان -مصطفى الجندي- قد تقدم بمشروع قانون يقضي بتوقيع عقوبة الحبس وجوبا على كل من يدلي بفتوى عبر أية وسيلة إعلامية أو أي طريق آخر دون أن يكون حاصلا على شهادة معتمدة من دار الافتاء وبإمضاء فضيلة المفتي نفسه بالترخيص لحاملها بالفتوى، وأحيل اقتراحه إلى لجنة الاقتراحات والشكاوى للنظر فيه.
تلك الدعوة الهادفة لتقنين
الإفتاء لاقت ترحيبا من جانب عدد كبير من
العلماء من حيث المضمون، إلا أنها ومن جهة
أخرى واجهت مجموعة من التحفظات خاصة ما
يتعلق بآلية ذلك التقنين.
غير دستوري
استنكار واضح وجهه المستشار
طارق البشري -نائب رئيس مجلس الدولة-
للعقوبة التي قدمها النائب في اقتراحه -حال
عدم التزام من يفتي بما أورده فيه من شروط-
ورأى عدم دستوريته لكونه يعد حجرا على
آراء الناس؛ فلكل إنسان الحق بل كل الحق في
أن يعبر عما يراه من آراء كيفما شاء وفقا
للحجة التي يستند إليها، وحينئذ يكون
للآخرين الحق أيضا في الاعتراض وفقا لحجج
وأدلة أخرى.
واستطرد: "أما إذا أردنا
مواجهة سيل الفتاوى المتدفق هذا فليست هذه
هي الطريقة الصحيحة، بل أرى أن ذلك يمكن أن
يكون عن طريق توعية الناس وإظهار الرأي
الصحيح والدعوة له".
وبشكل أخص أبدى النائب علي لبن -عضو
البرلمان المصري- تحفظا أعمق يتعلق
بمسألة اشتراط موافقة المفتي على صلاحية
الفرد للإفتاء ورآه أمرًا غير قانوني؛
وذلك لأن المفتي يعد أحد أعضاء هيئة
متكاملة تُعنى بشئون الفتوى في مصر وهـي
مجمع البحوث الإسلامية -التي تخرج فتاواه
بالإجماع- وليس للمفتي أن يسلب المجمع
اختصاصاته ويختص وحده بإبداء الرأي في مثل
هذه الأمور؛ فالمفتي أحد موظفي وزارة
العدل ولا يفتي إلا في القضايا التي
يحولها إليه القضاة؛ إذًا فلا دور له هنا
وتدخله مخالفة صريحة للقانون.
وأوضح "لبن" أن الحل في
تقنين تلك الفوضى في مجال الإفتاء هو
العودة للنظر في دعوة مجمع البحوث
الإسلامية لمواصلة الاجتماعات الدورية
السنوية من جديد؛ فالمجمع هو الهيئة
العليا لإبداء الرأي في المسائل
الاقتصادية والاجتماعية ذات الصلة
بالعقيدة.
ونبَّه على أن الاجتماع الدوري
لمجمع البحوث لم يلغ إلا أنه معطل منذ 6
سنوات بسبب عدم تنفيذ رئيس الوزراء -المسئول
في ذات الوقت عن وزارة شئون الأزهر-
للقانون رقم 103 لسنة 1961 بدعوة المجمع
للاجتماع السنوي لإصدار الفتاوى التي تهم
العالم الإسلامي كله.
وأكد العضو على أن ضغوطا خفية
كثيرة تمارس لمنع انعقاد المجمع، إلا أن
لجنة الشئون الدينية بالبرلمان لا تستجيب
وما زالت تحاول إعادته للانعقاد.
الشيخ عبد الخالق الشريف -من
علماء الأزهر الشريف- أكد على نفس الأمر
من أن إرجاع البت في أمر الإفتاء لفضيلة
المفتي أمر غير مقبول، ولم يسمع من قبل أن
مُنع عالم أو فقيه في أية دولة من الإفتاء
بسبب عدم إقرار مفتي دولته.
ويذكر أن أمرًا كهذا وقع في عهد الخليفة هارون الرشيد حينما أراد جمع الأمة كلها على فقه الإمام مالك، وطلب منه أن يكتب كتابا بهذا، فقال الإمام مالك رحمه الله: "أقسمت عليك يا أمير المؤمنين ألا تفعل؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تفرقوا في الأمصار وكان لكل رأيه... أفتجمعهم على مالك؟!".
وتساءل الشيخ عبد الخالق متعجبا:
"لما نقلص علم الأمة كله في عالم واحد
رغم سعة تراثنا الفقهي؟! مؤكدا على أن
المفتي نفسه لو عرض عليه هذا الاقتراح
لرفضه؛ لأنه يعلم خطورته على الفتوى، ولن
يقبل أن يتحمل هذه المسئولية العظيمة أمام
رب العباد".
وبعيدا عن الاعتراضات القانونية
كان لمجموعة من العلماء آراء عدة تتعلق
بمسألة تقنين الفتوى وكيفية علاج هذه
المشكلة بعيدا عن الطرق القانونية بقدر
الإمكان.
الحل بيد الدولة
دكتور عبد الرحمن العدوي -أستاذ
الفقه بجامعة الأزهر عضو مجمع البحوث
الإسلامية- قسَّم عموم من يتحدثون في
تعاليم الدين إلى صنفين: الصنف الأول
وهم من يتناصحون فيما بينهم ويتبادلون
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوضيح
قواعد الدين، وهؤلاء يرى دكتور العدوي أن
بإمكانهم تبليغ ما شاءوا من الدين من غير
حرج إذا كانوا على دراية بالأحكام يقينا،
ويعرفون الأدلة معرفة صحيحة، سواء أكان
ذلك عن طريق دراسة علمية أو تعلم على يد
فقيه أو سماع من شيخ؛ ففي هذا يقول رسول
الله صلى الله عليه وسلم "بَلِّغُوا
عَنِّي وَلَوْ آيَةً"، ويقول "رُبَّ
مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ"؛ أي
ربما يكون من تم إبلاغه أكثر وعيا وفهما
ومعرفة للأحكام ممن سمع مباشرة، وهذا
للعامة وللعلماء سواء.
وأشار إلى أن الصنف الثاني من
الناس هم أولئك الذين يعطون أنفسهم
ألقابًا من قبيل المفكر أو الكاتب أو
الصحفي الإسلامي، ويسمح لنفسه أن يتكلم في
الدين برأيه وعقله، مثل هؤلاء هم من ينطبق
عليهم قول الله تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ
اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ
اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى
سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى
بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن
بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} (الجاثية:
23).
وأمثالهم ممن يظهرون في وسائل
الإعلام ويثيرون البلبلة والخلافات وليس
لهم في هذا المقام مكانة علمية تؤهلهم، هم
من علينا أن نتوقف عندهم لنحد من انتشارهم
ولا يكون ذلك بالحبس أو بالعقوبة بل
بمنعهم من الفتيا وقصرها على من يحملون
شهادات عالية من الكليات الشرعية
المتخصصة والمعترف بمستواهم من هيئات
علمية رفيعة.
في حين يرى الشيخ عبد الخالق
الشريف أن الحل في هذه القضية بيد
الدولة وأجهزتها الأمنية التي تكبت
العلماء الحقيقيين -الأئمة العظام-
البعيدين عن المناصب الرسمية وتمنعهم من
الظهور في وسائل الإعلام؛ فلو مُكِّن
هؤلاء من الظهور لتحدثوا بجرأة الحق
ولتهاوى بجانبهم كل من يدّعي العلم وليس
أهلا له.
ونبَّه إلى أنه من غير المنطقي أن
نقابل كل خطأ في أي مجال بسن العقوبات
القانونية، لكن الصواب أن من يخطئ نصوب له
خطأه طالما لم يتجاوز الفرعيات -التي ما
أجمعت عليها الأمة- إلى الأصول، فلو تركنا
الأخذ عن كل عالم أخطأ لترك كل العلماء.
وتمنى الشيخ الشريف لو تبنى
أمثال هؤلاء من النواب المخلصين قضايا أشد
خطورة وجسامة على كيان الأمة كتجريم من
يبيحون الإساءة علانية للصحابة ولعلماء
المسلمين، ولمن ينتهجون منهج الإباحية في
وسائل الإعلام وغيرهم كثيرون.
تجرؤ على الفتيا
البريق الإعلامي الذي يجذب غير
المتخصصين نحو الفتوى أكد على خطورته أيضا
الدكتور محمد الشحات الجندي -عضو مجمع
البحوث الإسلامية- الذي رأى أن هناك
نوعًا من التجرؤ من جانب البعض على الفتيا
أدى إلى الكثير من الاضطراب والفوضى
والعشوائية.
وأكمل موضحا: "فالفتوى صناعة
فقهية ينبغي أن يتوفر للقائم عليها شروط
هي أقرب ما تكون إلى شروط الاجتهاد (العلم
والدراية والمعرفة والمران) في مختلف
العلوم، إضافة لكونه يجب أن يكون على
دراية بواقع الناس".
مؤكدًا على أنه مع ذلك لا يتفق
مطلقًا مع مثل هذه المقترحات، نعم ينبغي
أن يكون هناك ضوابط، ولكن ليست بهذه
الطريقة الروتينية المكتبية التي تعتمد
على تأشيرة المفتي.
ورأى في ختام حديثه أنه لحسم هذه
المسألة على عدد من الهيئات أن تتكاتف
مجتمعة؛ فالأزهر، ووزارة العدل المتمثلة
في دار الإفتاء، وكذا وزارة الأوقاف؛
عليها جميعا أن تتوحد رؤاها لتخرج بصيغة
واحدة وقانون واحد يضبط هذا السيل الهادر
من الفتاوى التي تهدد كيان الأمة وهويتها
بتضاربها وتشتيتها للرأي العام؛ فالفتوى
هي حكم شرعي، والحكم الشرعي يأخذ به
العامة؛ لذا فهي أمانة ثقيلة على العالم
التحري لأجلها، وإلا فليعلن أن ما يتفوه
به مجرد رأي يحتمل الصواب والخطأ.
الإجازة أم المؤهلات؟
دكتور عطية لاشين -أستاذ الفقه
بكلية الشريعة- جامعة الأزهر الشريف ذهب
إلى أن من يعرض نفسه لمنصب الإفتاء يجب أن
يكون أهلا لذلك وأهليته لا تكون إلا من
خلال إجازة يحملها تأذن له بالإفتاء من
دار الإفتاء، أو من مشيخة الأزهر، أو من
شيخ كبير يقرأ عليه؛ فليس الدين كلأ مباحا
يتكلم فيه من يشاء، وإذا عرف التخصص في
علوم الدنيا فمن باب أوجب أن يعرف في أمور
الدين.
ونبَّه على أن ما يقصده بالإجازة
ليس الشهادة الجامعية التي يمكن أن يحصل
عليها أي إنسان وإنما يقصد المؤهلات
المعينة على الفتوى؛ فما كانت الشهادة
الجامعية بمفردها يوما مسوغا للإفتاء في
الدين.
وحول مسألة تدخل سلطة أعلى في
الحد من الفتاوى غير المنضبطة لم يجد
دكتور لاشين غضاضة في ذلك بل ضرب مثالا
بمسألة شهيرة عند الأحناف تعرف بـ"مسألة
الحجر على المفتي الماجن"، وهي هنا تجيز
للحاكم الحجر -أي المنع من الفتوى- ليس على
من يفتي بغير علم، أو بدون وجه حق، ولكن
على كل عالم يخالف بفتاواه ما تعارف عليه
العلماء واتفقوا فيه، وأنكر ما تم الإجماع
عليه بين علماء عصره وتجاوز في ذلك،
ملمحًا بذلك إلى أن أمر مراجعة الفقهاء
والعلماء أمر قديم وليس مستحدثا.
من جانبه اتفق الدكتور محمد
كمال إمام -أستاذ الشريعة بكلية الحقوق -جامعة
الإسكندرية- مع ضرورة متابعة مسألة
الإفتاء تلك؛ فهو يؤيد الدكتور لاشين في
أن من يباشر عملا بغير إذن عليه أن يعاقب
بعقوبة مدنية أو جنائية، ولما كانت
العقوبات المدنية غير رادعة تتجه الأنظار
غالبا صوب العقوبات الجنائية، إلا أن
المهم هو أن تكون تلك العقوبة ملائمة
ومناسبة؛ فالعلم الشرعي ليس مشاعًا
للجميع.
إلا أنه عاد واختلف مع الشيخ
لاشين في مسألة الإجازة التي تسوغ الإفتاء
قائلا: "القضية ليست في حصول من يتصدى
للإفتاء على إجازة بقدر ما أنه من الضروري
حظر الافتاء على من لا يملك مؤهلات شرعية
علمية وأخرى خلقية وعملية".
والأولى من وجهة نظره -المؤهلات
الشرعية - تتمثل في أن يكون حاصلا على علم
شرعي يؤهله للإفتاء ولا يمكن تحديده بأقل
من درجة العالمية في الشريعة الإسلامية -درجة
الدكتوراه- أو ما يعادلها.
وأما الثانية -المؤهلات العملية
والخلقية- فهي أن يكون تقيا ورعا غير خاضع
للسلطان، وهي مواصفات تندرج تحت عنوان "شروط
قبول المفتي".
ويعلل دكتور إمام اختلافه بوجود
عدد كبير من خطباء المساجد اليوم يخطئون
في اللغة وكثير من الأحكام الشرعية رغم أن
جميع الخطباء تقريبا لا يمارسون الخطابة
إلا بإجازة من وزارة الأوقاف.
إذًا فالقضية محسومة بشكل كبير
من حيث المبدأ لصالح البحث عن وسيلة
مناسبة تقنن صدور الفتاوى؛ وسيلة تحفظ
للدين هيبته وللفتيا مكانتها، وتنقذ
الأمة من فوضى وتشتت تصنعه الآراء
المتضاربة غير المقننة في الأحكام
الشرعية، إلا أن الخلاف ما زال دائرا حول
تلك الوسيلة فهل تحسمه المؤسسات الدينية؟
أم سيتدخل القانون ليشرع وسيلة أخرى؟
أسئلة ربما يتمخض عن إجابات لها الانتهاء
من مناقشة الاقتراح في البرلمان.
|