English

 

الثلاثاء 16 محرم 1430هـ - 13/01/2009م

فقه الجهاد والعلاقات الدولية  »   فتاوى الناس » شرعي
أرسل لصديق

من فقه النصرة إلى فقه الفتنة

د. خالد فهمي

لم أكن أتصور أن يكون لصليل السيوف فتنة تتخطى أرض الميدان الذي تشرع فيه، ولم أكن أتصور أن تعمى أبصار فترى في الرباط أمرا آخر غير الرباط، وفي طلب الشهادة والإقبال عليها والسعي نحو دروبها بكل الشوق واللهفة شيئا آخر غير الشهادة.

لم أكن أتصور، ولكن الذي لم يكن.. كان!

لقد عرفت أدبيات الفقه الإسلامي وأدبيات الحديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم تاريخا ممتدا طويلا لمصنفات تؤصل لفقه الجهاد مقرونة بمصنفات حقوق الإخوان؛ إخوان العقيدة، وامتلأت صفحات هذه الأدبيات بما يصدع بكل الوضوح بوجوب نصرة المسلمين، وحمايتهم، والبذل لهم.

كيف أثرت مشاهد صليل السيوف المعاصرة على شاشات الفضائيات، ففتنت عقولا، وعصرت قلوبا فأفقدتها رشدها ووعيها، وبعض الفطنة الواجب الاستمساك بحبلها؟!

كيف كان ما كان إلا أن نرى في ذلك وجها من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم لنعيش ونرى لصليل السيوف فتنة تطيش بأفهام كثير من الناس، عشنا فرأينا فازددنا يقينا فوق اليقين بصدق النبوة.

نصوص لا تغيب!

امتدت يدي إلى واحد فقط من مشهور ما يعرف الناس في باب تناصر الإخوان وحفظهم ورعايتهم، والتقطت كتاب "الإخوان" للحافظ ابن أبي الدنيا، فوجدت العجب الذي لا ينقضي، مما هو كفيل وكاف في إسكات صوت الشياطين الذين يخذلون الناس عن نصرة المرابطين من مجاهدي الإسلام في كل مكان، وفي مقدمتهم مرابطو غزة، ومجاهدوها الكرام.

وجدت ما يقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح 155 / ص 203: "حقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي" وفي رواية: "للمتباذلين فيّ"، فهذا حديث واحد عام دال على وجوب تنوع البذل واستمراره ودوامه، وأن يكون سنة عامة في أبناء الأمة لا يتوقف أبدا، وإن ازداد في أوقات المواجهة، ولا يصح قصر البذل في بعض الذي يعطى، حيث إن الحديث لم يحدد مجالا للبذل ليتسع للمجالات كلها والآفاق كلها، وحيث كذلك لا مستند من نص الحديث ولا من نصوص المرجعية الإسلامية تؤيد ذلك.

وأنا لا أدري كيف غاب عن أولئك الذين يثيرون اللفظ، الذين نراهم في كل فتنة، قول الله سبحانه: {مَن قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعا} [سورة المائدة:32].

كيف غفل من غفل عن هذا العموم الذي يسكن معنى (نفس)؟! فما بالنا إن كانت هذه النفس مسلمة مجاهدة مرابطة تقف في وجه أعظم عدو لله، ولنبيه، ولدينه، ولأمته!!

إن الحديث عن إمكان عدم النصرة هو من قمم التخاذل! وأنا لا أدري كيف لم يفطن الوعي الإسلامي المعاصر في بعض مناطقه إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه فيما جاء مجيء الأمر: "من مر في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا معه نبل فليمسك، أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء".

وها هي المساجد قد هدمت، والأسواق قد خربت، وانطلقت جبال أغدر وأفجر من النبال، وأسقطت أمما من المسلمين، فكيف السبيل إلى مواجهة الله تعالى، ومواجهة نبيه يوم الفزع الأكبر.

نحن لا نتحدث عن النصوص العوالي في الشهرة، والانتشار مما يعلمه الناس.. ماذا سنفعل في هذه النصوص التي تأخذ بالرقاب؟!

مشكل التكييف الفقهي

ووالله إني لأستحيي من أن أرفع فوق هذه الفقرة هذا العنوان؛ لأنه لا يصح في عقل أن تسقط الأجساد الطاهرة وتسيل الدماء الزكية في ميدان من أطهر الميادين، دفاعا عن الله تعالى، ودفاعا عن نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن أرض لامست جباه الأتقياء خلال الزمان الطويل صعيدها، ثم نحن نجلس نتجادل حول التكييف الفقهي لموقفهم!!

اليوم اتضح لكل ذي عين وقلب ومُسكة من عقل أن الذين أفتوا يوما بجواز الصلح مع اليهود كانوا على خطأ رهيب، فالآن.. انكشف المستور، واتضح غدر الغادرين، ولؤم الخائنين، وهذا أول صوت على طريق التكييف الفقهي للفارق بين فقه النصرة وفقه الفتنة!

واليوم.. يظهر ظهورا لا ينال منه شيء أن الغرب الكافر قد تعلم من تاريخ الصدام الطويل مع الشرق الإسلامي أن أول سلاح وأمضاه في المواجهة هو تفتيت هذا المشرق وشق صفوفه، ونزع ثقافة الإسلام من قلوب أبنائه وعقولهم، ومن منصة الحكم عندهم، ومن مؤسسات التثقيف والتربية والتعليم في ديارهم.

واليوم.. نحن نلح في الرجاء على استدعاء هذه النصوص التي أشرنا إلى تيارها الممتد وما تفرضه من أحكام هي في القمة من الوضوح والبيان، تبحث عن مقام الوجوب، تصرخ بوجوب نصرة المجاهدين، والبذل لهم، وتوجب فتح ما يضمن استمرارهم وبقاءهم، وتوجب الجود بالأنفس والأرواح في سبيلهم، وسبيل ما تصدوا لحمايته والذود عنه.

واليوم.. من واجبات أهل العلم أن يكشفوا عما يمكن أن يترصد هذا الطريق لكيلا تتفوق مسيرة المجاهدين فيه بسبب فتنة التشاغل عن نصرتهم.. ومن أولى ما ينبغي التصدي له، وبيانه للناس كافة، التعرض لما يسمى بفقه الأرض الواسعة، والمقصود به ما كان سببا قديما لضياع الأندلس الذي كان بداية السقوط الحضاري للأمة الإسلامية.

إن الاحتجاج بمثل قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَة فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء:97]، في سبيل ترك الأرض هو احتجاج للخيانة، خيانة الأمة، وخيانة كتابها، وخيانة ميراث المجاهدين الكبار من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في إهدار ما فتحوا وتضييعه.

الآية صالحة في الاحتجاج لمن ضاقت عليه سبيل النجاة فردا لا أمة، وصالحة في الاحتجاج بمحاصرة الكفر، لا بإخلاء أرض ظلت إسلامية لم يقطع إسلامها شيء من عدوان من ظلمها، أو اغتصبها، أو حكمها.

الآية تتكلم عن أرض الله، وغزة من أرض الله بالمعنى الإسلامي، والسياسي، والجغرافي، هي أرض متعبدة لله سبحانه، فوق منطق أنها أرض الله بالمعنى العقدي الذي يملك كل شيء له.

فربما يكون جزءا من المفهوم أن نهاجر إلى غزة انتصارا لمساجدها التي تهدم، ولمسلميها الذين يسقطون ليرووا أرض الله هناك، بما هو شاهد على عزتهم وكرامتهم وإيمانهم.

ربما يكون من المناسب أن نسقط الآية لتدعو إلى وجوب السماح للمجاهدين أن يهاجروا إلى غزة، وأن يساندوا قضيتها التي هي قضية الإسلام في هذا الزمان.

غزة بوابة التأمين

وليس يصح بعد كل هذه الحيثيات من نصوص المرجعية ومن فقه الواقع إلا أن نذكر بما عساه يسكت الشيطان الذي يترصد المفتونين ليجرهم إلى السير في طريق النار، ومما يصح تأمله في هذا السبيل ما يلي:

أولا: كانت غزة في الفكر الإستراتيجي النبوي بوابة التأمين لأرض الحجاز، وهو بعض ما يتبدى من دروس عبقريته في غزوة مؤتة، ثم في بعث أسامة.

ثانيا: كانت غزة في الفكر الإستراتيجي في دولة الخلافة الراشدة امتدادا راقيا للوعي الذي ظهر في العهد النبوي الكريم باعتبارها صمام أمان للفكرة الإسلامية، وهو بعض ما يظهر في قراءة إنفاذ بعث أسامة، كأول قرار يصدره الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما يظهر في التبكير بفتح غزة الذي تم في عهد عمر رضي الله عنه سنة 17هـ.

ثالثا: كانت غزة وما جاورها خط الدفاع الأول خلال مواجهات الإسلام لموجات الغزو المتتالية من الصليبين والمغول وغيرهم، ولنتذكر جميعا أن حطين وعين جالوت، وهي مواقع حاسمة في هذا السبيل، كانت في طريق غزة وبجوارها، وإلى مرمى حجر منها.

رابعا: كانت غزة مددا حضاريا عبر تاريخها الطويل للأمة، ولنتذكر أنها التي أخرجت الإمام الشافعي مثلا.

باسم هذا كله وباسم غيره، فإننا نصرخ في أبناء الأمة ونخبها المثقفة في هذا التوقيت العصيب أن يناصروا كل مجاهد على هذه الأرض المباركة، مهما كانت الاختلافات في الفروع.. الأوان ليس أوان التأمل، فألف ألف مدخل للنصرة، وإلا فإنا مستجيبون لصوت الشيطان سائرون في طريق النار.


الأستاذ بكلية الآداب جامعة المنوفية
 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع