 |
|
تمتلئ الأراضي المصرية بما يقارب 20 مليون لغم |
كان القدر في انتظاره يومها،
فمحمد الطفل ذو الاثني عشر ربيعا خرج من
بيته في السادسة والنصف صباحا، متجها إلى
مدرسته التي تبعد عن قريته بمنطقة العلمين
-شمال مصر- 3 كيلومترات وفجأة أثناء سيره في
طريقه الصحراوي، انفجر لغم أسفله؛ لم يمت
محمد لكن اللغم أبقاه حبيس كرسي متحرك
طوال عمره.. فقد بترت ساقاه.
محمد واحد من ضحايا حدائق
الشيطان المنتشرة بالساحل الشمالي بمصر،
لكنه ليس الوحيد. وربما قصته والعديدين
أمثاله هي الدافع المحفز لمجموعة من علماء
المركز القومي للبحوث لابتكار طريقة
جديدة للتخلص من 20 مليون لغم تمتلئ بها
أراضي مصر، والتي تعد ثانية كبرى الدول في
العالم وجودا لهذا الخطر بعد أنجولا.
ونجح الفريق بقيادة الدكتور محيي الدين سليمان الباحث بقسم التكنولوجيا الحيوية شعبة الهندسة الوراثية بالمركز القومي للبحوث بمصر
في اكتشاف طريقه آمنة
ورخيصة لإزالة الألغام، تعتمد في الأساس
على نباتات يتم زراعتها في منطقة اللغم
لتتغذى على مادة T.N.T الموجودة باللغم
وتحللها تماما في التربة، مبطلة مفعولها
التفجيري.
آليات إبطال مفعول اللغم
تمر عملية إبطال مفعول اللغم على
3 مراحل رئيسية كما يؤكد الدكتور سليمان:
المرحلة الأولى: اكتشاف اللغم،
فلم يعد من الممكن الاعتماد على خريطة
الألغام التي زرعتها الجيوش منذ الحرب
العالمية الثانية في مصر، حيث إن التعرف
على أماكنها بات أمرا صعبا، بحكم عوامل
التعرية وتحرك الرمال وغيرها من العوامل
الطبيعية. إلى جانب تعدد أنواع ومواصفات
الألغام المزروعة، فمنها المضاد للأفراد،
والمضاد للدبابات.
كل ما تقدم هو جزء من المشكلات
التي واجهت الباحثين، إلى أن قاموا بعمل
تجارب ناجحة لاستخدام نباتات يمكنها
التعرف على اللغم، فبمجرد زراعتها
وملامسة جذورها لجسم اللغم يتغير لون
النبتة.
وعلى سبيل المثال فنبات "أرابيدوبسيز"
يتحول لونه إلى القرمزي أو البنفسجي بمجرد
ملامسته للغم، ولا تتعدى دورته الحياتية
شهرا ونصفا على الأكثر، وهذا النبات ينمو
في مصر بكثرة إلى جانب مجموعة أخرى من
النباتات لها نفس الخاصية مثل الونكاء
والسكران والبنجر والتبغ.
المرحلة الثانية: ثقب الجدار
المعدني للغم، حتى يتسنى بعد ذلك زراعة
النباتات التي تتغذى على الـ T.N.T ومن ثم
إبطال مفعول اللغم، وكان السبيل لذلك هو
حقن اللغم المكتشف بأنواع من البكتريا
تملك قدرة على التغذي على الحديد والمعادن
المختلفة وتحليلها وعمل ثقوب بها، وهي
موجودة بالفعل، ولعل أبرزها بكتريا
نيتروفيليك أبرون أوكسيد أيزر
وأسيدوفيليك أيرون أوكسيد أيزر، وهي
قادرة على تحقيق هدف مهم وهو إحداث ثقوب
باللغم.
المرحلة الثالثة: وهي زراعة
نباتات تعتمد على النيتروجين في غذائها،
فهو أحد مكونات مادة الـ T.N.T، ويمكننا
استخدام مجموعات نباتية عديدة لهذا الغرض
بعد نقل أنواع معينة من الجينات إليها،
تجعلها قادرة على امتصاص النيتروجين،
وتزيد من تحملها للظروف الطبيعية
والمناخية للمنطقة هناك، سواء كانت حرارة
أو ندرة المياه أو درجة الملوحة العالية
في التربة.
وقد استخدم نوع من البكتريا يسمى
Enterobacter لقحت بها بعض النباتات لجعلها أكثر
قدرة على امتصاص النيتروجين، ونجحت تلك
المحاولات بشكل كبير.
تحديد الأهداف
نأتي هنا للسؤال الأهم: كيف ستتم
الزراعة وسط حقول الألغام؟.
يتم نثر بذور النباتات الكاشفة
للألغام بواسطة الطائرات، وتترك البذور
حتى تسقط عليها الأمطار، وبعد نمو
النباتات المزروعة تتغير ألوان النبات
بمجرد التصاقها بالألغام، راسمة خريطة
للألغام على أرض الواقع، ليسهل بعد ذلك
التعامل مع المنطقة المستهدفة. وبعد نمو
الزراعات التي تتغذى على الـ N.T.N يمكن
الاستفادة منها، وحتى إذا لم يتم
الاستفادة منها فسيتحقق هدف أكبر وأسمى
وهو إخلاء مليوني فدان من الألغام.
مزايا متعددة
ويضيف الدكتور محيي الدين أن
المدة الزمنية التي تستغرقها إزالة لغم
بواسطة المراحل الثلاثة التي تم ذكرها لا
تزيد عن عامين، إضافة إلى أنها رخيصة جدا؛
فإزالة اللغم بالطرق التقليدية الحالية
تتكلف ألفي دولار، وفي مصر لدينا 20 مليون
لغم، إذن نحن في حاجة إلى 20 مليار دولار
لتطهير أراضينا من الألغام، وهذا مبلغ ضخم
للغاية ويصعب توفيره.
في حين لا تكلف الطريقة الجديدة
أكثر من 20 مليون جنيه لإزالة 20 مليون لغم،
لأن كل العناصر المطلوبة متوافرة وأجرينا
عليها كل التجارب. وقد اشتركت في ذلك 3 جهات
بحثية علمية وهي: جامعة القاهرة والمركز
القومي للبحوث ومركز بحوث الصحراء.
وبالفعل ستبدأ عمليات الإزالة
على مساحات واسعة في الساحل الشمالي بمصر،
وسيشاركنا في ذلك مهندسون عسكريون،
ووزارة التعاون الدولي، والصحة، والبيئة،
والسياحة، فضلا عن وزارة البحث العلمي،
وقد أبدت بعض الجهات الدولية الرغبة في
المشاركة.
خطط وأهداف
ويستهدف المشروع تطهير الساحل
الشمالي الصحراء من 20 مليون لغم، حتى
يتهيأ استغلال هذه المساحات الشاسعة
المهملة بسبب الألغام، فقد اعتبرت هذه
المنطقة في فترة سابقة سلة الغلال لمصر،
حيث ينمو القمح فيها بشكل ممتاز وتزيد
إنتاجيته فيها عن أي مكان آخر.
كما سيتحول جزء كبير من هذه
المنطقة بعد تطهيرها إلى منطقة سياحية
هامة، نظرا لقربها من البحر، فضلا عن تعدد
المزارات السياحية، ولعل أبزرها مقابر
العلمين وغيرها.
ويضيف الدكتور سليمان أن إحدى
المزايا الهامة التي تميز الطريقة
الجديدة لإزالة الألغام عدم وجود آثار
جانبية ضارة لها، فالتفجير التقليدي
للألغام يؤدي إلى انتشار مادة الـ T.N.T
بالتربة، وينتج عنه مواد مشعة ضارة تؤثر
على البيئة والصحة قد تستمر لعشرات السنين،
لكن الطريقة الجديدة تعتمد على تحليل مادة
الـ T.N.T في التربة دون الإبقاء على أي مواد
ضارة أو ملوثة للبيئة.
|