|
هل يمكن للشعوب العربية
والإسلامية أن تسهم في بناء القدرات
التكنولوجية للأمة؟ وهل يمكن أن تلعب
المنظمات الأهلية هذا الدور
الإستراتيجي؟ وهل يمكن أن يكون هذا الدور
خطًّا موازيًا وليس منافيًا ولا مجافيًا
للخط الذي تسير فيه الحكومات العربية
والإسلامية؟.
كانت تلك هي الأسئلة الثلاثة
التي افتتحت بها مقالا سابقا حول الدور
الأهلي في "بناء
القدرات التكنولوجية للأمة"، وهي
الأسئلة التي ذهبت أدراج الرياح وكأنها
صرخة في واد أو نفخة في رماد، واليوم وبعد
أكثر من خمس سنوات وأنا عائد من حضور "المنتدى
الأوروبي الثاني المفتوح للعلوم"
بألمانيا، والذي نظمته إحدى الفعاليات
الأهلية الأوروبية تعود تلك الأسئلة
لتطرح نفسها من جديد خلال تلك التجربة.
الحكاية من البداية
"يوروساينس"
Euroscience هي صاحبة تلك التجربة، وهي
منظمة أهلية عابرة للأقطار الأوروبية
تأسست عام 1997، تضم بين صفوفها أكثر من
ألفي عضو مهتمين ببناء "أوروبا
العلمية" من أسفل إلى أعلى، منهم
باحثون وعلماء في كافة المجالات العلمية
بما فيها العلوم الاجتماعية والإنسانية،
إضافة إلى صناع قرار، ومعلمين، وطلاب
دراسات عليا، ومهندسين ورجال صناعة، وفي
العموم كل مواطن مهتم بالعلوم
والتكنولوجيا وعلاقتهما بالمجتمع،
وتهدف المنظمة إلى:
-
إتاحة منتدى دائم ومفتوح
للعلوم والتكنولوجيا.
-
تقوية الروابط بين
المجتمع والعلوم.
-
خلق فضاء تكاملي للعلوم
والتكنولوجيا في أوروبا.
-
التأثير في السياسات
المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا.
ولكن كيف تستطيع تلك المنظمة
تمويل أنشطتها؟
تأسست وقفية اليوروساينس The
Euroscience Foundation عام 2000 في مدينة هانوفر
بألمانيا لدعم أنشطة المنظمة وجعلها
قادرة على العمل باستقلالية، وحيث إن
القوانين الأوروبية ليست مهيأة بعد
لتأسيس مثل تلك الوقفيات على المستوى
الأوروبي العام، لذا فقد تأسست في
ألمانيا التي يدعم قانونها المؤسسات
الوقفية بقوة، وقد تم تدشين الوقفية في
السادس عشر من سبتمبر عام 2001 في احتفال
علمي تم فيه منح أول جائزة للكتاب
العلميين الأوروبيين، والتي فاز بها
الدكتور فيليب كامبل محرر مجلة "ناتشر".
"إيسوف".. موالد
العلوم
 |
|
إيسوف.. المنتدى الأوروبي المفتوح للعلوم |
لعل أهم أنشطة اليوروساينس هو
"المنتدى الأوروبي المفتوح للعلوم
إيسوف ESOF" والذي انعقدت منه دورتان حتى
الآن: دورة
أستكهولم-السويد عام 2004، ودورة
ميونخ-ألمانيا عام 2006، وتشبه تلك
المنتديات الموالد في تنوع أنشطتها
وتعددها وتزامنها في آن واحد، فهي تشمل
برنامجا علميا من محاضرات وحلقات نقاشية
وورش عمل، ومعرضا تسويقيا لمنتجات بعض
الشركات، ولتسويق بعض فرص العمل أيضا،
كما تشمل فعاليات المنتديات بعض الأنشطة
الاجتماعية والثقافية والفنية التي
تتماس مع العلوم بشكل أو بآخر؛ كالعروض
المسرحية أو مهرجانات الأفلام والتي
يختص بعضها بالأطفال أو النشء.
وقد جاءت مبادرة تأسيس تلك
المنتديات عام 1999 من قبل الباحثين
المشاركين في اليوروساينس استشعارا منهم
بأن أوروبا ظلت لفترة طويلة تفتقد إلى
ساحة مستقلة للحوار المفتوح حول دور
العلوم (بما فيها العلوم الإنسانية) في
المجتمع، ومن ثم فإن تلك المنتديات ليست
مجرد مؤتمرات علمية، وإنما تأتي المناشط
العلمية فيها منغمسة في ثياب من المناشط
الاجتماعية والثقافية/ العلمية والتي
تهدف في الأساس إلى جذب اهتمام عامة
الأوروبيين وإثارة وعيهم بأهمية العلوم
والتكنولوجيا وتأثيراتها في حياتهم، ومن
ثم إثارة دوامات من النقاش الحر متعدد
الرؤى حولها وحول السياسات المرتبطة بها
بما يساهم في فهم الوضع العلمي
والتكنولوجي الراهن ومساراته واتجاهاته
وتأثيراته المستقبلية على حياة الناس،
وأهمية دور الناس الفاعل في تحديد تلك
المسارات والاتجاهات وتحييد التأثيرات.
أحدث المنتديات العلمية
المنتدى الذي عقد هذا العام 2006
في ميونخ وامتد من 15 إلى 19 يوليو اشتمل
على برنامج حافل تضمن:
-
محاضرات عامة: ألقاها عدد
من حملة الجوائز وأصحاب المناصب
العلمية الرفيعة، وعلى رأسهم بعض حملة
نوبل، وافتتحها ثيودور هينش مدير "معهد
ماكس بلانك للبصريات الكمية" الحائز
على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2005
بمحاضرة له بعنوان "التطلع نحو
الدقة"، وشملت تلك المحاضرات
موضوعات في الكيمياء الحيوية
والبيولوجيا الجزيئية وعلمي الزلازل
واللغويات وغيرها.
-
جلسات علمية: اشتملت على
عدد من ورش العمل والحلقات النقاشية،
وتوزعت موضوعاتها على سبعة محاور:
التعامل مع الكوارث، الأرض والبيئة،
الجزيئات والكواكب، العلوم والمجتمع،
تشغيل العلوم، الثقافات الممتزجة،
وأعمال الحياة.
-
برنامجا للتطوير المهني:
يستهدف شباب العلماء والإعلاميين
وطلاب الدراسات العليا، واشتمل على
عدة جلسات علمية وورش عمل وفعاليات
للتشبيك، وتناولت الجلسات موضوعات مثل
المسارات المهنية الخمس فيما بعد
الدكتوراه، وظاهرة هجرة الأدمغة على
المستوى العالمي، وكيفية أن يكون
لشباب الباحثين دور على المستوى
العالمي في تجاوز الفجوات بين الشمال
والجنوب والشرق والغرب وغيرها.
-
أنشطة علمية/ مجتمعية:
وتستهدف جذب اهتمام عامة الناس،
وبخاصة الأجيال الجديدة، من خلال عدد
من المعروضات التفاعلية والتجارب
الحية والنماذج التوضيحية التي يمكن
اختبارها، إضافة إلى الألعاب ومقاهي
العلوم، ومسرح عرائس علمي للأطفال
باسم رحلة الزمن، واشتملت مفردات
الأنشطة على:
-
الأسبوع
القومي الألماني للعلوم: وهو أسبوع
صيفي سنوي تقوم عليه كبرى المنظمات
العلمية الألمانية ويهدف إلى تقريب
الأبحاث والعلوم إلى الجمهور العام،
وتقوم على تنسيقه منظمة "العلوم
في الحوار"، ويتم تنظيمه سنويا
منذ عام 2000 ويحمل شعارا رئيسيا هو: "صيف
العلوم"، وقد افتتح الأسبوع بعرض في
الهواء الطلق حضره عمدة ميونخ ووزيرة
التعليم والبحوث وقدمته هذا العام
فرقة "مسرح
التفكير"، واشتمل على معرض
للألعاب العلمية المثيرة للتفكير
شاركت فيه 40 مؤسسة علمية تحت شعار "ليل
طويل للعلوم". كما اشتمل معرضا آخر
باسم السوق السنوية للعلوم وتشارك فيه
40 مؤسسة أيضا تعرض أحدث التجارب
العلمية، والأجيال الجديدة للكمبيوتر
وغيرها، بالإضافة إلى برلمان طلابي
يشارك فيه 100 طالب ألماني بمناسبة عام
المعلوماتية، ويتناقشون فيه مع
العلماء فيما يعنّ لهم من أسئلة،
واشتمل البرنامج أيضا على مهرجان
للأفلام الروائية العلمية يعقبه
مناقشة مع أحد المتخصصين حول موضوع
الفيلم.
-
معرض علمي: يضم عددا من
الشركات التجارية، والمراكز العلمية
والأكاديمية المشاركة في أعمال
المنتدى، ويتيح لهم فرصة لتقديم
أنفسهم وأعمالهم.
-
إضافة إلى عدد من الأنشطة
الاجتماعية المتفرقة: كحفلات
الاستقبال المختلفة، وعرض "رقص
العقول" وهو عرض يتسم بمحاورات
عقلية وعلمية مسرحية بين عدد من
العلماء والفنانين العالميين يستخدم
فيه تقنيات الصوت والصورة والمحادثات
ولغة الجسد.
المنظومة الأوروبية
للعلوم
لعل من أهم ما تناوله منتدى
ميونخ هو ما يتعلق بمفردات المنظومة
الأوروبية للعلوم والأبحاث وما يتعلق
بشئون الإعلام العلمي، وغيرها من
القضايا التي تعكس هموم وآمال تلك
المنظومة والتي يصعب أن نحصيها هنا، لذا
سنكتفي بالإشارة إلى بعضها لأهميته:
-
المجلس
الأوروبي للبحوث: وهي المبادرة التي
دعا إليها اليوروساينس ودعمتها
المؤسسة الأوروبية للعلوم منذ عام 2002
من أجل وضع أجندة للبحوث العلمية وضمان
جودتها وتمويلها على المستوى
الأوروبي، وقد ناقش المنتدى خلال
جلسات محور تشغيل العلوم التطورات
الدراماتيكية التي قربت من تحقيق
الحلم خلال الشهور السابقة لانعقاد
المنتدى؛ حيث لاقى المقترح دعم الدول
الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وتم
تسمية الـ22 عضوا في اللجنة العلمية له،
كما تمت مناقشة المعوقات التي تحدد مدى
نجاح المبادرة، مثل التمويل المحدود
للمجلس، ووضعه القانوني، وقد تم تجاوز
تلك المعوقات آملين أن يولد المجلس في
يناير من عام 2007.
-
الإعلان
الأوروبي للباحثين: والذي صدر لوضع
محددات ومعايير وترتيب حقوق والتزامات
أوروبية عامة تجاه تشغيل الباحثين
العلميين أينما كانوا في أوروبا،
مستهدفا رفع شأن البحث العلمي كمهنة في
الأوساط الأوروبية، وقد تمت مناقشة
الإعلان في جلسات محور تشغيل العلوم
أيضا من أجل بحث سبل تحويل الإعلان إلى
حقيقة واقعية والمعوقات التي تحول دون
ذلك.
-
قضايا الإعلام العلمي
وتبسيط العلوم: والتي تناولها عدد من
جلسات المنتدى موزعة على عدد من
المحاور:
- مزج الثقافات: تم تناول قضية
تجسير الفجوة بين الثقافة العامة
والثقافة العلمية ودور الروائيين في ذلك.
- العلوم والمجتمع: تمت مناقشة
قضية استقلالية الإعلام العلمي بين "البيزنس"
والرشوة، كما طرح موضوع "الإعلام
العلمي تحت الميكروسكوب" والذي حاول
الإجابة على أسئلة هامة مثل: أي نتائج
البحوث تستحق الاهتمام بها إخباريا؟ وهل
يمكن للإعلاميين العلميين أن يقوموا
بدور الزميل المراجع؟ وهل يستوعبون
الأمر حقا؟ وهل لديهم أي دور في الجدل
العلمي؟.
- وفي محور تشغيل العلوم: تمت
مناقشة جودة الإعلام العلمي، وهل هناك
حاجة إلى أساليب جديدة في الكتابة
الصحفية العلمية؟
* الجمعيات العلمية الأوروبية:
وقد تمت مناقشة دورها في جلسة من جلسات
تشغيل العلوم؛ لبحث دور تلك الجمعيات في
بناء إستراتيجية أوروبية للبحوث
العلمية، وكيفية تفعيل دورها في رسم
السياسات القومية في مجالي العلوم
والتعليم، ولعله لا يفوتنا في هذا المقام
أن نذكر دور إحدى أهم مفردات المنظومة
الأهلية الأوروبية للعلوم:
المؤسسة
الأوروبية للعلوم: وهي مؤسسة وقفية
أوروبية تأسست عام 1974 وتضم في عضويتها
الآن 78 منظمة للبحوث العلمية من 30 دولة
أوروبية تهدف إلى تطوير جودة البحوث
العلمية على المستوى الأوروبي، وإلى خلق
التعاون بين المنظمات الأعضاء وبين
المجتمع العلمي الأوربي عامة، وقد ساهمت
المنظمة عبر تاريخها في التنسيق لعدد من
المبادرات العلمية على مختلف المستويات
الأوروبية، ومن بين ذلك دعمها للمنتدى
الأوروبي المفتوح للعلوم.
نحن وهم.. والدور الأهلي
لعل نموذج وتجربة "يوروساينس"
وبعض أنشطته -والتي جرتنا إلى التجول في
بعض مفردات المنظومة الأهلية الأوروبية
للعلوم- يعيننا على النظر إلى الدور
المرتجى والغائب في آن واحد للمجتمع
العلمي الأهلي ومؤسساته ووقفياته في رسم
مستقبلنا والدفع بنهضتنا.. هذا إن أريد
لنا نهضة أو أريد أن يكون لنا مستقبل.
|