 |
|
مرضى القلب السود المستخدم الأول للأدوية المعتمدة على اختلاف الأعراق |
في غمار سعيها الحثيث وراء
المكاسب المادية تجتمع شركات الأدوية
الآن على تخليق "هتلر" جديد ينفث سموم
الإيمان بالتمييز الجيني في الصدور؛
ليشعل فتنة العنصرية من جديد، فيعلو بجنس
فوق الجميع ويبيد كل ما دونه.
هتلر هذا الزمن هو "الأدوية
المخصصة لأجناس بعينها" أو الـ "Race
Based Drugs"التي تقوم على أساس أن كل عرق -
الأبيض والأسود والأصفر... إلخ- يختلف عن
الآخر جينيًّا، حتى إن الأدوية التي تصلح
لأحدهم لا تصلح للآخر. وإذا صح هذا فـ"هتلر"
اليوم لن يحتاج إلى "محارق" فمجرد
تجاهل شركات الأدوية لأحد الأعراق فسيكون
كفيلاً بالقضاء عليه.
أول من فتح صندوق البانادورا هذا
كان دواء الهبوط القلبي "BiDil " والذي
زعم أنه للسود الأمريكيين الذي اعتمدته
إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA، وهي
الإدارة المسئولة عن اعتماد الأدوية
بالولايات المتحدة في يونيو 2005؛ ليكون
بذلك أول دواء لعرق معين.
وجاء اعتماده بهذا الشكل ليس
ليحقق أي نجاح علمي؛ لأن إنتاجه لم يستند
على أدلة علمية، بل على مؤشرات البورصة
وطول مدة حق الملكية.
من هنا كانت البداية
وكما
جاء في بحث "باميلا سانكار"،
المدرس المساعد بقسم أخلاقيات الطب
بجامعة بنسيلفانيا بالولايات المتحدة، و"جوناثان
كاهن" المدرس المساعد بكلية الحقوق
جامعة هاملايين بمينوسوتا بالولايات
المتحدة، والمصدق عليه من قبل المعهد
القومي لأبحاث الجينات، فقد بدأت القصة في
1980 عندما قامت إدارة شئون المحاربين
القدماء بدراسة تُدعى الـV-Heft، حيث وجدت أن
تناول دواء الهايدرالازين" hydralazine"
مع دواء الأيزوزوربايد isosorbide" " لهما
تأثير فعّال في علاج الهبوط القلبي، فكانت
تلك مكونات دواء جديد BiDil.
ثم جاء "جاي كوهين" قائد
اختصاصيي القلب بدراسة الـV-Heft ليطالب في
1987 إدارة الغذاء والدواء الأمريكية
بإعطائه حق ملكية فكرية لما يسمى بـ"تركيب
المكونات" لدواء الـBiDil، إلا أن الإدارة
قابلت طلبه بالرفض؛ لأن المركب لم يكن له
تأثير مختلف عن أخذ كل من دواء
الهايدرالازين مع دواء الأيزوزوربايد
بشكل منفصل.
واكتفت الإدارة بإعطائه حق ملكية
طريقة علاج والتي تعطي لمالكها الحق في
احتكار تسويق المركب لعلاج حالة بعينها
وهي هنا الهبوط القلبي، لكنها لا تعطيه
الحق في منع مصنعي الدواءين من إنتاجهما
وبيعهما كل على حدة، وذلك على أن ينتهي حق
تلك الملكية في 2007، هذا دونما أي ذكر
لمعالجة هذا الدواء لعرق معين.
أعطى كوهين حق الاستخدام لشركة
الأدوية ميدكو Medco التي أمضت التسعينيات
في عمل دراسات عن الدواء واستخراج ترخيص
إنتاجه من إدارة الغذاء والدواء للسماح
لها بتسويق BiDil لعلاج الهبوط القلبي. ولم
يكن أيضًا هذا الترخيص حكرًا لعلاج على
عرق معين هو الآخر.
لكن في مطلع 1997 رفضت الـFDA
التصريح لشركة ميدكو بإنتاج الدواء،
بالرغم من إقرار العديد من أعضاء لجنة
التقييم بفاعلية الدواء إكلينيكيًّا، لكن
الرفض كان بسبب فوضوية الإحصائيات التي
جعلت من الصعب على اللجنة الحكم عليها. إلى
جانب أن هذه الدراسة V-Heft أجريت منذ 20
عامًا، فلم يكن توثيقها يتفق مع المقاييس
الحالية للـFDA، وبذلك ماتت قضية دواء الـBiDil
وردت شركة ميدكو الملكية الفكرية لكوهين.
البحث في الدفاتر القديمة
 |
|
عقار Bidil |
وهنا فقط رجع كوهين وبيتر
كارسون، أحد اختصاصيي القلب المشاركين
بالدراسة، إلى وثائقها، وبدآ في تحليلها
اعتمادًا على العرق، على الرغم من أن
كارسون كان بالفعل قد حلل النتائج من قبل
اعتمادًا على العرق غير أنه لم يقدمها للـFDA؛
لأنه لم يجد هذا التحليل ذا رابط حقيقي مع
محتوى الدراسة.
لكن وفجأة أصبح العرق له صلة
بعدما وجد أنه الحل الوحيد لإحياء الـBiDil
تجاريًّا، خاصة أنه لو استطاع الحصول على
حقوق الملكية لاستخدام الدواء لعرق معين،
فسيمتد حق الملكية حتى عام 2020، أي سيمكن
الاستفادة منها 13 عامًا أزيد من حقوق
الملكية السابقة والتي تنتهي في 2007.
وبدأ كوهين عملية إحياء لدواء BiDil
في سبتمبر 1999 بكتابة
مقال بمساعدة كارسون ادعيا فيه أن هناك
اختلافًا كبيرًا بين استجابة مختلف
الأعراق لمركبي الهايدرالازين
والأيزوزوربايد؛ وذلك اعتمادًا على وجود
49 أمريكيًّا أسود ضمن العينة المختبرة.
وفي الشهر نفسه أعطى كوهين حقوق
ملكية الـBiDil لشركة الأدوية الأمريكية
نيترو ميد Nitro med`، وفي العام التالي قدم
كوهين وكارسون طلب براءة استخدام الدواء
لعرق معين لاستخدام مركبي الهايدرالازين
والأيزوزوربايد لعلاج الهبوط القلبي
للمرضى السود الأمريكيين.
أرسلت الـFDA في 2001 خطابًا لشركة
نيتروميد تعرب فيه عن موافقتها المطلقة
على اعتماد الدواء بهذا الشكل، لكن بعد أن
تقوم الشركة بدراسة على السود الأمريكيين.
وبمجرد وصول هذا الخطاب تغير الوضع المالي
لنيترو ميد كليًّا، واستطاعت جلب 34 مليون
دولار أمريكي للقيام بالدراسة المقترحة
التي أسمتها تجربة علاج الهبوط القلبي
للسود الأمريكيين.
وفي نوفمبر 2003 مع اقتراب ظهور
نتائج الدراسة طرحت الشركة 6 ملايين سهم
لتحصد بها 66 مليون دولار. ثم أعلنت نتائج
الدراسة التي جاء بها أن الـBiDil يخفض نسبة
حدوث الوفاة نتيجة للهبوط القلبي بنسبة 43%،
وخفض نسبة الاضطرار للجوء للمستشفيات بـ33%؛
لتتضاعف قيمة أسهم نيتروميد ثلاثة أضعاف!!
لتعلن الشركة اكتتابًا عامًّا جديدا على
أسهمها في ديسمبر 2004 فتحصد 80 مليون دولار،
وهو ما تخطى توقعاتها بـ15 مليون دولار.
وبذلك رسخت الشركة في الأذهان
فكرة الاختلاف الجيني الشديد بين الأجناس
وبتخصص دوائها في علاج السود فقط دون أن
تجري أبحاثًا على غيرهم؛ لأنها لو فعلت
لاتضح فعالية الدواء معهم، ولخسرت حقوق
الملكية الطويلة وطرح دواء الـBiDil بشكل
طبيعي في السوق ليتنافس مع الأدوية
المماثلة له، بل والدواءين المكون منهما
اللذين يفوقهما في السعر، ويفقد ميزته
التي تجعله يحتكر سوقًا بكرًا؛ سوق الهبوط
القلبي للسود الأمريكيين.
وماذا بعد؟
هذا الشكل من الأدوية سيدر
الكثير والكثير على شركات الأدوية؛ حيث
سيتم به تقسيم السوق الكبيرة إلى أسواق
أصغر تسهل فيها المنافسة، وتترك للشركات
حرية رفع سعر الدواء.
وتتجاهل الشركات حقيقة أن العرق
أصبح مصطلحًا اجتماعيًّا أكثر من كونه
بيولوجيًّا؛ بسبب عمليات التزاوج بين
الأجناس المختلفة حتى إن أكثر من ثلث
السود الأمريكيين يحملون جينات البيض
الأوروبيين.
ولو بدأت الشركات في العمل على
إنتاج هذه الأدوية فالطبيعي أنه سوف يتم
تحديد خصائص جينية معينة للأشخاص الذين
سوف تتم عليهم تجارب اختبار الدواء، وبذلك
يتم تضييق مجال الاختلاف الجيني بينهم؛
وهو ما سيؤدي إلى عدم ظهور الأعراض
الجانبية للدواء في أثناء الاختبار
لنفاجأ بها عند بدء استخدام باقي المرضى
له.
كما أنه من الممكن أن يؤدي هذا
إلى انتشار الأحكام على أجناس بأنها قابلة
للإصابة بأمراض أكثر من أجناس أخرى أو أن
الحالات بها تكون أكثر صعوبة في العلاج؛
وهو ما سيؤدي إلى زيادة التفرقة العنصرية
في مجالات عدة خاصة مجال التوظيف والتأمين
الصحي؛ حيث سيصعب التأمين على الأعراق
التي يحكم عليها بهذا، ولكن هل هذا سيؤدي
إلى تهرب المرضى من الاشتراك في اختبارات
الأدوية حتى لا يوصم عرقهم بهذا العار؟
وهل هذا سيؤدي إلى عدم إمكانية إجرائها أو
فقرها وعدم دقتها؟.
إن كانت بداية هذا النوع من
الأدوية خصصت للسود الأمريكيين فهذا كان
للظروف السابق ذكرها، ولكن ماذا سيكون
الوضع عندما تسود هذه الموجة.. هل ستضحي
شركات الأدوية بالمكاسب التي يمكن أن تحصل
عليها لو أنتجت أدوية للجنس الأبيض الأكثر
ثراء ورفاهية؛ لتبذل المال والجهد لإنتاج
أدوية للسود الذين بالفعل يعانون من الفقر
والإهمال الطبي؟ وهل ستلاقي الأقليات
المهمشة مثل الهنود الحمر، وسكان ألاسكا،
وسكان هاواي المصير نفسه؟ وماذا سيكون
مصير أعراق مثل الغجر، وأقليات شمال
روسيا، وسكان أستراليا والدول
الإسكندنافية الأصليين؟ ولا حاجة لذكر
أجناس القارة السوداء التي أنهكها المرض.
من المتوقع أن تضرب شركات
الأدوية بكل هذه التحفظات عرض الحائط
جريًا وراء مصالحها، وتمطرنا بأنواع شتى
من هذه الشاكلة من الأدوية؛ لتزكي فينا
الإحساس بالاختلاف؛ فبالفعل بدأت بعض
الشركات مواكبة هذا الركب الجديد مثل شركة
Genspec
التي أنتجت أقراصًا للحمية على حسب العرق،
وأتبعته بإنشاء خط إنتاج فيتامينات عرقية
في إبريل 2006، والتي
كما جاء في الواشنطن بوست لم يجد لها
العلماء أي داع، بجانب تشكيكهم في صحة
الدراسات المعتمدة عليها.
|