|
إن
الفضيلة هي خلق الكمال للآحاد، وهي
درع الوقاية للجماعات. وكما يتصف
الفرد بالخلق الكامل، يتصف المجتمع
بالخلق الفاضل. وإن الفاضل من الأشخاص
هو من لا يظهر منه إلا الخير، ولا يبدو
منه شر، فلا يعلن منكرًا، ولا يخفي
معروفًا، فلا يعلن منكرًا، ولا يخفي
معروفًا، إلا إذا تقاضته الأخلاق،
وأوجبته المروءة. وإن الله يستر على
كل عبد ستر ما لا يحسن إعلانه، حتى
يتوب إليه، وينيب إلى ربه الغفور
الرحيم. وكذلك الفاضل من المجتمعات
ليس هو الذي لا يقع فيه الشر، ولكن
تنزوي فيه الجرائم، فلا تظهر، ويختفي
فيه الأشرار، فلا يعلنون شرهم. فحيث
اختفت الجرائم والمعاصي من سطح
المجتمع، ولم يعلنها الذين يقومون
بها، فالمجتمع فاضل؛ لأن اختفاء
الرذائل يميتها، أو يضعف صوتها فلا
تسمع، ولا تجد سبيل الدعاية إليها.
فلا
تقاس المجتمعات الفاضلة بعدد الفضلاء
فيها، وقلة عدد الأشرار فقط، بل إن
المقياس للفضيلة في المجتمعات هو
ظهور الرذائل عارية مكشوفة، أو
اختفاؤها، فإن اختفت الرذائل مهما
يكن مقدارها، وظهرت الفضائل معلمة
معلنة، فإن المجتمع فاضل، لأنه لا
يظهر على سطحه إلى الخير، ويختفي فيه
الشر، لأن الإعلان والظهور دعاية لما
يعلن ويظهر، وتكرار الظهور للمنكر
يجعل النفس تألفه، وإذا ألفته فعلته!.
وإننا
نرى أممًا تحرص على سلامة المظهر، في
الرأي العام، فلا يظهر فيه إلا الخير،
وتترك الناس في حياتهم الشخصية
يفعلون ما يشاءون، تاركين ذلك
لمراقبة ضمائرهم، ووجداناتهم
الخلقية. أما المظهر العام للمجتمع،
فإنها تتولاه، وتحرص على ألا يظهر فيه
إلا الخير، لأن الرأي العام تحت
سلطانها، أما ما وراءه فهو لا يكون لا
بالتنقيب والتجسس، فلا يتجهون إليه،
وكأنهم يعملون بقوله تعالى: "يأيها
الذين آمنوا، اجتنبوا كثيرًا من
الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا،
ولا يغتب بعضكم بعضًا".
الشر
العاري
وإن
ظهور الشر عاريًا مكشوفًا، يجعل
المجتمع غير فاضل، على هذا الأساس،
فإذا كانت الصور العارية تظهر في
الصحف والنشرات والمجلات، والأغاني
المائعة تسمع، والراقصات الخليعة ترى
في دور الخيّالة، وتنتقل إلى النساء
في أخدارهن، في الإذاعة المرئية،
والمجاهرة بالمعاصي تعلن، والتهجم
على المعاني الروحية ينشر، إذا كان كل
ذلك، فإن المجتمع لا يكون فاضلاً، ولو
كثر عدد الفضلاء في ذات المجتمع،
لأنهم وإن كثروا لا يظهرون، والشر إن
قل يظهر ويلج في الظهور!! وإذا كان
الحق أبلج نيرًا، فلجلجة الباطل تخفي
نوره، وتستر ضوءه!.
ولذلك
كان الإسلام حريصًا على أن تختفي
الرذائل، ولا تظهر على السطح، لأنه لا
يفيض على الناس عميق الماء، إنما يفيض
عليهم سطحه، ولقد كان النبي -صلى الله
عليه وسلم- يعتبر أبعد الناس عن الله
المجاهرين بالمعاصي، فقد قال صلى
الله عليه وسلم: "إن من أبعد الناس
عن الله منازل يوم القيامة،
المجاهرين"، قيل: ومن هم يا رسول
الله؟ قال: "ذلك الذي يعمل عملاً،
وقد ستره الله عليه، فيصبح يقول: فعلت
كذا وكذا، يكشف ستر الله"!. وقد روى
الشافعي في كتابه "الأم" أن
النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "أيها
الناس، من ارتكب شيئًا من هذه
القاذورات فاستتر، فهو في ستر الله،
ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد"،
فالحدود الإسلامية الرادعة القامعة
كانت في أكثر أحوالها للمحافظة على
مظهر المجتمع، بحيث يكون فاضلاً، لأن
هذه صورة المجتمع الفاضل؛ إذ أنه كلما
ظهرت الرذائل تفاقم الشر. وسهل
ارتكابه، وبمقدار ظهور الجرائم يكون
اختفاء الفضائل، فمثلهما كمثل جيد
النقود، وزيوفها، أو رديئها ، فإذا
ظهر الزيف أو الرديء، اختفى الجيد،
وامتنع عن الظهور، وإذا كان شيوع
الزيف يفسد الاقتصاد فينهوي، فشيوع
الرذائل أو ظهورها يفسد المجتمع
فينحل.
أمتنا
بخير...ولكن
إننا
نرى الآن معاصي تظهر، وفضائل تغمر،
وأقوالاً باطلة تعلن، وأقوالاً طيبة
تخفت!! وليس معنى ذلك أن أهل الحق
قليل، وأهل الباطل كثير، بل إن الأمة
المحمدية مازالت بخير والحمد لله،
ولكن الذي يظهر على السطح هو الباطل،
ونخشى على بعض الناس من أن يستمرئوه،
وعلى ضعفاء النفوس من أن يستحبوه!.
ولقد
وجدنا بعض المستكرهات كانت إذا ظهرت
بين الناس لاقت استنكارًا، فلما كثر
ظهورها قل استنكارها شيئًا فشيئًا،
حتى صار بعض الناس ينظر إليها كأنها
أمر معروف غير منكر؛ إذ إن كثرة
رؤيتها ألفت بينها وبين المستنكرين
لها رويدًا رويدًا، وإذا لم يفعلوها،
فإنهم لم ينكروها، والفرق بين
المرتبتين ليس كبيرًا.
وإن
كثرة ظهور الشر تجعل أهل الحق في يأس
من تغييره، وإذا كان اليأس من
التغيير، فإن الشر تثبت أركانه،
وتقوى دعائمه، ومهما يكن مقدار غرسه
قليلاً، فإن بقاءه ضرر لا شك فيه.
ولقد
حرص الإسلام على التحلي بخلق الحياء،
لكيلا يظهر الشر، فإن الحياء خلق
اجتماعي يجعل الشخص يحس بالأعين
الناقدة الفاحصة، والأقوال اللائمة
المقومة، فإذا أحس ذلك الإحساس لا
يكون منه إلا الخير، أو لا يظهر منه ما
يستكرهه الناس ولا يحبونه. واعتبره
النبي خلق الإسلام، فقال: "لكل دين
خلق، وخلق الإسلام الحياء"، لأن
الإسلام يريد مجتمعًا فاضلاً، لا
يظهر فيه إلا الخير، فلا يكون فيه
تحريض على الرذائل بإعلانها، ولا
دعوة إليها بإفشائها، ولا تسهيل لها
عند ذوي القلوب المريضة، والنفوس
المأفونة، فيكون الشر منزويًا، وفي
انزوائه في الظلام يقتل أو يذبل، أو
لا يشيع.
دعوات
هدامة
لقد
وجدنا في مجتمعنا العربي أو الإسلامي
الفضل كثيرًا، والخير ليس بقليل،
والشر ليس كثيرًا، بل هو قليل بحمد
الله تعالى، ولكنا نجده في بعض البلاد
العربية مستطيرًا، كنار صغيرة،
ولكنها تستطير!! لقد وجدنا في هذه
البلاد دعوات هدامة عنيفة، وصرخات
صاخبة تُحسِّن القبيح، وتقبح الحسن،
وتستنكر المعروف وتقر المنكر!! حتى
أصبح الداعي إلى الحق المتمسك به،
يذهب صوته وسط ضجات الباطل، وإذا حاول
أن يُسمع صوته اتجهت إليه لائمة
القول، كأنه يأتي منكرًا، أو يقول
زورًا!! وهكذا ضلت النفوس الطالبة
للحق وسط تلك الصيحات، وإن لم تستمع
إليها، أو تذعن لها، بل الوجدان
الديني يقاوم ويهدي!!
إن
الناطق بالحق والمعروف يحس بصعوبة
شديدة في إسماع صوته، بل إنه ليتردد،
قبل النطق، حتى لا تنتهب كرامته تلك
الأقلام القارضة للفضائل، المثيرة
لأقبح الرذائل! وإنه للجاجة الباطل،
صار الناطق بالحق يوصف بالجرأة
والتضحية، إذ يتعرض للأذى فداء لقوله
الحق!.
ولنضرب
لذلك مثلاً: لقد صاح ناطق بالحق
مستنكرًا ثياب النساء، فتناشته
الأقلام، وأخذ اللاهون يستهزئون
بقوله، ويحاولون أن يجعلوا شخصه
هزوًا وسخرية!! ولا شك أن غيره ممن
يرون رأيه، أو يحاولون أن ينطقوا بمثل
قوله، سيترددون في القول، ويجمجمون
ولا يتكلمون، وتضيق صدورهم حرجًا،
ولا ينفسون عنها، وبذلك يخفت قول
الحق، ولا يسمع الناس إلا باطلاً!..
حرية
متوازنة
وإن
المجتمع الفاضل يجب أن تتوازن فيه كل
القوى، فلا تطغى قوة على قوة، وخصوصًا
إذا كانت إحداهما باغية لا تريد
الخير، ولا تحتسبه. ولكي تكون القوى
متوازنة، يجب أن تكون الحريات كلها
متلاقية متجهة نحو البناء، ونحو
تثبيت الدعائم: فحرية القول يجب أن
تكون في دائرة متزنة، لا يضيق فيها
القول في جانب ويتسع في جانب، فلا
يكون لأحد الفريقين الانطلاق، وللآخر
الانزواء، وإنه إن كان الانطلاق في
جانب كان التقييد في جانب. فإذا ترك
لذي الهوى أن يقول في الدعاة إلى
الفضائل ما شاءوا أن يقولوا، من غير
حريجة خلقية أو دينية أو اجتماعية،
فإن هؤلاء سوف يحجمون عن كلمة الحق،
وعن رأيهم الذي يجب أن يعلن ويقال!
وإذا كان الذين يعملون الشر يعلنونه
بكل أنواعه، ومن ينقدهم لا ينشر قوله،
وإن وجد مجلة دينية محدودة النشر، أو
ألقى رأيه في محاضرة يقل حاضروها، فإن
اللذعات تنتابه من كل جانب ويكون
سخرية!! إنه في هذه الحال لا يكون
توازن ولا تكافؤ في قوى الدف، فالشر
قد أُعطى كل القوى، والخير قد سُلب كل
القوى، وبذلك يكون قانون التنازع بين
الخير والشر، ليبقى الأصلح منهما،
غير قائم ولا ثابت، بل تكون كل القوى
للشر!
الأفهام
ولجاجة الباطل
إنه
بسبب لجاجة الباطل، واستمرار الغاوين
في إعلانه، قد ضلت أفهام بعض الشباب،
حتى ظنوا في الحقائق الظنون، وذهب
منطق الحق من بعضهم!! إننا نسمع كل يوم
تقديرًا للمغنين، والراقصين،
وغيرهم، حتى وجدنا رجال العلم لا
ينالون عشر ما يناله رجال الغناء
والرقص بكل ضروبه من تقدير! بل لقد
وجدنا في إحدى السنين القريبة،
الجائزة التقديرية للدولة تعطي في
أقصاها لمن عملوا عشرات السنين
خمسمائة وألفي جنيه، وتعطي في هذه
السنة نفسها راقصة أو مخرجة أو نحو
ذلك أحد عشر ألف جنيه تقديرًا
لإخراجها رواية واحدة!!...
لا
شك بعد هذا النظر أنه يمكننا أن نقول
إن مجتمعنا فاضل!! وإن الأخلاق هي قوة
الأمم، والسيوف وحدها لا تكون قوة
الأمة، بل لا بد معها من قوة الأخلاق،
وهي ميزان الأمم، وهي التي بها ترتفع
وتنخفض، ولقد قال -صلى الله عليه وسلم-
في دعائه: "اللهمّ جنبني منكرات
الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء".
وها نحن أولاء ندعو بدعاء النبي فنقول:
اللهمّ جنبا وقومنا منكرات الأخلاق
والأهواء، إنك سميع الدعاء.
"هؤلاء
رحلوا عنا "رحمهم الله" ولكن بقي
علمهم بيننا ومضات على الطريق"
|