|
دخل
خالد حجرته، وقد رنّت مقولة المدرس في
أذنيه: "يا أولاد، انقلوا الخرائط
ولا تشفوها".
فتح
خالد حقيبته، وأخرج الكتاب، وتساءل
في نفسه: "جميع الخرائط أنقلها نقل
مسطرة، إلا هذه؛ فإنه لا ينفع معها
إلا الشفّ؛ لكي أرسمها بالمللي،
فالمللي الواحد يتصارع حوله الكثيرون
منذ قديم الزمان".
وبهدوء
ثبَّت خالد بصره على الخريطة.. أحكم
وضع ورقة الشفاف عليها.. حدد نقطة
البداية، وانطلق بسن قلمه الرصاص حول
الخريطة.. كم كان حريصًا على أن يشفها
بمهارة فائقة، وهو يسير بقلمه فوق
نتوءات وتعرجات الخريطة.. وبتركيز
شديد فرغ خالد من الشف.
لمحته
أمه بعدها مستغرقًا في التفكير،
فاقتربت منه قائلة: "ماذا ترسم يا
بني؟".
قدم
خالد لها الرسمة قائلاً: "خَمِّني
يا أمي ماذا تكون؟" قالت: "أظنها
فتحة لقميص، ولكن أين الرقبة
والزراير يا خالد؟".
رد
خالد بتأثر: "نعم، قد سُلب منها
الكثير، ولكني أرسم بلدًا".
نظرت
الأم بتركيز هذه المرة، ثم قالت: "دلتا
مصر".
قال:
"اقتربت".
قالت:
"شبه جزيرة سيناء".
هزَّ
خالد رأسه بالنفي.
صمتت
الأم لحظات، ثم ذرف الدمع من عينيها
قائلة: "لقد عرفتها، ولكن لماذا
رسمتها صماء؟ أين البلاد؟ وأين
الحاصلات؟ وأين الثروات؟ بل أين
القدس يا خالد على الخريطة؟".
وهنا
لمعت في عين خالد دمعة، وقال بصوت
متحشرج: "هي في القلب يا أمي"..
أمسكت
الأم بكتفيه قائلة: "إذن فلن تضيع".
|