|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
(بمناسبة ذكرى صدوره: 4 رمضان 1341هـ ) إعداد: مصطفى عاشور
كان المناخ السياسي في مصر في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى مناخًا ثوريًا يتوق إلى الاستقلال والحرية، وتجلت آثاره في ثورة 1919، التي رفعت شعار "الاستقلال التام أو الموت الزؤام"، وقام الشعب المصري بثورة عارمة من أقصى البلاد إلى أدناها، زاد من عنفوانها نفي الإنجليز لزعيمها سعد زغلول إلى خارج البلاد. وأمام هذا الطوفان البشري الثائر لم تجد السلطة الفعلية في مصر -وهي الإنجليز- إلا إصدار تصريح (1 رجب 1340هـ = 28 فبراير 1922م) الذي اعترف باستقلال مصر، وإنهاء الحماية البريطانية، مع وجود تحفظات أربعة على هذا الاستقلال تمثلت في: حق بريطانيا في التدخل في شؤون مصر للدفاع عنها، وتأمين مواصلاتها، وحماية المصالح الأجنبية والأقليات، والسودان، وبذلك جردت هذه التحفظات الاستقلال من مضمونه، وأخذ الإنجليز بيدهم اليسرى ما قدموه بيدهم الأخرى، وكان التصريح في جوهره صيغة سياسية جديدة للوجود البريطاني في مصر والتدخل في شؤونها، وقد حرص الإنجليز على ألا تستبد قوة واحدة بالسلطة في مصر حتى ولو كانت هذه القوة حليفة لهم؛ وذلك مخافة أن تنافسهم هذه القوة على السلطة لمصلحتها الذاتية. الأحرار الدستوريون نشأ حزب "الأحرار الدستوريون" في (صفر 1341هـ = أكتوبر 1922م) برئاسة عدلي يكن، وكان يمثل طبقة كبار الملاك المصريين الراغبين في المشاركة في الحكم مع القصر، وقد انسلخ هؤلاء عن الوفد أثناء المفاوضات مع الإنجليز، فيما عُرف بالانقسام بين السعديين (نسبة إلى سعد زغلول) والعدليين (نسبة إلى عدلي يكن)، وسعى هؤلاء لتأكيد سلطة الأمة بين السلطة الشرعية ويمثلها الخديوي، والسلطة الفعلية ويمثلها الإنجليز، ورأى الأحرار الدستوريون في أنفسهم أنهم الجديرون بالمشاركة في الحكم، دون أن يمتد طموحهم السياسي للسيطرة الكاملة على السلطة. وكان غالبية قادة هذا الحزب متأثرين بالأفكار الحضارية الغربية، مع تمرسهم في العمل السياسي، وروابطهم القوية بجهاز الدولة الإداري وعلاقاتهم بالإنجليز، هذه الأمور جعلتهم يعتقدون أنهم هم الممثلون الطبيعيون للأمة المصرية دون منازع، ورأوا في الوفد وقيادته للحركة الوطنية مجرد عارض بالنسبة لهم لا يلبث أن يزول أمام أصالتهم وعراقتهم ونضوجهم السياسي، ورأوا أن ثورة 1919 وزعيمها سعد زغلول ما هي إلا إثارة شعبية لا تلبث إلا أن تهدأ، وأن المظاهرات الشعبية ستتوقف مع الوقت، فاتبعوا -بالاتفاق مع الإنجليز- ما يضمن هذه النتيجة، فنُفِي سعد زغلول، واعتقل ساسة الوفد، وقيدت الحريات، وشكلت وزارة برئاسة عبد الخالق ثروت، قامت بتشكيل لجنة لوضع الدستور الجديد. لجنة الثلاثين "الأشقياء" شكل عبد الخالق ثروت لجنة من ثلاثين عضوًا لوضع الدستور، اختير أعضاؤها من الجمعية التشريعية التي نشأت في عهد الاحتلال سنة (1332هـ = 1913م) ومن عدد من الأعيان، فكانت اللجنة منقسمة بين أتباع القصر والاحتلال والأعيان المصريين. أما الوفد فقد هاجم هذه اللجنة وقاطعها رافضًا الاشتراك فيها، وأسماها سعد زغلول "لجنة الأشقياء"، وطالب الوفد بتكوين جمعية تأسيسية منتخبة تضع الدستور، ورفض الوطنيون وقتها طريقة إعداد الدستور بواسطة لجنة يعينها الملك، ورفضوا المبدأ النظري الذي سيقوم على أساسه الدستور الجديد، وهو كونه مِنحة من الملك، أو كونه عقدًا بين الملك والأمة الممثلة في أعيانها، وطالب هؤلاء الوطنيون أن يعد الدستور جمعية وطنية منتخبة، وأن يكون المبدأ الذي يقوم على أساسه هو كونه حقًا للشعب لا منحة من أحد، ولا عقدًا مع أحد. كانت اليد الطولى في إعداد الدستور لحزب الأحرار الدستوريين الذي كان منه غالبية أعضاء لجنة الثلاثين، وبدأت الخلافات تظهر بين رجال الملك المطالبين بزيادة سلطاته بدعوى كبح جماح الأهواء الحزبية من جهة، ورجال الأمة (الأحرار الدستوريين) المطالبين بإقرار المبدأ الأساسي: أن الأمة مصدر السلطات، من جهة أخرى، وترتب على هذه الرؤى المتباينة صياغة أحكام الدستور ومؤسساته والعلاقة بين هذه المؤسسات على أساس التسليم بالوجود السياسي للملك، والاعتراف بالوجود السياسي للأمة، وبذلك قامت الازدواجية في الشرعية الدستورية بين هاتين القوتين. واستفادت لجنة الثلاثين في إعدادها للدستور من دساتير عدد من الدول الأوروبية، وبخاصة الدستور البلجيكي. ثلاث وزارات ودستور واحد أعلنت وزارة يحيى إبراهيم الدستور في (4 من رمضان 1341هـ = 19 إبريل 1923م)، وكانت ثالث وزارة تداولت إعداده، كانت الأولى هي وزارة عبد الخالق ثروت التي ألفت لجنة الثلاثين، فلما اختلف معها الملك حول سلطاته، جاء بتوفيق نسيم ليحقق بعض رغباته ورغبات الإنجليز، ثم جاءت وزارة يحيى إبراهيم الذي صرّح عقب توليه الوزارة أنه يعتمد على تأييد المندوب السامي البريطاني، ومهدت هذه الوزارة لعمل الدستور؛ إذ نصت إحدى مواد هذا الدستور ألا يعمل به إلا من تاريخ انعقاد البرلمان. وأصدرت هذه الوزارة قانون الانتخابات فجعلته على درجتين، فكان كل ثلاثين ناخبًا يختارون مندوبًا عنهم ينتخِب عضوًا بمجلس النواب، وكان الهدف من ذلك محاصرة حزب الوفد بحيث يكون بين المرشحين والجماهير مصفاة يسهل التأثير عليها، بالإضافة إلى ذلك أصدر القصر حركة تعيينات واسعة في الوظائف الإدارية العليا لإحكام قبضته على جهاز الحكم، وزاد من مزايا الموظفين، وصدرت بعض القوانين التي تقيد الاجتماعات والمظاهرات، ثم فُرضت الأحكام العرفية ورغم ذلك خاضت الحركة الوطنية المتمثلة في الوفد الانتخابات ضد الأحرار الدستوريين رافعة شعار "الإخلاص فوق الكفاءة"، وحصل الوفد على 90% من مقاعد البرلمان في (جمادى الآخرة 1342هـ = يناير 1924م). الدستور بين الاستبداد والديمقراطية المعروف أن المسألة الأساسية التي يناقشها ويعالجها الدستور هي مسألة السلطة، وتحديدا: لمن تكون السلطة السياسية في حكم المجتمع، ويعد صدور 1923 مرحلة جديدة من مراحل المسيرة السياسية للمجتمع المصري، وانتقالاً من مرحلة سيادة الحكم الفردي المطلق إلى مرحلة الحكم الدستوري، وكانت أهم نصوصه أن جميع السلطات مصدرها الأمة، فكان هذا النص مكسبًا شعبيًا كبيرًا، حاول الملك حذفه بواسطة حكومة توفيق نسيم لكنه تراجع عن ذلك. ونص الدستور على تكوين برلمان من مجلسين، مجلس النواب وهو منتخب، أما مجلس الشيوخ فمعين، وأقر الدستور مبدأ مسؤولية الوزارة أمام البرلمان، وحق البرلمان في سحب الثقة منها، وكان هذا تطورًا خطيرًا في تحديد نظام الحكم ومؤسساته. وأعطى هذا الدستور عددًا من الحقوق العامة وضمانات الحريات للمصريين، وأقر مبدأ حرية الصحافة والاجتماع، وتبنى هذا الدستور نظرية الفصل بين السلطات، غير أنه لم يحسم المسألة الأساسية وهي: لمن تكون السلطة؟ فأتت أحكامه ونصوصه صيغة للتصالح، وفي ذات الوقت صيغة للصراع في المستقبل. وكان قطبا الصراع في هذه المؤسسات: الملك ومجلس النواب، حكم الملك وحكم الأمة، الاستبداد والديمقراطية، وقد جمعهما دستور واحد فأعطى الدستور الملك حقوقًا أبرزها حل مجلس النواب، وتأجيل انعقاد البرلمان، وعزل وتولية الموظفين وإعلان الأحكام العرفية، وتعيين الوزراء وإقالتهم، وبذلك تناقض مع مبدأ أن المَلِك يسود ولا يحكم، ورأى البعض في هذه الحقوق الدستورية للملك اعترافًا بجميل الملك في منح الدستور للأمة. أما الإنجليز فلم يكن نفوذهم بعيدًا عن إعداد الدستور، وذكر سعد زغلول: "أن في صلب الدستور كلمات لا تزال مكتوبة بخط موظف إنجليزي في دار الحماية". وبذلك كان دستور 1923 صيغة منظمة للصراع بين الأمة والملك وليس اتفاق مصالحة، فما يكسبه أي من الطرفين المتصارعين إنما يكون أخذًا من الآخر، فقد خول الدستور الملك عددًا من السلطات، ثم وازنها بأن خول الوزارة المؤيدة من البرلمان إمكانية احتواء سلطات الملك وترك الدستور للمستقبل حسم نتيجة هذا الصراع، وكان تاريخ الأعوام الثلاثين التالية على إعلان الدستور هو تاريخ الصراع حول هذه المسألة. مكسب ديمقراطي وقد صار دستور 1923 مكسبًا ديمقراطيًا، رغم الطريقة التي ولد بها، فلم تقاطعه الحركة الوطنية وعلى رأسها الوفد، وكان في استطاعة هذا الحزب الجماهيري أن يقاطع تطبيق الدستور، والانتخابات التي تجري على أساسه، فيتحول الدستور إلى قصاصة ورق، كما أن الحزب الوطني لم يمنع أعضاءه من الترشح في الانتخابات على مقتضاه، بما يعني رضاءهم به كصيغة للنشاط الوطني والديمقراطي. وكان الملك والإنجليز والأحرار الدستوريون أول من انتكس على الدستور؛ لذا صارت حمايته وضمان العمل به وبأحكامه بعض شعارات الحركة الوطنية الديمقراطية، وما أكثر ما قامت المظاهرات الوطنية التي تطالب بحمايته من عبث العابثين، فعقب انتصار الوفد في انتخابات (1344هـ = 1925م) جرت محاولات الملك لتحطيم الدستور، فبدأ بحل مجلس النواب الجديد مخالفًا للدستور الذي يمنع تكرار حل المجلس لذات السبب، ولم يعترف البرلمان بهذا الحل، واجتمع عام (1345هـ = 1926م) مقررًا سحب الثقة من الحكومة وإسقاطها، وبذلك اصطدمت مؤسسات الدستور بعضها ببعض، فالبرلمان أسقط الوزارة وأهدر شرعيتها، والوزارة أسقطت البرلمان وأهدرت شرعيته، غير أن ائتلاف الوفد مع الأحرار الدستوريين أدى إلى إجراء انتخابات ثالثة، وأمكن تجاوز هذه الأزمة. محاولات تحطيم الدستور وجاءت المحاولة الثانية لتحطيم الدستور سنة (1347هـ = 1928م) عندما أوقفت حكومة الأحرار الدستوريين الحياة النيابية وألغت البرلمان، واستمر ذلك حتى (جمادى الأولى 1348هـ = أكتوبر 1929م)، وعندما تولى إسماعيل صدقي رئاسة الوزارة ألغى الدستور سنة (1349هـ = 1930م)، ووضع دستورًا آخر يطلق للملك سلطاته، واستمر هذا الإلغاء خمس سنوات قاطع خلالها الوفد الانتخابات ولم يدخل البرلمان. وأمام الضغط الشعبي العنيف اضطر الملك إلى العودة إلى دستور 1923، وعدل عن سعيه في تحطيم الدستور، والتمس سبيلاً آخر للالتفاف عليه تمثل في إعادة توزيع الدوائر تفتيتًا لأصوات الخصوم وتجميعًا لأصوات المؤيدين، واستخدم التزوير، واستبدال صناديق الانتخابات، وبذلك اصطنعت أغلبية برلمانية لبعض القوى السياسية بوسائل غير شرعية، وصلت إلى حد الإقصاء شبه الكامل لقوة المعارضة. وكان هذا هو البديل عن تحطيم الدستور، لكنه كان بديلاً أهدر موازين العمل الدستوري، وأصبحت مقاطعة الانتخابات تقليدا متكررا في الحياة السياسية في تلك الفترة، وبذلك انتفت المعارضة البرلمانية الحقيقية، وظهر البون الشاسع بين ما يجري في البرلمان سنة (1365هـ = 1945م) وما يموج به الشارع السياسي من اضطراب وقلق ومظاهرات قادتها جماعات لم تكن موجودة أثناء وضع الدستور، فأصبح الإخوان المسلمون قوة ذات ثقل جماهيري، وشكل الشيوعيون خطرًا في بعض صفوف الجماهير وبخاصة طبقة العمال، واستقطبت حركة مصر الفتاة قطاعًا كبيرًا من الشباب. وجميع هذه القوى السياسية غير برلمانية، تطرح أهدافًا تتخطى النظام السياسي والاجتماعي القائم، وتتبع أساليب للحركة والعمل السياسي تتجاوز المؤسسات الدستورية الموجودة، ومن ذلك يمكن القول بوجود شبه انفصال بين المعارضة السياسية خارج البرلمان والمعارضة البرلمانية، وكان هذا الشرخ هو علامة التصدع في النظام السياسي والدستوري القائم بعدما فشل النظام القائم في استيعاب الكتلة الأساسية من المعارضة. وبعد قيام ثورة يوليو 1952 تغير النظام السياسي في مصر تغيرًا كاملاً، فألغي النظام الحزبي وصفيت الأحزاب القائمة، وألغي دستور 1923 رسميًا في (21 ربيع أول 1372هـ= 10 ديسمبر 1952م) بعدما أنهي عهد الوزارات الإدارية، وأوجد أول وزارة سياسية شعبية في مصر، وهو ما عرف بتسيس الوزارة. من مصادر الدراسة:
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||