|
الاتحاد
والالتئام حياة للهيئة الاجتماعية،
به قوامها، ومحور لسعادتها الصورية
والمعنوية، عليه مدارها، إن الاتحاد
والالتئام في الأمة كالفصل المقوم في
الهيئة النوعية، فمن شذَّ عن الاتحاد
من أفراد الأمة يُعَدُّ خارجًا منها،
وينبغي أن يحرم من حقوقها، كما أن
فاقد القوة الناطقة من آحاد النوع
الإنساني يُعَدُّ مُنْسَلاًّ من
الإنسانية لاحقًا بالعجماوات،
الاتحاد والالتئام في المجتمع
الإنساني كالجذب والانجذاب في العالم
العنصري من حيث التكوين والانتظام.
أمران
هامان
أما
الأول: فكما أن الله تعالى فتق
رَتْق الهباء الأول بناموس الجاذبية
العامة وسوَّى منه الأجرام السماوية
والكرة الأرضية؛ ولولا ذلك لكانت
هباء مُنبثًّا، كذلك يؤلف الله تعالى
الأمم والدول بناموس الاتحاد
والالتئام العام، ولولا ذلك لسعى كل
شخص في محيط نفسه فلا يكون إلا هنيهة
حتى تنقرض الأمة ويُمحى اسمها من لوح
الوجود، وبمقتضى هذا الناموس يُفْهمُ
سرُّ "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي
الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ
النَّاسَ جَمِيْعًا وَمَنْ
أَحْيَاهَا فَكَأنَّمَا أَحْيَا
النَّاسَ جَمِيعًا"، ويجدر أن
يُسَمَّى العامل أي عمل ينفع الناس
خادم الإنسانية، والجاني على أي فرد
من أفرادهم جانيًا على الآدمية،
وبهذا الاعتبار يتبين أن العالم
والحاكم والزارع والصانع والتاجر
والناظر كلهم أكفاء وفي درجة واحدة
وإن كانوا يتفاضلون باعتبار آخر.
وأما
الثاني: فكما أنه بمقتضى
الجاذبية ثبت كل كوكب في مركزه،
وحُفِظَت النسبة بينه وبين سائر
الكواكب بتقدير العليم الحكيم، كذلك
بمقتضى الاتحاد والالتئام يقوم كل
فرد من أفراد الأمة بالعمل الذي
يُحْسِنه ويحفظ النسبة بينه وبين
سائر أفراد الأمة من الحقوق
والواجبات التي تأمر بها الشريعة
العادلة "صُنْعَ اللهِ الَّذِي
أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ"، فلو نزع
روح الاتحاد والالتئام من نفوس الناس
لرُزِئوا باختصام واصطدام كما تتصادم
أجرام الكواكب لو فقد منها الارتباط
الإلهي المُعبَّر عنه بالجاذبية،
ولظلوا في مباغضة ومناصبة ومنهاضة
ومواثبة؛ حتى يأذن الله تعالى
بانقراضهم وما ذلك من الظالمين ببعيد.
فضيلة
الاتحاد
فضيلة
الاتحاد والالتئام والوفاق والوئام
هي أقدس السجايا وأنفس المزايا،
رغيبة تنبعث عن المحبة والألفة،
وتبعث على القيام بالمصالح العامة مع
الاتصاف بالأخلاق الفاضلة، وتلك غاية
الغايات المشار إليها بحديث بعثت
لأتمم مكارم الأخلاق.
لا
جرم أن صدق المحبة والألفة للناس
الكافل لحصول الغرض المطلوب لا يتأتى
إلا بعد شعور المرء بأن مجموع الأمة
كالشخص الواحد، وأن كل صنف من أصناف
العاملين فيها كعضو رئيسي في البنية
الشخصية، وأن تفاوت الأصناف في
المظاهر والرتب في النظر العام لا
يخرجهم عن كونهم أكفاء متساوين في
المزية تجاه الهيئة الاجتماعية، كما
أن تفاوت الأعضاء الوضعي في تركيب
البنية لا يوجب تفضيل العينين على
القدمين بالنسبة للمصالح الشخصية
لعلو تِينك وتَسَفُّل هاتِين؛ لأن
الكمال الاجتماعي والشخصي وإبراز
مزاياهما متوقف على كلا الأمرين على
السواء. ولا التفات لأهل البطالة
المتكبرين بالأوهام حيث يحتقرون
الصناع والزراع، فإنما مثل الفريقين
كالأعمى والأصم والسميع والبصير،
والنسبة بينهما كالنسبة بين الأيدي
والأرجل وبين زوائد الأظافر والشعور
لو كانوا يعقلون.
لست
أعني بالشعور بما تقدم أن يمر في
التصور أو يقع في الذهن، فإن ذلك لا
يغني شيئًا، وإنما أعني أن يكون أمراً
وجدانيًّا وملكة نفسانية راسخة في
النفس تزعج المرء في العمل وتنكب به
عن مزالق الزلل، ولا وسيلة لهذا إلا
التربية العملية والتهذيب على أصول
الحكمة الدينية العقلية بنشر المعارف
الصحيحة بين جميع طبقات الأمة
وتلقينها للأحداث من الذكران
والإناث، ونقشها في ألواح نفوسهم من
أول النشأة؛ لتثبت فيها ملكات
الفضائل وتقف بحب الذات الذي هو علة
العلل للشقاء موقف الاعتدال، فيسلكون
في أعمالهم مهيع العدل الذي هو مراكز
دائرة الكمال، ومدار فلك الفضيلة،
ومبدأ السعادة الحقيقية بشهادة "اعْدِلُوا
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" "وَأَقْسِطُوا
إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين".
لماذا
لا تنجح التربية؟
ولقائل
أن يقول إن العلم غير العمل كما أشرت
فتلْقِين الأحداث المعارف ليس كافلاً
تهذيبهم، فلا بد من مراعاة شيء آخر
يساعد المعارف على التهذيب ويَمُدُّ
التربية العملية وينميها حتى تؤدي
إلى الغاية المقصودة منها، فإننا نرى
كثيرًا من الناس يعنون بتربية
أولادهم ولا تنجع فيهم التربية، كما
نرى الكثير من حملة العلم بُعَداء عن
التهذيب، فما هو الأمر المساعد
للتربية والتعليم على هداية الصراط
المستقيم؟!
وجواب
ذلك "هو التشبه والاقتداء"،
والكلام فيه طويل الذيل متدفق السيل.
وإنني أقتصر منه على كلمة تقتضيها
الحال، وتُعَدُّ الزيادة عليها من
الأرغال "وضع الشيء في غير موضعه"،
وهي أن الإنسان مُولَعٌ بالاقتداء
بالكبراء والعظماء ومحاكاتهم،
فالحالة التي يكون عليها الأمراء
الجالسون على منصات الأحكام، والشيوخ
المتصدرون لإرشاد الأنام لها تأثير
عظيم في نفوس السواد، فإذا كان هؤلاء
الرؤساء معتصمين بحبل الوفاق والوئام
أثرت حالتهم في المرؤوسين أثرًا
محمودًا، وتضاعف نفوذهم الحسي
والروحي بالحق تضاعفًا مبينًا، وفي
ذلك من التقدم الديني والمدني ما ينهض
بالأوطان ولا يرتاب فيه إلا العميان.
التشبُّه
والاقتداء
يعلم
الناظرون فيما نكتب أن التشبه
بالأوربيين في أزيائهم وعاداتهم قد
جرى في الشرق جريان الدم في العروق،
فأبناء الدنيا يرون في ذلك شرفًا
ورفعة، والمنتصرون للدين يرونه ذنبًا
وبدعة وغلوًّا في ذلك حتى ذمّوا تقليد
المخالف في كل شيء وإن كان نافعًا
مفيدًا، ولكن لما كان الأمراء
والكبراء يتفاخرون ويتبارون في
التشبه بالإفرنج وهم موضع إجلال
الدهماء وتعظيمهم - صار سائر الناس
يقلدهم في ذلك؛ لأن ناموس التقليد
مطرد باحتذاء لهازم الناس وأدنائهم
مثال عليتهم وكبرائهم، وسرت العدوى
في ذلك لبيوت العلماء ورجال الدين،
وقد ذكرنا في كتابنا "الحكمة
الشرعية في محاكمة القادرية
والرفاعية"، جملة مسهبة في التقليد
والتشبه بيَّنا حكمه من الجهة
الدينية والسياسية، وإننا نذكر هنا
نبذة منها تتعلق بأصول سياستنا؛
لمناسبة ما مر وهي:
إذا
نظرنا إلى التقليد والتشبه من طرف
السياسة تجلى لنا أن الصواب امتناع
أمتنا من التشبه أو التقليد لغيرها من
الأمم في الأزياء والعادات وكل ما لا
فائدة فيه، لا سيما المناصبين
والمحادّين لنا والانتداب؛ لتقليدهم
في كل ما يعود علينا بالمنفعة، وعلى
الخصوص المنافع التي تتعلق بالقوة
على التغلب والدفاع عن الحوزة
وبتوسيع دائرة الثورة بأن نجتهد
بمجاراتهم ومباراتهم - بل بمنافتهم
ومسابقتهم - إلى أصول المنافع
ومقدماتها وأسبابها؛ لأننا نقتصر على
اجتلاب نتائج صنائعهم وأعمالهم
كالآلات الحربية والبوارج البحرية؛
إذ تقليدهم في النتائج باتخاذها منهم
واحتذائهم فيها لا يخرجنا عن كوننا
عيالاً عليهم، ولا يرجى أن ندانيهم
ونقاربهم فضلاً عن أن نساهمهم
ونحاذيهم، فضلاً عن أن نساميهم
فنسموهم ونبذهم "نغلبهم"، لا
سيما ونحن الآن كما ترى هذاذيك بذاذيك
ولا كفران لله.
وأما
أخذ العلوم والفنون وأصول الصنائع
عنهم فلا محذور وراءه ولا محظور
أمامه، ومن هي في أيديهم الآن من أهل
المغرب أخذوها منا فهذَّبوا ونقَّحوا
واستنبطوا، وكنا أخذناها عن غيرنا
فهذبنا ونقحنا، نعم لم نصل إلى مداهم
وغايتهم التي انتهوا إليها الآن في
استثمارها واستدرار ضروع أنعامها،
ولا نيأس من روح الله في السبق عند
الكرة الأخرى: "وَتِلْكَ
الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ
النَّاسِ".
ولا
التفات لسفهاء الأحلام المستغرقين في
أودية الأحلام، حيث يغمزون الناظرين
في تلك الفنون ويلمزونهم، ولا شبهة
لهم إلا أن من تنقل عنهم ليسوا من
المسلمين والخطب سهل، فقد روي عن
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه
قال: "الحكمة ضالة المؤمن فحيث
وجدها فهو أحق بها" رواه الترمذي عن
أبي هريرة، ورواه العسكري عن أنس
مرفوعًا بلفظ "العلم ضالة المؤمن
حيث وجدها أخذها"، وفي رواية عند
القضاعي أنه قال آخر الحديث "حيثما
وجد المؤمن ضالة فليجعلها إليه"،
وروي عن ابن عمر رضي الله عنه موقوفًا
على أنه قال: (خُذِ الحكمة ولا يضرك من
أي وعاء خرجت). وفي نهج البلاغة أن
أمير المؤمنين -كرم الله تعالى وجهه -
قال: (خذ الحكمة أنى كانت فهي الحكمة
تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره
حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر
المؤمن)، وقال أيضًا: (الحكمة ضالة
المؤمن فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق)،
واستدل بعض أهل العلم على مشروعية طلب
العلم من أي طريق كان بحديث (اطلبوا
العلم ولو بالصين)، فإنه مقول في زمن
لم يكن يسكن الصين فيه غير أصناف
المجوس، والحديث أخرجه ابن عدي في
الكامل والبيهقي في شعب الإيمان
والمدخل وابن عبد البر في العلم
والخطيب في الرحلة والديلمي في مسند
الفردوس وغيرهم وله طرق كثيرة يقوي
بعضها بعضًا.
الدين
الحضاري
ولا
غرو فإن شرعًا أساسه الحكمة، ودعامته
الفضيلة، وغايته سعادة الدارين
والظفر بالحسنيين - يأمر بسلوك
الجادة، وعدم الاستنكاف عن
الاستفادة؛ وهذه كتب أعلام الملة في
تفسير الكتاب الكريم وشرح الحديث
الشريف والتصوف والأدب والتاريخ
محشوة بكلام حكماء اليونان الذين
نُقِلت علومهم إلى الأمة، وحكماء
الفرس الذين خالط أمتهم العرب،
وبحكايات أحوال عباد بني إسرائيل
ورهبان النصارى ما استحسن منها "بل
وما لم يستحسن لكنه لا حجة في هذا"،
ولقد كان الشارع صلى الله عليه وسلم
يعجبه كلام بعض المشركين ويعجب به
وكثيرًا ما كان يستنشد شعر أمية ابن
أبي الصلت ويستزيد حتى أنشد مرة مائة
قافية، أخرج مسلم عن عمرو بن الشريد
عن أبيه قال: ردفت النبي –صلى الله
عليه وسلم- فقال: هل معك من شعر أمية
شيء؟ قلت: نعم، قال: هيه؛ فأنشدته
بيتًا؛ فقال: هيه حتى أنشدته مائة
بيت، فقال: إن كاد ليسلم.
ولو
أردنا الإطالة لأوردنا ما لا يحصى من
النصوص على لزوم الأخذ بهذه الفنون
التي هي مبدأ الصنائع، ناهيك أن الركن
الركين للمحافظة على الدين ونشر
تعاليمه الحقة بين المخالفين هو
الجهاد، وهو يتوقف في هذا العصر على
الفنون المذكورة، وما لا يتم الواجب
المطلق إلا به فهو واجب، ولكن الجهل
الذي عمَّ في هذا الزمان وطال
والإغراق في التعصب على المخالف بغير
روية ولا فهم، وعدم معرفة مقاصد
الشرع، وانتفاء الوقوف على طرائق
الضر والنفع، يحمل كل ذلك الغوغاء من
أبناء هاته الأيام على رشق من ينسب
لحكماء الفرنجة علمًا أو فهمًا بسهام
الملام، وربما طعنوا في دينه وهم
ليسوا في ذلك على دين. ولا تنهض لهم
حجج قيمة، ولا يأتون بسلطان مبين "أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ
لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا
أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا
فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ
وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي
فِي الصُّدُور".
حاصل
القول
إن
جملة ما يتأتى به التقليد والاحتذاء ينحصر
في ثلاثة أمور: "الأول"
الفنون والصنائع المفيدة، وهذا ربما
يصل طلب التقليد فيه إلى الوجوب
الشرعي، وذلك كالفنون التي تتعلق
بالقوى الحربية والصحة الجسدية وسائر
ما لا يستغني عنه العمران ولا وصول
إليها أولاً إلا بالتقليد والاقتباس.
"الثاني" ما لا نفع فيه
ولا ضرر منه والأَولَى تركه وإن كان
مباحًا، وإن لم يكن بدٌّ من فعله،
فينبغي ألا يلاحظ التشبه بهم ولا
يتوخى احتذاؤهم فيه. "الثالث"
ما فيه ضرر لنا، والحكم الشرعي في
إتيان المضرات المحققة المحرمة
والمظنونة الكراهة، وهناك شبهات يخشى
ضررها ولا يرجى نفعها، وقد لا يظهر
ضررها إلا باستعمال السواد الأعظم
لها لا الآحاد والعشرات مثلاً. أعني
بهذا التهافت على استعمال أدوات
الزينة والترف الغالية الأثمان، وهم
في كل آونة يخترعون لنا زيًّا
ويبتدعون زيًّا جديدًا يبطلون بها ما
سبقها ونحن نتلو تلوهم ونحتذي أكلتهم.
من
نواميس الكون وسنة الله تعالى في
الخلق أن الاسترسال في الترف والتوغل
في الرفاهية والانغماس في التنعم
مبدأ لانحلال الأمم، وعلة لسقوطها في
هاوية العدم، إذا لم يقترن ذلك بعلم
وتربية يكونان علاجًا لأبنائها يقيهم
أمراض تلك الصفات وأدواءها، ولقد كان
سلف الأمة الذين تنجلي بهديهم كل غمة،
متيقظين لعلة الترف وأدوائه،
محذِّرين من فتنته وبلائه، هل أتاك
حديث عمر بن الخطاب؛ إذ كتب إلى عتبة
بن فرقد الذي أمره على جيش العجم: "يا
عتبة بن فرقد، إنه ليس من كدِّك، ولا
من كدِّ أبيك، ولا من كدِّ أمك؛ فأشبع
المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في
رحلك (انظر كيف أمره بمساواة الجيش
وهو أميره)، وإياكم والتنعم وزي أهل
الشرك ولبوس الحرير، فإن رسول الله
صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس
الحرير قال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- أصبعيه"
رواه مسلم.
*"هؤلاء
رحلوا عنا "رحمهم الله" ولكن بقي
علمهم بيننا ومضات على الطريق"
|