|
إننا
نسأل: هل حدث وأسقطت أمتنا العامل
العقدي والبعد الديني في معارك
التحرر والتحرير الوطني للأرض غير
المقدسة، حتى يطلب منها أن تسقط هذا
العامل في صراعها لتحرير القدس
الشريف، أولى القبلتين، وثالث
الحرمين؟! إن كل معاركنا للتحرر
الوطني قد بدأت إسلامية، واستمرت
تتغذى بالإيمان الديني والميراث
الحضاري الإسلامي.. ولم تنفصل في
الوجدان الشعبي التضحية في سبيل
تحرير الوطن عن الجهاد في سبيل الله،
فكان قرابين الوطنية هم الشهداء..
ولقد كان إسهام إخوتنا وأهلينا
ومواطنينا النصارى، في هذه المعارك
الوطنية، انطلاقًا من القيم
الإيمانية الجامعية لنا جميعًا،
والتي أعطت الوطنية بعدًا متميزًا..
وانطلاقًا – أيضًا – من الطابع
الإسلامي للثقافة والحضارة، الذي صهر
الجميع في السمات المشتركة والقسمات
الجامعة للأمة، بمللها المتعددة
وأعراقها المتنوعة.. كان ذلك حال
معاركنا لتحرير الأرض في العصر
الحديث، كما كان في التاريخ الوسيط.
فتحت
رايات الإسلام، وبزعامة نقيب الأشراف
السيد عمر مكرم (1168 – 1237هـ / 1755 – 1822م)
هزمنا بونابرت وحملته الفرنسية، التي
أسست للشراكة "الصهيونية –
الإمبريالية"، وتحت رايات الإسلام
هزمنا الحملة الإنجليزية – التي
قادها الجنرال "فريزر" – على
مدينة "رشيد" – بمصر – (1222هـ - 1807م).
وتحت
رايات الإسلام حارب الأمير عبد
القادر الجزائري (1222 – 1300 هـ 1807 – 1883م)..
وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين..
وجبهة التحرير الوطني الجزائرية ضد
الاستعمار الفرنسي في الجزائر.. وهي
نفس الرايات التي جاهدت تحت ظلالها
"السنوسيسة" في ليبيا والحزام
الإفريقي و"المهدي" في السودان..
ومن عباءة جمال الدين الأفغاني (1254 –
1314هـ 1838 – 1897م) – فيلسوف الإسلام،
ورائد اليقظة الإسلامية الحديثة –
خرجت الثورة العرابية (1298هـ -1881م)..
وبقيادة تلميذه الشيخ محمد عبده (1273 –
1346 هـ 1857 – 1927م) – ابن الأزهر الشريف
– خرجت – من الأزهر ومن الكنيسة –
ثورة مصر (1337هـ 1919م)، وتحت رايات
الإسلام ثار وقاوم الأمير عبد الكريم
الخطابي (1299 – 1383 هـ 1882 – 1963م) وثورة
الريف – في المغرب العربي .. وكذلك "حزب
الاستقلال" – بقيادة الفقيه
المجدد علال الفاسي.
ومن
عباءة مصطفى كامل (1291 – 1326هـ 1874 – 1908م)
وحزبه الوطني – حزب الجامعة
الإسلامية – خرج "الضباط الأحرار"
وثورة يوليو سنة 1952م.
صبغة
الإسلام
وكذلك
كان الحال مع ثورة العشرين في العراق..
وثورات فلسطين – من البراق سنة 1929م..
إلى ثورة سنة 1939م.. وحتى الآن".. أي
منذ عز الدين القسام.. إلى أمين
الحسيني.. إلى الجذور الإسلامية "لفتح"
إلى "حماس" و"الجهاد".
وذات
المنطلق الإسلامي، والطاقة العقدية
والإيمانية سنجدها في سائر حركات
التحرر الوطني الإسلامي من حول
الوطني العربي، في أفريقيا وآسيا
وسائر بلاد الإسلام التي نكبت
بالاستعمار.. وما بصمات وامتدادات
السنوسية والمهدية على حركات التحرر
الوطني الأفريقية بخافية ولا بعيدة
عن الأذهان.
فكيف
نطلب من الأمة التي اصطبغت معاركها
لتحرير الأراضي غير المقدسة بصبغة
الإسلام، وتغذت من طاقاته الجهادية،
وبعده العقدي.. كيف نطلب منها "علمنة"
الصراع حول الأرض المقدسة دينيًّا،
فنحرمها من قدسية الجهاد لتحرير
المقدسات؟!
علمنة
الصراع
إن "علمنة"
هذا الصراع ستفتح الباب أمام الذين
يرون في الإسلام والإسلاميين الخطر
الأول والمحدق.. وهذا الباب سيقود
أصحابه إلى ذات الخندق الذي يقف فيه
الصهاينة الذين يرون في الإسلام
الخطر الأول الذي يهددهم – ويهدد
العالم، كما يقولون – وستصبح القضية
– بالنسبة لهم – زيادة نصيبهم من
الفتات.. وليس تحرير المقدسات.. وستجعل
هذه "العلمنة" أصحابها – شاءوا
أم أبوا – مع العسكر الأتراك، الذين
حركوا قواتهم المسلحة ضد الذين
احتفلوا – مجرد احتفال – بيوم القدس..
وهم الذين يقيمون تحالفًا
إستراتيجيًّا مع الصهاينة ضد العروبة
والإسلام، إن القدس – والأقصى –
وكنيسة القيامة – ليست مجرد "أرض"..
كما أن الأزهر الشريف – عندما احتله
بونابرت – لم يكن مجرد "أرض"..
وحسابات
القدس الشريف لا تتم "بمعايير
الجدوى العلمانية".. لأنها لو تمت
بهذه المعايير لربما كان "فندق
النجوم الخمسة" أجدى من المسجد
الأقصى؟!
إن
اليهود الذين حولوا دينهم إلى عنصرية
وتجارة واستعمار استيطاني، قد جعلوا
في "تل أبيب" أعلى نسبة للدعارة
في أي مدينة من مدن العالم.. وهم
يريدون للقدس ذات المصير.. فبحسابات
"الجدوى العلمانية" تمثل
الدعارة مصدرًا للدخل القومي تحسب له
الحسابات .. بينما لا تعني القداسة
شيئًا يذكر، بهذه المعايير.. وليس هذا
هو طريق الذين يدركون معنى قدسية
وإسلامية المقدسات.
كيف
نفهم السنة الإلهية؟
وإذا
كانت إسلامية الصراع لتحرير القدس،
لن تحرم قوى الأمة من "الطاقات
الوطنية الفلسطينية.. ولا من "الإمكانات
القومية العربية".. ولا من تلاحم
الصف الجامع للملل الدينية المتعددة..
وإنما ستضيف إليها "طاقات العقيدة
الإسلامية، وإمكانات الأمة
الإسلامية، وعالمها الإسلامي، فإنها
– علاوة على ذلك كله – ستنمي وعي
الأمة – في هذا الصراع – بدلالات
ومعاني ومعايير السنن والقوانين
الإلهية الثابتة التي تحكم دورات هذا
الصراع.
فبدون
إسلامية هذا الصراع، لن نفهم السنة
الإلهية التي تحدث عنها القرآن
الكريم، وصدق عليها التاريخ، عندما
قال: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين
آمنوا اليهود والذين أشركوا".
وبدون
هذه الإسلامية لن نعي دلالات القانون
الذي تحدث عنه القرآن الكريم عندما
قال عن اليهود: أو كلما عاهدوا عهدا
نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون".
وبدون
التفسير الإسلامي لهذا الصراع سيتحول
"العلو الإسرائيلي" الراهن،
والمتصاعد، إلى نهاية للتاريخ ومصدر
لليأس والقنوط والاستسلام للأمر
الواقع.. أما مع التفسير الإسلامي"
فإننا سنكون أمام بشارات بالخلاص
التحريري، تدعونا إلى أن نستجمع
لتحقيقها الأسباب.
بل إن
حاجتنا إلى هذه "الأسلمة" اليوم
هي أشد من حاجتنا إليها قبل الآن.. ففي
ظل شيوع الهزيمة النفسية لدى قطاعات
من الساسة والمثقفين، ومسلسل تغيير
"البرامج" و"المواثيق"
اعترافًا واستسلامًا "للأمر
الواقع، المفروض على الأمة، تحتاج
الأمة إلى مرجعية "المواثيق
الثوابت" التي لا تتغير، وإلى "سنن
الله" في التدافع الأزلي الأبدي
بين الحق والباطل، تلك التي لا تبديل
لها ولا تحويل.
فالإسلامية
– حتى في الوعي بقوانين الصراع –
تفيد .. وتضيف إلى الخبرات الوطنية
والقومية.. ولا تنتقص منها بأي حال من
الأحوال.
بل إن
هذه "الإسلامية" لن تحرم قضيتنا
من إمكانات العلمانيين والماديين من
مثقفينا.. فهم مدعوون إلى استثمار
البعد الديني للقضية "كتراث"
لأمتهم، هو الأقدر والأفعل في حشد
طاقاتها لتحرير الأرض المغتصبة.. وهذا
هو الذي صنعه العلمانيون اليهود مع
"أساطير التلمود".. فأولى
بالعلمانيين من أبنائنا أن يصنعوه مع
"حقائق الإسلام".
تزييف
وعي الأمة
فإن
إنكار البعد الإسلامي لهذا الصراع
حول القدس وفلسطين، والدعوة إلى "علمنته"
هو لون من التزييف لوعي الأمة
لتجريدها من أمضى أسلحتها في هذا
الصراع، إن التاريخ لا يعيد نفسه..
لكنه محكوم بسنن وقوانين.. فلننظر في
هذه السنن التي حكمت الصراع بين أمتنا
وبين الغرب حول القدس عبر التاريخ..
ذلك أن الوعي بالسنن الحاكمة لمسارات
التاريخ هو السبيل إلى صنع هذا
التاريخ.
فبالإسلام
حررت الخلافة الراشدة القدس من
الاستعمار البيزنطي سنة 15هـ سنة 636م ـ
فاتخذت لنفسها بهذا التحرير اسم "القدس
الشريف" وشاعت قدسيتها لكل أصحاب
المقدسات وبالإسلام حرر صلاح الدين
الأيوبي القدس من الاستعمار
والاحتكار الصليبي سنة 583هـ سنة 1187م ـ
.. فأعاد لها القداسة الشماعة لكل
أصحاب الديانات..
وبالإسلام،
الذي يحتضن دوائر وقوى الوطنية
والقومية، ويدافع عن الكنائس
والصوامع والبيع دفاعه عن المساجد –
سيكون تحرير القدس، لتعود حرمًا
شريفًا للجميع.. إن شاء الله.
|