|
الحمد
لله العلي القادر، العزيز القاهر،
الحكيم الذي لا يضل، الخبير الذي لا
ينسى، سبحانه الكبير المتعال.
نحمده
حمدًا به نستأهل غفرانه، ونستمنح
عطفه ورضوانه.
ونشهد
أن لا إله إلا الله، توحد بالربوبية
المطلقة، وتفرد بالجلال والعزة، وبرأ
الخلق بقدرته، وأمدهم بإحسانه
ورعايته.
ونصلي
أفضل الصلوات وأتمها على أفضل الخلق
وأكملهم، من ختم الرسالة، وأدى
الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده،
وكان أفضل قدوة لعباده، سيدنا
ومولانا محمد صلوات الله وسلامه
عليه، وعلى آله وأصحابه الذين حملوا
من بعده علم الهداية؛ فدانت لهم
الأمم، وخضعت لسلطانهم الرقاب، وكان
فضل الله عليهم عظيمًا.
أما
بعد، فيقول الله تعالى: "قد جاءكم
من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله
من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من
الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى
صراط مستقيم". ويقول الله تعالى:
"من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو
مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم
أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون".
على
هذا الأساس شبّ الإسلام عزيزًا لا
يعرف الذل، كريمًا لا يقبل الضَّيم،
وحمله كرام بررة؛ رفعوا لواء عزه،
وشيَّدوا صروح مجده، وطوّفوا به في
الآفاق؛ نافذ السلطان رفيع المكان. ثم
خلف من بعدهم خلف فُتنوا بعرض الحياة
الأدنى، واتبعوا الشهوات وضلوا
السبيل. حسبوا الأمر مغانم تقسم،
وأسلابًا توزع، ودنيا مملوءة
بالملذات، فيها دعة وسكون، وترف
ومجون. وطال عليهم الأمد في ذلك فقست
قلوبهم، وصرفتهم الأهواء عن الهدي
الإلهي فساءت حالهم، وصبروا على الذل
واطمأنوا إليه.
تحللوا
من أصول الإسلام وفضائله، وسوّل لهم
الشيطان أن التدين عار، وأن الصلاة
والصوم والعقائد وما شرع الله من
أحكام تهذب النفوس وقوانين تنظم
الحياة وتسعدها؛ ليست إلا بقية من
قرون خلت، لا يليق أن يستمسك بها
الرجل المتمدين الذي عرف معنى الحياة
وما فيها من لذة ومتعة.
سَوَّل
لهم الشيطان أن التدين عار، وأن الخمر
والميسر والاسترسال في الشهوات
والانغماس في الإباحية نوع من
الحرية، وخاصة من خواص المدينة.
سُوِّل
لهم أن التدين عار؛ فتركوا دينهم،
ونبذوا كتابهم، وانصرفوا عن العمل
الصالح، والخلق الفاضل؛ فصاروا نهبًا
للأمم، ومَثَلاً للذلة.
توالت
عليهم النذر؛ فلم يتدبروا، وتتابعت
أمامهم العبر فلم يعتبروا؛ فحقت
عليهم الكلمة، وأذيقوا لباس الجوع
والخوف، وسلّط عليهم من لا يخاف الله
فيهم "وضرب الله مثلاً قرية كانت
آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل
مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله
لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون".
فجوة
بين الإسلام والمسلمين
بهذا
أصبح الإسلام في ناحية والمسلمون في
ناحية، وبينهما فجوة بعيدة المدى
والأطراف، تركوا دينهم واستباحوا
الشهوات، ومهدوا لمن لا يعرفون
الأديان إلا من حالة أهلها أن يقولوا:
إن الإسلام دين لا يعرف العزة
والكرامة، ولا يميز بين الفضيلة
والرذيلة؛ فهو دين يبيح الميسر
والبغاء والخمر، ولأهله في ذلك
قوانين تنظمها وجرائد ومجلات تعلن
عنها. دين يبيح الكذب والزور، والرشوة
والفجور، والفوضى في النظام، والجور
في الأحكام. دين يتفنن في الكيد
والنفاق، وأساليب التفريق والشقاق،
والبغي والعناد، والإثم والإلحاد.
بهذا
ونحوه من الآثام والرذائل التي صارت
بين المسلمين معروفة مألوفة، وهي عند
العقلاء وفي دين الإسلام منكرة
مبغوضة، يصور الإسلام أخذًا من حالة
جمهور يدين بالإسلام، وحكومة دينها
ينص دستورها الإسلام.
أليس
هذا أيها المسلمون جناية من المسلمين
على الإسلام؟ أليس هذا تناقضًا لا
يجمل بالعقلاء أن يصبروا عليه، ولا
يحسن بأمة تريد الحياة مرفوعة الرأس
أن تسكن إليه؟
"إن
هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من
تشاء، أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا
وأنت خير الغافرين".
"ألم
يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر
الله وما نزل من الحق ولا يكونوا
كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال
عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم
فاسقون"!.
أيها
المسلمون، اسمعوا في دينكم قول الله
الحق وقول رسوله الكريم، يقول الله
تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى
يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في
أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا
تسليمًا" ، ويقول: "وإذا قيل لهم
تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول
رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا".
الرضا
بأحكام الله
يقرر
القرآن نفي الإيمان عمن لم يرض بأحكام
الله رضا يزيل الحرج عن صدره ويملأ
قلبه استسلامًا وطمأنينة. ويصف
بالنفاق من يصد عن الداعي إلى الله
ورسول الله.
ويقول
في آية أخرى: "قل من حرم زينة الله
التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق
قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا
خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات
لقوم يعلمون* قل إنما حرم ربي الفواحش
ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي
بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم
ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله
ما لا تعلمون".
إن
الدين أيها المسلمون، مهما امتدت
آفاقة وتأول فيه المتأولون؛ فهو لا
يحتمل هذه البوائق، ولا هذا الإلحاد،
ولا هذه الإباحية الجامحة، ولا هذه
الشهوات التي لا تقف عند حد. وإنما
يحتمل مدنية فاضلة تقوم على علم كامل،
وعمل صالح، وخلق فاضل كريم. يحتمل
التمتع بزينة الله وما هيأ لعباده من
طيبات، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن
المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم
عليهم الخبائث.
هذا
هو الإسلام أيها المؤمنون، فسارعوا
إلى مغفرة من ربكم، وأنقذوا الناس من
أسباب الدمار والتهلكة، واعلموا أن
الله أهلك الأمم الغابرة لأقل من هذه
الشرور والآثام.
خطوا
للفضيلة طريقًا واضحًا، وضعوا لها
نهجًا مستقيمًا، وقوموا على حراسته
كما أمر الله بالعدل وقوة السلطان،
"إن تنصروا الله ينصركم ويثبت
أقدامكم"، "وكان حقًّا علينا نصر
المؤمنين".
أيها
المسلمون! إن الله وضع قواعد الحكم
الصالح في هذه الآيات البينة الواضحة:
"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات
إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن
تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به
إن الله كان سميعًا بصيرًا * يأيها
الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم
في شيء فردوه إلى الله والرسول إن
كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك
خير وأحسن تأويلاً".
والأمانة
ما تجب المحافظة عليه. فالسر أمانة،
والتكاليف الشرعية أمانة، وعلم
العالم أمانة، وقول الحق في الشهادة
وغيرها أمانة، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر أمانة، والعدل في
الأحكام والأفعال والأقوال أمانة.
الكتاب
والسنة...أمانة
كتاب
الله قانون، وسُنة رسوله قانون، وما
اتفق عليه أهل الحل والعقد من
المسلمين مما لا يخالف نصًّا في
الكتاب ولا في السنة قانون، والرد عن
التنازع إلى قواعد الدين العامة
وأحكامه الكلية قانون. وكل هذه
القوانين أمانة استودعكم الله
إيّاها، واستحفظكم عليها، وأنزل
عليكم في محكم كتابه: "يأيها الذين
آمنوا لا تخونوا الله والرسول
وتخونوا آماناتكم وأنتم تعلمون".
أيها
المسلمون! اسمعوا أدب نبيكم الكريم
لأصحابه وأمته: "شر ما في الرجل شح
هالع وجبن خالع – لن تزول قدم شاهد
الزور حتى يوجب الله له النار، ومن
كتم شهادة دعي إليها كان كمن شهد
الزور". " الدين النصيحة: قلنا
لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله
ولأئمة المسلمين وعامتهم – المسلم
أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا
يحقره، التقوى ها هنا (يشير إلى صدره)
كل المسلم على المسلم حرام: دمه،
وماله، وعرضه".
"من
ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم
أحدًا بمحاباة فعليه لعنة الله، لا
يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً حتى
يدخله النار".
"اتقوا
الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة،
واتقوا الشح فإن الشح أهلك من قبلكم،
حملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا
محارمهم، وإياكم والخيانة فإنها بئست
البطانة".
"من
التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله
مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط
الله وكّله الله إلى الناس". "اتقوا
دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين
الله حجاب".
وفقني
الله وإياكم إلى التمسك بدينه،
والعمل على مرضاته، والتخلق بأخلاق
نبيه الكريم!
"هؤلاء
رحلوا عنا "رحمهم الله" ولكن بقي
علمهم بيننا ومضات على الطريق"
*12من
ذي القعدة سنة 1356هـ
|