|
في
شهر رمضان المبارك، سنة تسع وسبعين
وأربعمائة للهجرة -وقيل سنة 457- كانت
وقعة "الزلاقة"، والزلاقة أرض
بالأندلس (الفردوس الإسلامي المفقود)
قرب مدينة قرطبة، كانت عندها الموقعة
المشهورة باسمها بين مسلمي الأندلس
والإفرنج، وقيل في تفسير الزلاقة:
إنها بطحاء الزلاقة، من إقليم
بطليموس من غرب الأندلس.
وفي
هذه الموقعة كانت الهزيمة المنكرة
لأعداء المسلمين، ونصر الله - تعالى -
الإسلام وأهله نصرًا لا نظير له، وصار
يُضْرَب بوقعة الزلاقة المثل.
وسببها
أن ملك الإفرنج الذي يُسمَّى "الأذفونش"
وهو ألفونس السادس ملك قشتالة، تطاول
على المعتمد بن عباد سلطان المسلمين
في الأندلس، وهدّده بأنه سينتزع
مدينة "قرطبة" من أيدي المسلمين،
وجهّز الأذفونش لذلك جيشين سَيَّرهما
لمحاربة المسلمين بقيادة اثنين من
رجاله، ثم سار هو على رأس جيش ثالث
لمهاجمة المعتمد.
يقول
المراكشي: "وكان الأذفونش - لعنه
الله - قد استنفر الصغير والكبير، ولم
يَدَع من أقاصي مملكته من يقدر على
النهوض إلا استنهضه" المعجب، ص 193،
وأرسل رسالة ساخرة إلى المعتمد يقول
له فيها: "كثر - بطول مقامي - في
مجلسي الذباب، واشتدَّ عليّ الحرّ،
فأتحفني من قصرك بمِرْوَحَة أُروِّح
بها عن نفسي، وأطرد بها الذباب عن
وجهي".
ومع
أن المعتمد كان أقلّ من ملك الإفرنج
عُدّة وعددًا؛ فقد تناول رسالته،
وكتب على ظهرها ما يلي: "قرأت
كتابك، وفهمت خُيلاءك وإعجابك،
وسأنظر لك في مراوح من الجلود
اللمطية، تُروِّح منك، لا تروح عليك،
إن شاء الله تعالى"، فأخذته الدهشة
حين جاءه هذا الرد.
وقرر
المعتمد أن يستعين بأمير المسلمين
يوسف بن تاشفين سلطان المغرب، وأرسل
إليه في ذلك، فقال يوسف: "أنا أول
منتدِب (أي مستجيب) لنصرة هذا الدين".
وجاء
بعض رجال المعتمد يخوِّفونه من
استعانته بابن تاشفين، وقالوا له: "إن
ذلك سيجعله يتطلع إلى ملك الأندلس،
فينتزعه منك، ولما ألحّوا في ذلك،
وأبدوا وذكروا في قولهم: "المُلك
عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غِمْد
واحد"، فأجابهم بكلمته المشهورة:
"رَعْيّ الجمال خير من رَعْيِّ
الخنازير". وهو يقصد أنه إذا أصبح
مأكولاً ليوسف بن تاشفين السلطان
الملك، وصار أسيرًا عنده يرعى له
الجمال في الصحراء، فذلك خير من أن
يكون مأكولاً لملك الإفرنج، ويصير
عنده أسيرًا يرعى له الخنازير في
قشتالة!.
ولما
زاد إلحاحهم عليه في المراجعة
والنقد؛ قال لهم: "يا قوم، إني من
أمري على حالتين: حالة يقين، وحالة
شك، ولا بد لي من إحداهما".
"أما
حالة الشك: فإني إن استندت إلى ابن
تاشفين، أو إلى الأذفونش، ففي الممكن
أن يفي لي، ويبقى على وفائه، ويمكن
ألا يفعل؛ فهذه حالة شك".
"وأما
حالة اليقين: فإني إن استندت إلى ابن
تاشفين؛ فأنا أرضي الله، وإن استندت
إلى الأذفونش؛ أسخطت الله - تعالى -،
فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة، فلأي
شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه؟!"
فأسكتهم بهذا الجواب.
وسارع
ابن تاشفين بالاستجابة، وعبر البحر
بجيشه إلى الأندلس، ليشارك في رد
العدوان عن المسلمين، ولما علم ملك
الإفرنج الأذفونش بمسيرة ابن تاشفين
كتب إليه يهدده ويتوعده؛ فكتب ابن
تاشفين الرد على ظهر الرسالة، ولم يزد
الرد على قوله: "الذي يكون سَتَراه"،
فارتاع الأذفونش من هذا الرد.
وتلاقى
المعتمد بن عباد ويوسف بن تاشفين،
وتعانقا، وتعاهدا على التعاون، وأظهر
كل منهما لصاحبه المودة والمحبة،
وشكرا نِعَمَ الله تعالى، وتواصيا
بالصبر والرحمة، وبشَّرا أنفسهما بما
استقبلاه من غزو أهل الكفر، وتضرعا
إلى الله - تعالى - في أن يجعل ذلك
خالصًا لوجهه مقربًا إليه.
وأهدى
المعتمد إلى ابن تاشفين جملة هدايا
فاخرة، وعند تباشير الصباح صلَّوا
الصبح، ثم اتفقوا على التقدم نحو
إشبيلية، وشارك ملوك الطوائف
بالأندلس في إمداد الحملة؛ لأن ملك
الإفرنج استوعب الناس في جيشه، وبذل
كل ما يستطيعه في توسيعه وتضخيمه.
وجعل
المعتمد بن عباد وهو يسير في الحملة
يردد هذه الأبيات (من مجزوء الكامل):
|
لا
بـد من فـرج قريبْ
|
يأتيك
بالعجب العجيبْ |
|
غـزو
عليـك مبـارك |
سيعود
بالفتح القـريبْ |
|
لا
بـد مـن يـومٍ يـكو |
نُ
له أخًا يوم القَلِـيبْ
|
(يقصد
بيوم القليب يوم غزوة بدر، حيث انتصر
المسلمون فيها انتصارًا باهرًا).
ويروي
التاريخ أن الأذفونش أراد أن يخدع
المعتمد وابن تاشفين، فأرسل إلى
الأول يقول له في يوم خميس: "غدًا
يوم الجمعة وهو عيدكم"، والأحد
عيدنا، فليكن لقاؤنا (للحرب) بينهما،
وهو يوم السبت".
فأدرك
المعتمد أنها حيلة وخديعة، وفهم أن
الأذفونش يحاول بذلك أن يسكن
المسلمون إلى الأمان يوم الجمعة، فلا
يأخذوا عدتهم وأهبتهم فيه، بناء على
تلك المخادعة، ثم يهجم عليهم
الأذفونش ورجاله في يوم الجمعة نفسه،
ليصيبوا من المسلمين غِرَّة (كأن
التاريخ يُعيد نفسه، فما أشبه الحاضر
بالماضي!).
والقرآن
الكريم قد قال: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) (النساء:
71) وقال: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ
أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً
وَاحِدَة) (النساء: 102).
وذهب
المعتمد إلى ابن تاشفين وأعلمه بحيلة
الأذفونش، ودعا المعتمد إلى أن يكون
الناس على أتم الاستعداد يوم الجمعة،
واستجابوا لذلك، وباتوا ليلتهم على
أهبة واحتراس، وبعد مضي جزء من الليل
انتبه من النوم الفقيه الناسك "أبو
العباس أحمد بن رميلة القرطبي"
فرحاً مسروراً. وكان في محلّة
المعتمد، وذكر الفقيه أنه رأى النبي -
صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة،
فبشَّره النبي - صلى الله عليه وسلم -
بالفتح والموت على الشهادة في صبيحة
تلك الليلة، ففهم الفقيه الناسك أن
الأعداء سيهجمون يوم الجمعة، فتأهب
ودعا وتضرَّع، ودهن رأسه وتطيَّب،
وكأنه يستعد للقاء الله - تبارك
وتعالى -. وبلغ الخبر مسمع المعتمد
بسرعة، فأعلم به يوسف بن تاشفين.
وفي
أثناء ليلة الجمعة جاء فارسان من
فرسان الاستطلاع في جيش المعتمد،
وأخبراه بأن هناك تحركات غير عادية في
جيش الأذفونش. وجاء غيرهما كثير
يؤكدون ذلك، ثم جاء بعض المتسللين من
المسلمين وأبلغوا المعتمد أنهم سمعوا
الأذفونش يقول لجنوده: "إن ابن عباد
مُسعِّر هذه الحروب، وهؤلاء
الصحراويون، وإن كانوا أهل حِفاظ،
وذوي بصائر في الحروب، فهم غير عارفين
بهذه البلاد، وإنما قادهم ابن عباد،
فاقصدوه واهجموا عليه، واصبروا، فإن
انكشف لكم هان عليكم الصحراويون
بعده، ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن
صدقتموه الحملة".( فلنتدبر طويلاً
في عمق هذه الاستطلاعات ودقة هذه
المتابعة لأحوال الأعداء!).
وأقبلت
الخديعة بشراستها، فانقضّ جيش
الفرنجة على المسلمين فجأة، وهاجت
الحرب، وحمي الوطيس، واشتد القتال،
وصعب الأمر على المسلمين أول الأمر،
وصبر ابن عباد صبرًا لم يُعْهَد مثله
لأحد، كما يقول المقري المؤرخ،
وتقهقر بعض جنود المعتمد وفيهم ابنه
عبد الله، وأُثخن المعتمد الجراح،
ونالته ضربة على رأسه فلقت هامته من
جانبها، حتى بلغت صدغه، وجرحت يده
اليمني، وطُعن في أحد جانبيه، وهلك
تحته ثلاثة أفراس، كلما هلك جواد
قدموا له غيره، وهو يقابل حياض الموت،
ويضرب يمينًا وشمالاً.
ويُقال
إنه تذكر يومئذ ابنًا له صغير، كان
يحبه حبًّا شديدًا، وقد تركه عليلاً،
وكنيته أبو هاشم، فقال المعتمد (من
المتقارب):
| أبـا
هاشـم، هَشَمَتْني الشِّـفَارُ |
فللهِ
صبري لذاك الأُوار |
| تذكرت
شخصك تحت العَجاجِ |
فلم
يثنني ذِكـرُه للفـرارِ |
وأبطأ
ابن تاشفين في اشتراكه بجنوده في
المعركة، ولعله استبعد أن يجرؤ
الأذفونش على هذه الغدرة؛ ولكن طلائع
جنوده ظهرت في أرض المعركة، وعلى
رأسها أحد قواده وهو "داود بن عائشة"،
وكان بطلاً شهمًا شجاعًا، ثم أقبل ابن
تاشفين وطبوله تصعد أصواتها إلى الجو.
يقول
التاريخ (نفح الطيب للمقري): "فلما
أبصره الأذفونش وَجَّه حملته إليه،
وقصده بمعظم جنوده، فبادر إليهم
السلطان يوسف، وصدمهم بجمعِه،
فردَّهم إلى مركزهم، وانتظم به شمل
ابن عباد، واستنشق ريح الظفر،
وتَبَاشَر بالنصر".
وعند
وقت الزوال هبَّت رياح النصر - كما
يعبِّر التاريخ - فأنزل الله سكينته
على المسلمين، ونصر دينه القويم،
وصدق المسلمون الحملة على ملك
الأعداء وأصحابه؛ فأخرجوهم عن
محلتهم، فولّوا ظهورهم، وأعطَوا
أعناقهم، والسيوف تصفعهم، والرماح
تطعنهم، إلى أن أدركوا ربوة لجئوا
إليها واعتصموا بها، ولما أظلم الليل
أطلقوا سيقانهم للريح منهزمين
هاربين، واستولى المسلمون على ما كان
في محلتهم من الآلات والسلاح
والمضارب والأواني وغير ذلك.
وهزم
الله العدو، وأتبعهم المسلمون
يقتلونهم في كل وجه، ونجا الأذفونش -
لعنه الله - في تسعة من أصحابه (هناك
خلاف بين المؤرخين في عدد من هرب مع
الأذفونش؛ ولكن الإجماع معقود بينهم
على أن جيشه قد هلك قادة وجنودًا إلا
القليل)؛ فكان هذا أحد الفتوح
المشهورة بالأندلس، أعزَّ الله فيه
دينه، وأعلى كلمته، وقطع طمع
الأذفونش - لعنه الله - عن الجزيرة،
بعد أن كان يُقدِّر أنها في ملكه، وأن
رؤوسها خَدَمٌ له؛ وذلك كله بحسن نية
أمير المسلمين.
وتُسمَّى،
هذه الوقعة عندهم وقعة الزلاَّقة،
وكان لقاء المسلمين عدوهم – كما
ذكرنا – في يوم الجمعة الثالث عشر من
شهر رمضان الكائن في سنة 480هـ (هكذا في
الأصل، ولعله تحريف؛ لأن المشهور أن
وقعة الزلاقة كانت سنة 479هـ)، ورجع
يوسف بن تاشفين وأصحابه عن ذلك المشهد
منصورين، مفتوحًا لهم وبهم، فسُرَّ
بهم أهل الأندلس، وأظهروا التيمن
بأمير المسلمين والتَّبرك به، وكثر
الدعاء له في المساجد وعلى المنابر،
وانتشر له من الثناء بجزيرة الأندلس
ما زاده طمعًا فيها؛ وذلك لأن الأندلس
كانت قَبْله بصدد التلف، من استيلاء
النصارى عليها، وأخذهم الإتاوة من
ملوكها قاطبة، فلما قهر الله العدو
وهزمه، على يد أمير المسلمين، أظهر
الناس إعظامه، ونشأ له الود في الصدور.
وهكذا
شهد شهر رمضان المبارك سنة تسع وسبعين
وأربعمائة نصرًا مبينًا وفتحًا
عظيمًا عزّت به دولة الإسلام وعَلَت
به كلمة المسلمين، وزادت به ذكريات
رمضان في تاريخ الإسلام ثراء وسناء.
|