|
تصدى
الأبطال المسلمون للصليبيين جيلاً
بعد جيل، وكان كل منهم يقوم بدوره على
خير وجه، فيدمر جانبًا من جوانب هذه
القوة الطاغية ويدع لغيره أن يتولى
الأمر من بعده، وكان أول من أنزل بهم
الهزائم "عماد الدين زنكي"، ثم
جاء بعده ابنه "نور الدين"، ثم
البطل "صلاح الدين الأيوبي" الذي
تعمقت ضرباته في مقاتلهم، فاسترد بيت
المقدس وتركهم يترنحون.
وجاء
بعده "الظاهر بيبرس" الذي كان
سلطاناً لمصر (1260 – 1277م) وقد أخذ
الزمام بعد صلاح الدين، وأخذ يستولي
على ما تبقى من معاقلهم: أرسوف، ثم
صفر، ويافا، وحصين الكرك؛ مما مهد
للمعركة الكبرى التي أسقط فيها إمارة
إنطاكية.
أهمية
إنطاكية
يقول
ابن كثير في البداية والنهاية: (إن
السلطان الظاهر خرج من الديار
المصرية بالعساكر من المنصورة في أول
جمادى الآخرة سنة ست وستين وستمائة
فنزل على يافا فأخذها، وسلم إليه
أهلها قلعتها "صلحًا"، فأجلاهم
إلى عكا وسار منها في شهر رجب قاصدًا
حصن الشقيف، فحاصرهم ورماهم
بالمنجنيق فسلموه الحصن في التاسع
والعشرين من رجب وأجلاهم إلى صور، ثم
سار إلى طرابلس وعاد منتصرًا، وسار
إلى حصن الأكراد ثم إلى حمص، ومنها
إلى حماة ثم إلى "فامية" حتى أحاط
بمدينة إنطاكية- وهي مدينة عظيمة
كثيرة الخير، يقال إن طول سورها اثنا
عشر ميلاً، وعدد بروجها مائة وستة
وثلاثون برجًا، وكان نزوله عليها في
مستهل شهر رمضان، فخرج إليه أهلها
يطلبون منه الأمان وشرطوا شروطًا له
عليهم، فأبى أن يجيبهم وردهم خائبين
وصمم على حصارها، ففتحها يوم السبت
الرابع عشر من رمضان بحول الله وقوته،
وغنم منها شيئًا كثيرًا، وأطلق
للأمراء أموالاً جزيلة، كل هذا في
مقدار أربعة أيام ، وقضى على "الإغريس"
صاحبها، وصاحب طرابلس الذي كان من أشد
الناس أذية للمسلمين).
ويعد
فتح إنطاكية ضربة قوية لأقوى
الإمارات الصليبية الباقية بالشام؛
إذ كانت تتلقى إمدادات من أوروبا، ثم
لأنها كانت قد عقدت معاهدة حربية مع
المغول ضد المسلمين، وكان لسقوطها
صدى ضخم، إذ أدركت الجيوب الباقية
للصليبيين عدم استطاعتها البقاء في
وجه المسلمين، فطلبت عقد صلح مع
السلطان بيبرس، وكان ذلك الصلح
بمثابة راحة واستعداد لجولات أخرى
قام بها السلاطين بعد بيبرس.
ومما
يذكر لبيبرس أنه كان يستعمل الرعب
النفسي ليقلق أعداءه بالإضافة إلى
قوته العسكرية، ومن ذلك أنه كتب إلى
أمير إنطاكية وكان موجودًا وقتها في
طرابلس، فأراد الظاهر بيبرس أن يدمر
نفسيته حتى لا يفكر في استرداد إمارته
فكتب له خطابًا طويلاً جاء فيه: (نزلنا
إنطاكية في مستهل رمضان، وخرج عساكرك
للمبارزة فكسروا، وتناصروا فما
نصروا، وفتحناها في الرابع من رمضان،
وقتلنا كل من اخترته لحفظها والدفاع
عنها، فلو رأيت خيّالتك وهم صرعى تحت
أرجل الخيول، وديارك والنهاية فيها
تصول، وأموالك وهي توزن بالقنطار،
وجواريك وكل أربع منهن بدينار، ولو
رأيت كنائسك وصلبانها وقد كُسرت،
وقبور البطارقة وقد بعثرت.. لتيقنت أن
قوة الله أعادت إنطاكية إلى أهلها إلى
الأبد وتركتك بدون عون أو مدد).
وبالإضافة
إلى البلاد التي فتحها بيبرس كانت
هجماته لا تنقطع هنا وهناك، فلم يخل
يوم من أيامه من ضربة للصليبيين
وتدمير لسلطانهم، وكان أحيانًا ينال
النصر كاملاً، وأحيانًا يثير الرعب
والخوف تمهيدًا لهجوم آخر تكون فيه
نهاية أعدائه.
|