|
"شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ
الْقُرْآنُ.."
إن
حادث نزول الوحي وبداية نزول القرآن
حادث ضخم بحقيقته، وضخم بدلالته،
وضخم بآثاره في حياة البشرية جميعًا..
وهذه اللحظة هي من أعظم لحظة مرَّت
بهذه الأرض في تاريخها الطويل.
وحقيقة
هذا الحادث أن الله جل جلاله، العظيم
الجبار القهار المتكبر مالك الملك
كله، قد تكرم - في عليائه - فالتفت إلى
هذه الخليقة المسماة بالإنسان،
القابعة في ركن من أركان الكون لا
يكاد يُرى اسمه الأرض، وكرَّم هذه
الخليقة باختيار واحد منها؛ ليكون
ملتقى نوره الإلهي، ومستودع حكمته،
ومهبط كلماته، وممثل قَدَرِه الذي
يريده سبحانه بهذه الخليقة.
وما
دلالة هذا الحادث؟
دلالته
في جانب الله سبحانه - أنه ذو الفضل
الواسع، والرحمة السابغة، الكريم
الودود المنَّان. يفيض من عطائه
ورحمته بلا سبب ولا عِلَّة، سوى أن
الفيض والعطاء بعض صفاته الذاتية
الكريمة.
ودلالته
- في جانب الإنسان - أن الله سبحانه قد
أكرمه كرامة لا يكاد يتصورها، ولا
يملك أن يشكرها، وأن هذه وحدها لا
ينهض لها شكره ولو قضى عمره راكعًا
ساجدًا.. هذه.. أن يَذْكُره الله،
ويلتفت إليه، ويصله به، ويختار من
جنسه رسولاً يوحي إليه بكلماته، وأن
تصبح الأرض.. سكنه.. مهبطًا لهذه
الكلمات التي تتجاوب بها جنبات
الوجود في خشوع وابتهال.
فأما
آثار هذا الحادث الهائل في حياة
البرية كلها فقد بدأت منذ اللحظة
الأولى، بدأت في تحويل التاريخ منذ أن
بدأت في تحويل خط الضمير الإنساني..
منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها
الإنسان، ويتلقى عنها تصوراته وقيمه
وموازينه.. إنها ليست الأرض وليس
الهوى.. إنما هي السماء والوحي الإلهي.
ومنذ
هذه اللحظة عاش أهل الأرض الذين
استقرت في أرواحهم هذه الحقيقة.. في
كنف الله ورعايته المباشرة الظاهرة،
عاشوا يتطلعون إلى الله مباشرة في كل
أمرهم، كبيره وصغيره يُمسُون
ويتحركون تحت عين الله، ويتوقعون أن
تمتد يده - سبحانه - فتنقل خطاهم في
الطريق خطوة خطوة، تردهم عن الخطأ
وتقودهم إلى الصواب.
ولقد
ظلت آثار هذا الحدث تعمل في حياة
البشر منذ تلك اللحظة إلى هذه اللحظة،
وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
|