الصفحة الرئيسة / صفحة رمضان  
 

الصيام وحكمته


ما يستحب للصائم

تعجيل الإفطار

ويستحب للصائم تعجيل الإفطار، فقد رغب في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله وفعله.

ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (متفق عليه من حديث سهل بن سعد، كما في اللؤلؤ والمرجان -668).

وإنما أحب التعجيل لما فيه من التيسير على الناس، وكره التأخير لما فيه من شبهة التنطع والغلو في الدين، والتشبه بأهل الأديان الأخرى الذين كانوا يغلون في دينهم.

فعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون" (رواه أبو داود في الصوم (2353)، وابن ماجه (1698)، وابن خزيمة (2060)، والحاكم (431/1) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي).

ومعنى التعجيل

أنه بمجرد غياب قرص الشمس من الأفق يفطر. وفي الحديث الصحيح: "إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم" (متفق عليه من حديث عمر، اللؤلؤ والمرجان -668).

ويكفيه في ذلك أن يغلب على ظنه غروبها، فالظن الغالب يكفي في هذه الأمور، كما في القبلة وغيرها، وقد أفطر المسلمون في عهده عليه الصلاة والسلام، وهو معهم، ثم طلعت الشمس.

وكان من سنته العملية عليه الصلاة والسلام:.

ما رواه أنس خادمه: أنه كان يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات، فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء (رواه أحمد -164/3، وأبو داود -2356، والترمذي -696).

ويقول أيضًا: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى صلاة المغرب حتى يفطر، ولو على شربة من ماء (رواه أبو يعلي وقال الهيثمي في (المجمع): رجاله رجال الصحيح -155/3، وابن خزيمة -2063، وابن حبان -3495).

وقال عليه الصلاة والسلام: "من وجد التمر فليفطر عليه، ومن لم يجد التمر، فليفطر على الماء، فإن الماء طهور" (رواه عبد الرزاق في مصنفه (7586)، وأحمد (17/4، 18)، وأبو داود (2355)، والترمذي (694)، وابن ماجه (1699)، وابن خزيمة (2067)، وابن حبان (893)، والحاكم (431/1، 432)، وصححه ووافقه الذهبي. والأمر هنا للاستحباب عند الفقهاء كافة، إلا أن ابن حزم شذ، فجعله للوجوب على قاعدته، وأوجب الفطر على التمر إن وجده. وإلا فالماء).

والبلاد التي لا يوجد فيها الرطب أو التمر، يغني عنها بعض الفواكه الأخرى أو شيء من الحلو.

وينبغي أن يلزم الاعتدال في تناول الطعام، فلا يسرف ويكثر إلى حد التخمة، فيُضَيِّع حكمة الصيام الصحية، كما يفعله كثير من الصائمين.

السحور وتأخيره

ومما سنَّه النبي صلى الله عليه وسلم للصائم أن يتسحر، وأن يؤخر السحور.

والسحور:.

ما يؤكل في السحر، أي بعد منتصف الليل إلى الفجر، وأراد بذلك أن يكون قوة للصائم على احتمال الصيام، وجوعه وظمئه، وخصوصًا عندما يطول النهار.

ولذا قال: "تسحروا فإن في السحور بركة" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -665).

وفيه تمييز كذلك لصيام المسلمين عن غيرهم، وفي الصحيح: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر" (مسلم -1096، وأبو داود (2343)، والنسائي (2168)، والترمذي (907) عن عمرو بن العاص).

والأصل في السحور أن يكون طعامًا يؤكل، ولو شيئًا من التمر، وإلا فأدنى ما يكفي شربة من ماء.

روى أبو سعيد اخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "السحور كله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحرين" (قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد، وإسناده قوي. وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3683)، عند ابن حبان (883، 884) عن حديث ابن عمر: "تسحروا ولو بجرعة ماء").

ومن بركة السحور:.

أنه - بجوار ما يهيئه للمسلم من وجبة مادية - يهييء له وجبة روحية، بما يكسبه المسلم من ذكر واستغفار ودعاء، في هذا الوقت المبارك، وقت السحر الذي تنزل فيه الرحمات، عسى أن يكون من المستغفرين بالأسحار.

ومن السنة تأخير السحور، تقليلاً لمدة الجوع والحرمان، قال زيد بن ثابت: تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، فسأله أنس: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين آية (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -666).

وقوله تعالى: (فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) تفيد جواز الأكل إلى أن يتبين الفجر.

ومن شك هل طلع الفجر أم لا، جاز له أن يأكل ويشرب حتى يستيقن، وهكذا قال حبر الأمة ابن عباس: كل ما شككت حتى تستيقن.

ونقله أبو داود عن الإمام أحمد: أنه يأكل حتى يستيقن طلوعه.

بل روى أحمد والنسائي وابن ماجه عن حذيفة قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النهار، إلا أن الشمس لم تطلع (ذكره ابن كثير في تفسيره -222/1).

وحمله النسائي على أن المراد قرب النهار.

عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا سمع أحدكم النداء، والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه" (رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي 426/1).

وعن عائشة: أن بلالاً كان يؤذن بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم: فإنه لا يؤذن، حتى يطلع الفجر" (البخاري في الصوم).

قال ابن كثير: (وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف: أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلى، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين، منهم محمد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود، وعطاء والحسن، والحكم بن عيينة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش، وجابر بن راشد) (تفسير ابن كثير -222/1 ط. عيسى الحلبي).

ومن هنا نعلم أن الأمر في وقت الفجر، ليس بالدقيقة والثانية، كما عليه الناس اليوم، ففي الأمر سعة ومرونة وسماحة، كما كان عليه الكثير من السلف الصالح من الصحابة والتابعين.

وما تَعَوَّدَه كثير من المسلمين من الإمساك مدة قبل الفجر من قبيل الاحتياط مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكتابة ذلك في الصحف والتقاويم والإمساكيات مما ينبغي أن يُنكر.

قال الحافظ ابن حجر: (من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام، زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس. وقد جرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت - زعموا - فأخَّروا الفطور وعجَّلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم الخير، وكثر الشر، والله المستعان)! (فتح الباري -102/5 ط. الحلبي).

السحور للصائم

س: أفيدونا عن السحور .. هل هو شرط في صحة الصوم، أم أنه ليس كذلك ؟؟

ج: السحور ليس شرطًا في الصيام، وإنما هو سنة، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فعلها وأمر بها، وقال: " تسحروا، فإن في السحور بركة " (متفق عليه من حديث أنس) فيُسن السحور ويسن تأخيره، لأنه مما يقوي المسلم الصيام، ويخفف عنه مشقة الصوم ؛ لأنه يقلل مدة الجوع والعطش، وقد جاء هذا الدين بالميسرات، التي تيسر على الناس عباداتهم، وترغبهم فيها، ومن ذلك تعجيل الفطور وتأخير السحور، فيسن للمسلم الصائم أن يقوم إلى السحور ويتسحر ولو بالقليل ولو بتمرة أو شربة ماء، عملاً بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي السحور فائدة أخرى روحية، وهي التنبه والاستيقاظ قبل الفجر، ساعة السحور التي يتجلى الله فيها لعباده، فيجيب من دعا، ويغفر لمن استغفر، ويتقبل ممن عمل صالحًا . وما أعظم الفرق بين من يقضي هذا الوقت ذاكرًا تاليًا، ومن يمر عليه راقدًا نائمًا.

السحور عند أذان الفجر

س :إذا تأخر الإنسان في السحور مجبرًا، كأن يغلبه النوم، وسمع أذان الفجر وكان ما يزال يأكل طعام سحوره، فهل يترك الطعام فور سماعه الأذان ؟ أم من الجائز الاستمرار في الأكل حتى انتهاء الأذان.

ج :إذا تأكد أن أذان الفجر في موعده المضبوط، حسب التقويم المحلي للبلد الذي يصوم فيه، وجب عليه أن يترك الأكل والشرب فور سماعه الأذان، بل لو كان في فمه طعام وجب عليه أن يلفظه حتى يصح صومه . أما إذا كان يعرف أن الأذان قبل موعده بدقائق، أو على الأقل يشك في ذلك فمن حقه أن يأكل أو يشرب حتى يستيقن من طلوع الفجر.

وهذا ميسور الآن بواسطة التقويم (الإمساكيات) والساعات الدقيقة التي لا يخلو منها بيت.

قال رجل لابن عباس رضي الله عنه: إني أتسحر، فإذا شككت أمسكت.

قال ابن عباس: كل، ما شككت، حتى لا تشك.

وقال الإمام أحمد: إذا شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه.

وقال النووي: وقد اتفق أصحاب الشافعي على جواز الأكل للشاك في طلوع الفجر: والدليل على ذلك أن الله تعالى أباح الأكل والشرب في ليلة الصيام إلى غاية هي تبين الفجر، والشاك لم يتبين له الفجر، قال تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر). (البقرة: 187).

ومن هنا نتبين أن الإمساك مدة من الزمن قبل الفجر بصفة دائمة لم يرد به كتاب ولا سنة وهو لون من الغلو في الدين، وينافي ما جاء في السنة من استحباب تأخير السحور . والله أعلم.

التنزه عن اللغو والرفث والجهل والسبِّ

وينبغي للصائم أن يزداد حرصًا على التنزه عن اللغو والرفث والصخب والجهل، والسب والشتم.

وهذا شأن المؤمنين في كل وقت وحال، كما قال تعالى في وصف المؤمنين المفلحين: (والذين هم عن اللغو معرضون) (المؤمنون: 3) وفي وصف عباد الرحمن: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) (الفرقان: 63) ولكن هذا آكد في حال الصيام.

وقد قال عليه الصلاة والسلام: "الصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب (وفي رواية: ولا يجهل) فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -706،707). وفي رواية: مرتين.

والرفث: الكلام المتعلق بالنساء وأمور الجنس، وقيل: الفحش في الكلام عامة. والصخب: الصياح ورفع الأصوات، شأن الجهال، وهذا معنى (ولا يجهل).

ومن أدب الصائم أن يدفع السيئة بالحسنة، وأن يقول لمن سبَّه أو شتمه: إني صائم، يقول ذلك بقلبه ولسانه، يخاطب بذلك نفسه ليلجمها بلجام التقوى، ويخاطب بذلك شاتمه ليكفَّ شره، ويُطفئ غضبه بماء الحلم والدفع بالتي هي أحسن.

وأولى بالتَّنزُّه من اللغو والرفث والصخب: الكذب والزور، والغيبة والنميمة ونحوها من آفات اللسان، التي تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

والصيام المقبول حقًا هو الذي يصوم فيه اللسان والجوارح، عن معصية الله كما يصوم البطن عن الطعام والشراب، والفرج عن مباشرة النساء.

يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث" (رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي -430/1). وقال أيضًا: "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع " (رواه النسائي وابن ماجه والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري كما في المجموع للنووي -356/6. وانظر: المستدرك -431/1).

وإن وقت الصائم لأغلى وأنفس من أن ينفق في هذه المهلكات، التي إن لم تبطل الصيام - كما قاله جماعة من السلف - ذهبت بأجره كله أو بعضه.

التليفزيون والصيام

س: ما رأي الشرع الحنيف في مشاهدة التليفزيون للصائم في رمضان ؟

ج: التليفزيون وسيلة من الوسائل، فيه خير وفيه شر، والوسائل لها حكم المقاصد دائمًا، فالتليفزيون كالإذاعة ... وكالصحافة .. فيها ما هو طيب وما هو خبيث . وعلى المسلم أن ينتفع بالطيب، وأن يتجنب الخبيث، سواء كان صائمًا أم غير صائم ... ولكن في الصيام، على المسلم أن يحتاط أكثر، حتى لا يفسد صومه، وحتى لا يذهب أجره ويحرم من مثوبة الله عز وجل.

فمشاهدة التليفزيون، لا أقول فيها حلال مطلق ولا حرام مطلق . وإنما يتبع ذلك الشيء الذي يشاهد في هذا الجهاز: فإن كان خيرًا جازت رؤيته، وسماعه، كبعض الأحاديث الدينية، ونشرات الأخبار، والبرامج الموجهة إلى الخير .. وإن كان شرًا كبعض المشاهد الراقصة الخليعة ونحو ذلك، فهذا يحرم رؤيته في كل وقت، ويتأكد ذلك في شهر رمضان.

وبعض المشاهدة تكره رؤيتها وإن لم تصل إلى درجة الحرمة.

وكل وسيلة من الوسائل تصد عن ذكر الله فهي حرام ...

فإذا كانت مشاهدة التليفزيون، أو سماع الراديو وغير ذلك، يلهي عن واجب أوجبه الله على عباده كالصلاة .. ففي هذه الحالة يحرم .. يحرم الاشتغال عن الصلاة بأي شيء ... فالله سبحانه وتعالى حينما علل تحريم الخمر والميسر، جعل من هذه العلة (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ؟). (المائدة: 91).

وعلى المسئولين عن برامج التليفزيون، أن يتقوا الله فيما ينبغي أن يقدم للجمهور دائمًا، وفي رمضان خاصة، رعاية لحرمة الشهر المبارك، وإعانة للناس على طاعة الله، والاستزادة من الخيرات، حتى لا يحملوا إثم أنفسهم، وإثم المشاهدين معهم، كالذين قال الله فيهم: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون). (النحل: 25).

 قيام ليالي رمضان وصلاة التراويح

فرض الله تعالى صيام أيام رمضان، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام لياليه. عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -435).

ومعنى (إيمانًا): أي تصديقًا بوعد الله تعالى، ومعنى (احتسابًا): أي طلبًا لوجه الله تعالى وثوابه.

ومن صلى التراويح كما ينبغي فقد قام رمضان.

والتراويح:.

هي تلك الصلاة المأثورة التي يؤديها المسلمون جماعة في المسجد، بعد صلاة العشاء.

وقد سَنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين صلى بأصحابه ليلتين، أو ثلاثًا ثم تركها خشية أن تفرض عليهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا، فصلاها الصحابة فرادى، حتى جمعهم عمر على الصلاة خلف أبي بن كعب.

فعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة (أي من رمضان) من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلُّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله.. حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس فتشهد ثم قال: "أما بعد، فإنه لم يخف علّي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -436).

وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، أي يصلون فرادى، وكذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر.

روى البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه! والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يعنى آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله (رواه البخاري في كتاب التراويح).

وقول عمر: (نعمت البدعة هذه) لا يعني بها (البدعة الدينية) التي يراد بها استحداث أمر في الدين لايندرج تحت أصل شرعي، إنما يراد بها المعنى اللغوي للبدعة، باعتبار أنها أمر لم يكن في عهده، ولا عهد أبي بكر من قبل.

ولكنه وافق الهدي النبوي، حيث قرر النبي صلى الله عليه وسلم، صلاة أصحابه وراءه ثلاث ليال في المسجد، ولولا خشية افتراضها عليهم وعجزهم عنها، لاستمر في الصلاة بهم، وقد زالت هذه الخشية، بإكمال الدين وانقطاع الوحي، واستقرار الشرع، وكان عمر مسددًا في عمله هذا، لما فيه من مظهر الوحدة، واجتماع الكلمة ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين، ولا سيما إذا كان حسن القراءة.

ولهذا ذهب الجمهور إلى سنية صلاة التراويح في الجماعة، بل ذهب الطحاوي من الحنفية إلى وجوبها على الكفاية (فتح الباري 156/5 ط. الحلبي).

ومن قال من العلماء قديمًا بأن الصلاة في البيوت أفضل، فهذا فيمن كان يصلي لنفسه ويطيل كثيرًا، ولا يجد صلاة جماعة تشبع نهمه.

أما إذا وجد هذه الجماعة، فالأولى أن يصلي مع المسلمين، ليكثر جماعتهم وليقوى بهم، ويقووا به.

ولذا قال بعض الشافعية: من كان يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد، بتخلفه، فصلاته في الجماعة والبيت سواء، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل (المصدر السابق).

ومثل ذلك ما يقال في شأن صلاة التراويح للنساء، وأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، فهذا لو كن يحفظن القرآن، ولا يكسلن عن الصلاة إذا جلسن في البيت.

ولكن المُشاهد أن المرأة إذا لم تذهب إلى المسجد فهيهات أن تصلي، ولو صلت فستكون صلاة كنقر الديكة.

على أنها في المسجد تسمع القرآن، والموعظة الحسنة، وتلتقي بالمسلمات الصالحات، فيتعاون على البر والتقوى، وفي هذا خير كثير.

ولم تذكر رواية البخاري عدد الركعات التي كان يصلى بها أبي بن كعب، وقد اختلف في ذلك ما بين إحدى عشرة، وثلاث عشرة، وإحدى وعشرين. أي مع الوتر قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس.

وقد ورد أنهم كانوا يقرأون بالسور الطوال، ويقومون على العصي من طول القيام.

وفي إمارة عمر بن عبد العزيز بالمدينة، كانوا يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث.

قال مالك: وهو الأمر القديم عندنا.

وقال الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وفي مكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق.

وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود (أي عدد الركعات) فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة، فحسن، والأول أحب إليَّ.

وصلى بعض السلف أربعين غير الوتر (انظر في هذا كله: فتح الباري -157/5 ط. الحلبي).

ولا تضييق في ذلك كما قال الإمام الشافعي، ولا ينبغي أن ينكر بعض الناس على بعض في ذلك، مادامت الصلاة تأخذ حقها من الطمأنينة والخشوع.

فمن صلى بإحدى عشرة، فقد اهتدى بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره، على إحدى عشرة ركعة (رواه البخاري وغيره).

وعن جابر: أنه عليه الصلاة والسلام - صلى بهم ثماني ركعات، ثم أوتر أي بثلاث.

ومن صلى بثلاث وعشرين، فله أسوة بما كان في عهد عمر، كما رواه غير واحد، وقد أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.

ومن صلى بتسع وثلاثين أو إحدى وأربعين، فله أسوة بما كان عليه العمل في المدينة في خير قرون الأمة، وقد شاهده إمام دار الهجرة، وقال: وعلى هذا العمل من بضع ومائة سنة.

والصلاة خير موضوع، ولم يرد تحديد العدد في رمضان - ولا في غيره بمقدار معين.فلا معني لإنكار بعض العلماء المعاصرين على من صلى عشرين أنه خالف السنة، والهدي النبوي، أو من صلى ثمانيا أنه خالف المأثور عن سلف الأمة وخلفها.

وإن كان الأحب إليَّ هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله لا يرضى له إلا الأفضل، وذلك (إحدى عشرة ركعة) بالوتر مع تطويل القراءة والصلاة.

والذي يجب إنكاره من الجميع تلك الصلاة التي تُؤدَّى في بعض مساجد المسلمين وكأنما يلهب ظهورهم سوط يسوقهم إلى الفراغ منها وهى (20 ركعة) في أقل من ثلث ساعة!! والله تعالى يقول: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) (المؤمنون: 1،2).

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلمات جامعة نافعة في بيان مشروعية صلاة التراويح بأي من الأعداد المروية فيها، قال رضي الله عنه:.

(ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في رمضان، ويوتر بثلاث فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة، لأنه قام بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر.

واستحب آخرون تسعًا وثلاثين ركعة، بناء على أنه عمل أهل المدينة القديم.

وقالت طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، واضطربوا في الأصل لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين.

والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما نصَّ على ذلك الإمام أحمد، وأنه لا يوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيه عددًا، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يطيل القيام بالليل، حتى قد ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة: أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة والنساء وآل عمران، فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات.

وأبي بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة، لم يمكن أن يطيل بهم القيام فكثر الركعات، ليكون ذلك عوضًا عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام، فكثروا الركعات، حتى بلغت تسعًا وثلاثين).

أما أي هذه الأعداد أفضل؟ فقد قال شيخ الإسلام:.

(ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين و أوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ فكيفما قام بهم في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن.

والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لنفسه في رمضان وغيره، فهو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين أفضل فهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشرين وبين الأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يزاد ولا ينقص منه فقد أخطأ) أ.هـ.

خروج المرأة لصلاة التراويح

س: بعض المسلمات يواظبن على صلاة التراويح في المسجد، تخرج إحداهن إلى الصلاة بدون إذن زوجها، كما أن بعضهن تسمع أصواتهن متحدثات في المسجد، فما حكم صلاتهن ؟ وهل هي واجبة عليهن ؟

ج: صلاة التراويح ليست واجبة على النساء ولا على الرجال، وإنما هي سنة لها منزلتها وثوابها العظيم عند الله . روى الشيخان عن أبي هريرة قال: يأمرهم بعزيمة ثم يقول: " من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله ما تقدم من ذنبه ".

من صلى التراويح بخشوع واطمئنان مؤمنًا محتسبًا، وصلى الصبح في وقتها، فقد قام رمضان واستحق مثوبة القائمين.

وهذا يشمل الرجال والنساء جميعًا . إلا أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها بالمسجد، ما لم يكن وراء ذهابها إلى المسجد فائدة أخرى غير مجرد الصلاة، مثل سماع موعظة دينية، أو درس من دروس العلم، أو سماع القرآن من قارئ خاشع مجيد . فيكون الذهاب إلى المسجد لهذه الغاية أفضل وأولى . وبخاصة أن معظم الرجال في عصرنا لا يفقهون نساءهم في الدين، ولعلهم لو أرادوا لم يجدوا عندهم القدرة على الموعظة والتثقيف، فلم يبق إلا المسجد مصدرًا لذلك فينبغي أن تتاح لها هذه الفرصة، ولا يحال بينها وبين بيوت الله . ولا سيما أن كثيرًا من المسلمات إذا بقين في بيوتهن لا يجدن الرغبة أو العزيمة التي تعينهن على أداء صلاة التراويح منفردات بخلاف ذلك في المسجد والجماعة.

على أن خروج المرأة من بيتها - ولو إلى المسجد - يجب أن يكون بإذن الزوج، فهو راعي البيت، والمسئول عن الأسرة، وطاعته واجبة ما لم يأمر بترك فريضة، أو اقتراف معصية فلا سمع له إذن ولا طاعة.

وليس من حق الرجل أن يمنع زوجته من الذهاب إلى المسجد إذا رغبت في ذلك إلا لمانع معتبر . فقد روى مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " .

والمانع المعتبر شرعًا: أن يكون الزوج مريضًا مثلاً، وفي حاجة إلى بقائها بجواره تخدمه وتقوم بحاجته . أو يكون لها أطفال صغار يتضررون من تركهم وحدهم في البيت مدة الصلاة وليس معهم من يرعاهم، ونحو ذلك من الموانع والأعذار المعقولة.

وإذا كان الأولاد يحدثون ضجيجًا في المسجد، ويشوشون على المصلين بكثرة بكائهم وصراخهم، فلا ينبغي أن تصطحبهم معها فترة الصلاة . فإن ذلك وإن جاز في صلوات الفرائض اليومية لقصر مدتها ينبغي أن يمنع في صلاة التراويح لطول مدتها، وعدم صبر الأطفال عن أمهاتهم هذه المدة التي قد تزيد على الساعة.

وأما حديث النساء في المساجد، فشأنه شان حديث الرجال، ولا يجوز أن يرتفع الصوت به لغير حاجة . وبخاصة الأحاديث في أمور الدنيا، فلم تجعل المساجد لهذا، إنما جعلت للعبادة أو العلم.

فعلى المسلمة الحريصة على دينها أن تلتزم الصمت في بيت الله، حتى لا تشوش على المصلين أو على درس العلم، فإذا احتاجت إلى الكلام، فليكن ذلك بصوت خافت وبقدر الحاجة، ولا تخرج عن الوقار والاحتشام في كلامها ولبسها ومشيتها.

وأحب أن أقول هنا كلمة منصفة: إن بعض الرجال يسرفون إسرافًا شديدًا في الغيرة على جنس النساء، والتضييق عليهن، فلا يؤيدون فكرة ذهاب المرأة إلى المسجد بحال، برغم الحواجز الخشبية العالية التي تفصل بين الرجال والنساء، والتي لم يكن لها وجود في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، والتي تمنع النساء من معرفة تحركات الإمام إلا بالصوت والسماع، ولا غرو أن ترى بعض هؤلاء الرجال يسمحون لأنفسهم في المسجد بالكلام والأحاديث، ولا يسمح أحدهم لامرأة أن تهمس في أذن جارتها بكلمة ولو في شأن ديني، وهذا مبعثه التزمت وعدم الإنصاف، والغيرة المذمومة التي جاء بها الحديث: " إن من الغيرة ما يبغضه الله ورسوله "، وهي: الغيرة في غير ريبة.

لقد فتحت الحياة الحديثة الأبواب للمرأة . فخرجت من بيتها إلى المدرسة والجامعة والسوق وغيرها، وبقيت محرومة من خير البقاع وأفضل الأماكن وهو المسجد . وإني أنادي بلا تحرج: أن أفسحوا للنساء في بيوت الله، ليشهدن الخير، ويسمعن الموعظة ويتفقهن في الدين، ولا بأس أن يكون من وراء ذلك ترويح عنهن في غير معصية ولا ريبة، ما دمن يخرجن محتشمات متوقرات بعيدات عن مظاهر التبرج الممقوت.

والحمد لله رب العالمين.

الإسراع في صلاة التراويح

س: ما حكم الإسراع في صلاة التراويح ؟

ج: ثبت في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه " . فالله سبحانه وتعالى شرع في رمضان في نهاره الصيام، وشرع على لسان رسوله في ليلة القيام، وجعل هذا القيام سببًا للتطهر من الذنوب والخطايا .. ولكن القيام الذي تغفر به الذنوب، وتغسل فيه الأدناس، هو الذي يؤديه المسلم كاملاً بشروطه وأركانه وآدابه وحدوده . وقد علمنا أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة كقراءة الفاتحة، وكالركوع وكالسجود .. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما أساء بعض الناس الصلاة أمامه ولم يؤد لها حقها من الاطمئنان، قال له: " ارجع فصل، فإنك لم تصل " .. ثم علمه كيف تكون الصلاة المقبولة فقال له: " اركع حتى تطمئن راكعًا، واعتدل حتى تطمئن قائمًا، واسجد حتى تطمئن ساجدًا، واجلس بين السجدتين حتى تطمئن جالسًا وهكذا " (رواه الشيخان وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة) .. فالطمأنينة في جميع هذه الأركان شرط لابد منه، وحدّ الطمأنينة المشروطة قد اختلف فيه العلماء . فمنهم من جعل أدناه أن يكون مقدار تسبيحة كأن يقول: سبحان ربي الأعلى مثلاً . وبعضهم - كالإمام شيخ الإسلام ابن تيمية اشترط أن يكون مقدار الطمأنينة في الركوع والسجود نحو ثلاث تسبيحات، فقد جاء في السنة أن التسبيح ثلاث، وذلك أدناه فلابد أن تطمئن بمقدار ثلاث تسبيحات ... ويقول الله عز وجل: (قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون). (المؤمنون: 1، 2).

والخشوع نوعان :

خشوع بدن، وخشوع قلب.

فخشوع البدن: أن يطمئن البدن ولا يعبث ولا يلتفت المرء تلفت الثعلب .. ولا ينقر الركعات والسجدات نقر الديكة، وإنما يؤديها بأركانها وحدودها كما شرعها الله عز وجل ..

لابد إذن من خشوع البدن .. ولابد من خشوع القلب ..

وخشوع القلب معناه استحضار عظمة الله عز وجل، وذلك بالتأمل في معاني الآيات التي تُتلى، وبتذكر الآخرة، وبتذكر أن المصلي بين يدي الله عز وجل .. وأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) . قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) . قال الله عز وجل: أثنى علىَّ عبدي . وإذا قال: (مالك يوم الدين) . قال الله تعالى: مجّدني عبدي . وإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين)، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم) . قال الله تعالى: هذا لعبدي . ولعبدي ما سأل ". (رواه مسلم).

فالله سبحانه وتعالى ليس بمعزل عن المصلي، ولكنه يجيبه، فلابد أن يتجاوب المسلم المصلي مع الله عز وجل، وأن يستحضر قلبه في كل حركة من حركات الصلاة، وفي كل وقت من أوقاتها، وفي كل ركن من أركانها، فالذين يصلون وكل همهم أن يفرغوا من الصلاة، وأن يتخلصوا منها، وأن يلقوها كأنها عبء فوق ظهورهم، فإنها ليست هذه هي الصلاة المطلوبة . وكثير من الناس يصلون في رمضان العشرين والثلاث والعشرين ركعة في دقائق معدودات، كل همه أن يخطف الصلاة خطفًا، وأن ينتهي منها في أسرع وقت ممكن ... لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها .. فهذه كما ورد في الحديث: " تعرج إلى السماء وهي سوداء مظلمة تقول لصاحبها: ضيَّعك الله كما ضيَّعتني " .

والصلاة الخاشعة المطمئنة تعرج إلى السماء بيضاء ناصعة تقول لصاحبها: حفظك الله كما حفظتني.

ونصيحتي لكثير من الأئمة والمصلين الذين يصلون هذا العدد بغير إتقان ولا خشوع ولا حضور قلب ولا سكون بدن، أن يصلوا ثماني ركعات مطمئنة خاشعة متقنة خير من هذه العشرين، فليست العبرة بالكم والكثرة، ولكنّ العبرة بالكيف والنوع ... العبرة في الصلاة نفسها .. هل هي صلاة الخاشعين ؟ أم هي صلاة الخطافين ؟

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المؤمنين الخاشعين.

المرأة وصلاة التراويح

س: هل الأفضل للمرأة في شهر رمضان المبارك أن تصلي التراويح في البيت أم في المسجد؟

ج: صلاة التراويح بالنسبة للمرأة وللرجل جميعًا، يجوز أن تؤدي في البيت ويجوز أن تؤدي في المسجد إلا أن صلاة المرأة في بيتها - بصفة عامة - أفضل.

ولكن إذا كانت المرأة تستفيد في المسجد درسًا علميًا أو تسمع موعظة تنتفع بها في دينها، تكون صلاتها في المسجد أفضل لها . فإن طلب العلم والتفقه في الدين فرض عليها.

والحقيقة أني أرى النساء في هذه الأيام محرومات من التوجيهات الدينية النافعة، والدروس العلمية التي تفقهها في دينها، وتعرفها حق ربها وواجب طاعته وعبادته والاستقامة على نهجه، كما تعرفها حق زوجها، وحق أولادها، فلا الزوج يعلمها ذلك، ولا هي تسعى إلى دروس العلم.

فإذا كان رمضان، وأمكن أن تستفيد مما يلقى فيه من دروس ومواعظ، فالأفضل لها أن تذهب إلى المسجد، وإلا فلها أن تصلي في البيت، وإذا رغبت - على أي حال - أن تصلي في المسجد، فليس لزوجها أن يمنعها، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " (رواه مسلم) بشرط أن تلتزم المرأة الأدب الإسلامي في ملابسها وفي مشيتها، ولا تتبرج بزينة، ولا تذهب متبخترة كأنها تعرض نفسها .. لا ينبغي هذا، وإنما ليكن ذهابها خالصًا لله، لا للفرجة ولا للمباهاة، وهذا ما ينبغي أن تحرص عليه المرأة المسلمة.

 اغتنام أيام رمضان في الذكر والطاعة والجود

رمضان موسم من مواسم الخير، تضاعف فيه الحسنات، وترجى فيه المغفرة، وتزداد فيه الرغبة في الخير، والمحروم حقًا من حرم في هذا الشهر رحمة الله عز وجل.

وإنما تُنال رحمة الله تعالى بالإقبال عليه، والاجتهاد في ذكره وشكره، وحسن عبادته.

وقد ابتُلينا ببعض المسلمين الذين يقضون النهار في منام، والليل في طعام ويضيعون فرصة التزود من هذا الشهر الكريم.

في الحديث الصحيح: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين" (متفق عليه عن أبي هريرة، اللؤلؤ والمرجان -656).

وفي طريق لعبد الرزاق وغيره: "وينادي فيه مناد: يا باغي الخير، هَلُمّ، ويا باغي الشر أقصر" (عبد الرزاق -7386، وابن خزيمة -1883، ورواه الحاكم بنحوه، وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي -421/1).

ومن ألوان الطاعة في هذا الشهر:.

الإكثار من ذكر الله تعالى: والاستغفار والدعاء وتلاوة القرآن الكريم، والحرص على الصلاة في الجماعة.

وهذا مُستحب للمسلم في كل وقت، ولكنه في رمضان أكثر استحبابًا، حتى لا يتسرب منه الشهر الكريم يومًا بعد يوم، دون أن ينال حظه فيه من المغفرة والعتق من النار، ولله كل ليلة فيه عتقاء من النار.

وقد روى كعب بن عجرة وغيره: أن جبريل عليه السلام دعا على من أدرك رمضان فلم يغفر له، وأمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي -154/4، وقال الهيثمي في المجمع -166/10: رواه الطبراني ورجاله ثقات).

ومن أهم ما ينبغي للصائم الحرص عليه في رمضان: الجود وفعل الخير، وبذل المعروف للناس، وإطعام الطعام.

فهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة (رواه البخاري في الصوم وفي بدء الوحي).

ومن هنا اعتاد المسلمون من قديم مد الموائد لتفطير الصائمين في رمضان، لما فيها من الثواب الجزيل.

 الدعاء طوال النهار وخصوصًا عند الإفطار

يستحب للصائم أن يرطب لسانه بذكر الله ودعائه طوال يوم صومه، فإن الصوم يجعله في حالة روحية تقربه من الله تعالى، وتجعله في مظنة الاستجابة لدعائه.

والذكر والدعاء مطلوب من الصائم طوال نهاره، ولكنه مطلوب بصورة خاصة عند الإفطار. وأولى ما يقوله الصائم عند فطره ما رواه ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا أفطر: "ذهب الظمأ وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى" (رواه أبو داود (2357)، والدارقطني (185/2) وحسن إسناده، والحاكم (422/1) وقال: صحيح على شرط البخاري. والعمل بهذا الخبر أولي من خبر أنس وابن عباس أنه كان يقول: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم" رواه الدارقطني، لأن سنده ضعيف).

ويدعو عند الإفطار بما أحب لدينه ودنياه وآخرته، لنفسه ولذويه وللمسلمين فهو وقت تُرجى فيه الإجابة. فقد روى ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو: "أن للصائم عند فطره دعوة ما ترد" (رواه ابن ماجة -1753، وذكر البوصيري في الزوائد: أن إسناده صحيح، وانظر: تعليقنا في (المنتقى) على الحديث -521). وكان عبد الله بن عمرو يجمع بنيه عند الإفطار ويدعو قائلا: اللهم أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي.

وروى أبو هريرة: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم" (رواه الترمذي وحسنه (3595)، وابن ماجة (1752)، وصححه ابن حبان (2408)، وحسنه ابن حجر في أماليه على الأذكار، ورواه أحمد في حديث وصحَّحه أحمد شاكر، انظر (المنتقى من الترغيب والترهيب) وتعليقنا على الحديث -522). وفي رواية: "والصائم حتى يفطر".

 الاجتهاد في العشر الأواخر

صحت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها (رواه أحمد ومسلم والترمذي عن عائشة: كما في صحيح الجامع الصغير -4910).

وقالت عائشة: كان إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله رواه الستة إلا الترمذي عن عائشة، المصدر السابق -4713 وانظر: اللؤلؤ والمرجان -730).

وشد المئزر كناية عن الاجتهاد في العبادة، يُقال للمجتهد في أمر: شمر عن ساقيه، كما يكنى به عن اعتزال النساء.

والمراد بقولها: (أحيا ليله) (عبرت عائشة عن القيام بالإحياء، دلالة على أن الأوقات التي لا تغتنم في طاعة الله تعالى أوقات ميتة).، أي أحياه كله بالقيام والتعبد والطاعة وقد كان قبل ذلك يقوم بعضه، وينام بعضه، كما أمره الله في سورة (المزمل).

ومعنى (أيقظ أهله): أي زوجاته أمهات المؤمنين، ليشاركنه في اغتنام الخير والذكر والعبادة في هذه الأوقات المباركة.

وبهذا يعلمنا أن يتعهد المسلم أهله وأسرته بالتذكير بمواقع الخير، والأمر به، كما قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) (طه: 132).

ومن دلائل حرصه صلى الله عليه وسلم على الاجتهاد في العشر الأواخر: اعتكافه فيها في المسجد، متفرغًا لعبادة الله تعالى. ذكرت عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده (متفق عليه اللؤلؤ والمرجان -728، 729، ورواه عنه كذلك ابن عمر، المصدر نفسه -727).

والاعتكاف:.

عزلة مؤقتة عن شواغل الحياة، وإقبال بالكلية على الله تبارك وتعالى، والأنس بعبادته.

والإسلام لم يشرع الرهبانية، ولا التعبد بالعزلة الدائمة، ولكنه شرع هذه الفترات المؤقتة في أوقات معينة، لترتوي القلوب الظامئة إلى المزيد من التعبد والتجرد لله رب العالمين.


ساهم في بناء صفحة رمضان
صور - رسومات - كتابات
ramadan@islam-online.net

 

قال صلى الله عليه وسلم

أعيـــــادنا

 

دعوناك ربنا

 

من قلوب العلماء

 

المسلم الصغير

 

نفحات رمضان

 

فقه الصيام

 

المسابقة الكبرى

 

حدث في رمضان

 

رمضان حول العالم

 

ابتسامات

 

العالم في رمضان

 

تهاني رمضانية

 

مساهمات الزائرين

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع