|
س
: هل يقبل الصيام من تارك الصلاة ؟ أم
أن العبادات كلها مقرونة بعضها ببعض
بحيث لا يقبل شيء منها إذا ترك الآخر ؟
ج
: المسلم مطالب أن يؤدي العبادات كلها:
يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم
رمضان ويحج البيت متى استطاع إليه
سبيلاً . فمن ترك واحدة من هذه الفرائض
بغير عذر يعتد الله به، فلعلماء
الإسلام فيه آراء شتى، فمنهم من يذهب
إلى كفره بترك أي واحدة منها . ومنهم
من يكفر تارك الصلاة ومانع الزكاة.
ومنهم
من يكفر تارك الصلاة فحسب، لمنزلتها
في دين الله ولما ورد أن " بين العبد
وبين الكفر ترك الصلاة " (رواه مسلم).
ومن
ذهب إلى تكفير تارك الصلاة عمدًا فلا
يظن أن يقبل صومه، إذ الكافر لا تقبل
له عبادة أصلاً.
ومنهم
من يبقى عليه إيمانه وإسلامه ما دام
مصدقًا بالله ورسوله وما جاء به غير
جاحد ولا مرتاب . ويكتفي هذا الفريق من
العلماء بوصفه بالفسوق عن أمر الله.
ولعل
هذا الرأي - والله أعلم - هو أعدل
الأقوال وأقربها . وعلى هذا فإذا قصر
لكسل أو هوى في بعض الفرائض - غير منكر
ولا مستهزئ - وأدى البعض الآخر كان
ناقص الإسلام، ضعيف الإيمان، ويخشى
على إيمانه إذا استمر على الترك . ولكن
الله تعالى لا يضيّع أجر عمل أحسنه .
بل له عند الله بقدر عمله: له مثوبة ما
أدى . وعليه وزر ما فرط (وكل صغير وكبير
مستطر) (القمر: 53) (فمن يعمل مثقال ذرة
خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا
يره). (الزلزلة: 7، 8).
حكم
القبلة للصائم
لا
حرج على الصائم في القبلة، إذا لم يخف
على نفسه أن تحرك شهوته وتوقعه في
المحذور.
وقد
قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يُقَبِّل
ويُباشِر وهو صائم وكان أملككم لأربه
(متفق عليه). أي لشهوته.
وعن
عمر بن أبي سلمة: أنه سأل رسول الله
صلى الله عليه وسلم :أيُقَبِّل
الصائم؟ فقال: " سل هذه لأم سلمة"
فأخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم
يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر
الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"
والله إني أتقاكم لله وأخشاكم له" (رواه
مسلم، وعمر بن أبي سلمة هذا هو
الحميري، وليس هو ابن أم سلمة).
وعن
عمر رضي الله عنه، قال: هششت يومًا،
فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي صلى
الله عليه وسلم، فقلت: إني صنعت اليوم
أمرًا عظيمًا: قبلت وأنا صائم، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ "
قلت: لا بأس بذلك، قال " ففيم؟ " (رواه
أبو داود).
ومن
السلف من رخَّص في القُبلة للشيخ
الكبير دون الشاب كما روى ابن ماجه عن
ابن عباس: رُخِّص للكبير الصائم في
المباشرة، وكُرِه للشاب. وظاهره أنه
مرفوع.
ورواه
مالك والشافعي والبيهقي بأسانيدهم
الصحيحة عن عطاء بن يسار: أن ابن عباس
سئل عن القبلة للصائم فأرخص فيها
للشيخ وكرهها للشاب. هكذا رواه أبو
داود موقوفًا عن ابن عباس (ذكر ذلك
النووي في المجموع -354/6).
وعن
أبي هريرة: أن رجلاً سأل النبي صلى
الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم
فرخَّص له، وأتاه آخر فنهاه. هذا الذي
رخص له شيخ، والذي نهاه شاب. رواه أبو
داود بإسناد جيد ولم يضعفه، وعن ابن
عمرو بن العاص قال :كنا عند النبي صلى
الله عليه وسلم، فجاء شاب فقال: يا
رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ فقال: "لا"
فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال:
"نعم" رواه أحمد بن حنبل بإسناد
ضعيف من رواية ابن لهيعة (قاله النووي
في المجموع أيضًا، وصححه الشيخ شاكر
في تخريجه للمسند، بناء على توثيقه
لابن لهيعة بإطلاق).
وعن
الأسود قال: قلت لعائشة: أيباشر
الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يباشر؟ قالت:
كان أملككم لأربه. رواه البيهقي
بإسناد صحيح (المجموع –355/6).
وهذا
هو الضابط عندي: أن يملك أربه، ويقدر
على ضبط نفسه، وإن كان شابًا، فكم من
شيخ لا يملك نفسه!.
إذا
أكل أو شرب يظن غروب الشمس أو بقاء
الليل
إذا
أكل أو شرب أو جامع، يظن أن الشمس قد
غربت، أو أن الفجر لم يطلع، فبان
خلافه فقد ذهب الأئمة الأربعة: أن
صومه قد يبطل، لأنه فعل ما ينافي
الصيام، وهو الأكل في نهار رمضان،
وعليه القضاء، وإن لم يكن عليه إثم
لخطئه.
وقال
إسحاق بن راهويه وداود: صومه صحيح،
ولا قضاء عليه، وحكى ذلك عن عطاء
وعروة بن الزبير والحسن البصري
ومجاهد.
واحتجوا
بما رواه البيهقي عن زيد بن وهب قال:.
(بينما
نحن جلوس في مسجد المدينة في رمضان،
والسماء متغيمة، فرأينا أن الشمس قد
غابت، وأنَّا قد أمسينا، فأخرجت لنا
عساس من لبن من بيت حفصة، فشرب عمر رضي
الله عنه وشربنا، فلم نلبث أن ذهب
السحاب، وبدت الشمس فجعل بعضنا يقول
لبعض: نقضي يومنا هذا فسمع بذلك عمر:
فقال: والله لا نقضيه، وما تجانفنا
لإثم (إسناد هذه الرواية صحيح، ولكن
البيهقي تكلم فيها، لأنها خالفت
الروايات الأخرى قال: وزيد ثقة، إلا
أن الخطأ غير مأمون. انظر: -المجموع 310/6،311،
ولكن كلام ابن تيمية الآتي يؤيد ما
رواه زيد: وبخاصة أنها رواية واضحة
معللة، فيستبعد الخطأ فيها).
وأيضًا
فقد ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت
أبي بكر قالت: أفطرنا يومًا من رمضان
في غيم على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثم طلعت الشمس.
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا يدل على
شيئين):.
الأول:
على أنه لا يُستحب مع الغيم التأخير
إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا
ذلك ولم يأمرهم به النبي صلى الله
عليه وسلم، والصحابة مع نبيهم أعلم
وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم.
والثاني:
لا يجب القضاء، فإن النبي صلى الله
عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك،
كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل ذلك دل
على أنه لم يأمرهم به.
فإن
قيل: فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا
بالقضاء؟ قال أو بدُّ من القضاء؟.
قيل:
هشام قال ذلك برأيه: لم يرو ذلك في
الحديث، ويدل على أنه لم يكن عنده
بذلك علم: أن مُعمَّرًا روى عنه قال:
سمعت هشامًا قال: لا أدري أقضوا أم لا؟
ذكر هذا وهذا عنه البخاري. والحديث
رواه عن أمه فاطمة بنت المنذر عن
أسماء.
وقد
نقل هشام عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا
بالقضاء، وعروة أعلم من ابنه، وهذا
قول إسحاق بن راهويه - وهو قرين أحمد
بن حنبل، ويوافقه في المذهب: أصوله
وفروعه.
وقد
كان أحمد بن حنبل إذا سُئل عن إسحاق
يقول: أنا أُسأل عن إسحاق؟ وإسحاق
يُسأل عني.
وأيضًا:
فإن الله قال في كتابه: (وكلوا واشربوا
حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
الأسود من الفجر) وهذه الآية مع
الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله
عليه وسلم تبين أنه مأمور بالأكل إلى
أن يظهر الفجر، فهو مع الشك في طلوعه
مأمور بالأكل كما قد بسط في موضعه (فتاوى
شيخ الإسلام 231/25-233).
من
أكل أو شرب ناسيًا
الإنسان
بطبيعته عرضة للنسيان، حتى قال
الشاعر:.
وما
سُمي الإنسان إلا لنسيه وما القلب إلا
أنه يتقلب!.
ولقد
وصف القرآن أبا البشر آدم بالنسيان
لأهم تكليف كلف به وهو الامتناع عن
الأكل من الشجرة، قال تعالى: (ولقد
عهدنا إلى آدم من قبل فنسي).
ووصف
فتى موسى به: (فإني نسيت الحوت وما
أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) (الكهف:
63).
ومن
واقعية الشريعة الإسلامية ويسرها:
أنها راعت هذا الجانب في الإنسان
فأعلنت رفع الإثم عن الناسي، ومثله
المخطئ والمكره، لأن المسئولية ثمرة
القصد والإرادة، وهؤلاء لا إرادة لهم.
لهذا
جاء في الحديث: "إن الله وضع عن أمتي
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"
(رواه ابن ماجة عن أبي هريرة وابن عباس
وأبي ذر).
وفي
القرآن الكريم: (ربنا لا تؤاخذنا إن
نسينا أو أخطأنا) (البقرة: 286).
وفي
الصحيح: "إن الله تعالى قال: قد قبلت"
أي أجاب الدعاء.
وفي
هذا الإطار جاء الحكم النبوي بشأن
الصائم الذي ينسى فيأكل أو يشرب وهو
غير ذاكر لصومه، فلم يعتبر أكله ولا
شربه في حال النسيان قاطعًا لصومه، بل
هو رزق ساقه الله إليه، وصومه صحيح.
يقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من
أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه، فإنما
أطعمه الله وسقاه" (رواه الجماعة عن
أبي هريرة).
وفي
لفظ: "إذا أكل الصائم ناسيًا، أو
شرب ناسيًا، فإنما هو رزق ساقه الله
إليه ولا قضاء عليه" (رواه
الدارقطني في سننه -178/2 وقال: إسناد
صحيح، رواته كلهم ثقات).
وفي
لفظ: "من أفطر يومًا من رمضان
ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة" (رواه
الدارقطني أيضًا -178/2 وأخرجه ابن
خزيمة وابن حبان والحاكم، قال الحافظ
في بلوغ المرام: وهو صحيح -542).
قال
ابن القيم في إسقاط القضاء عمن أكل أو
شرب ناسيًا:.
(إن
الله هو الذي أطعمه وسقاه، فليس هذا
الأكل والشرب يضاف إليه فيفطر به،
فإنما يفطر بما فعله، وهذا بمنزلة
أكله وشربه في نومه، إذ لا تكليف بفعل
النائم، ولا بفعل الناسي) (زاد المعاد
-59/2 ط. الرسالة).
وهذا
أمر أجمع عليه الفقهاء لولا خلاف مالك
وابن أبي ليلى: أن من أكل أو شرب
ناسيًا فقد بطل صومه، ولزمه القضاء!.
ولعلهما
لم يبلغهما الحديث، وهو حجة ظاهرة.
وفرق
بعض العلماء بين القليل والكثير من
الطعام، وظاهر الحديث عدم الفرق.
ويؤيد ذلك ما رواه أحمد عن أم إسحاق،
أنها كانت عند النبي صلى الله عليه
وسلم، فأتى بقصعة من ثريد، فأكلت معه،
ثم تذكرت أنها صائمة، فقال لها ذو
اليدين، الآن بعد ما شبعت؟! فقال لها
النبي صلى الله عليه وسلم: "أتمي
صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك"
(انظر: نيل الأوطار –283/4-284).
أكل
الصائم أو شربه ناسيًا
س:
كثيرًا ما ينسى الناس في بداية شهر
رمضان . فيأخذ أحدهم كوب ماء أو سيجارة
أو أي شيء آخر ويضعه في فمه . ثم يتذكر
أنه صائم . ويكون قد أكل فعلاً أو شرب .
فهل يجوز له استكمال صيام يومه ؟
ج
:جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن
النبي - صلى الله عليه وسلم -: " .. من
نسى وهو صائم فأكل وشرب، فليتم صومه،
فإنما أطعمه الله وسقاه " .. وفي لفظ
للدارقطني بإسناد صحيح: " فإنما هو
رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه ..
" وفي لفظ آخر للدارقطني وابن خزيمة
وابن حبان والحاكم .. " من أفطر من
رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا
كفارة " . وإسناده صحيح أيضًا قاله
الحافظ ابن حجر.
وهذه
الأحاديث صريحة في عدم تأثير الأكل
والشرب ناسيًا على صحة الصوم . وهو
الموافق لقوله تعالى: (ربنا لا
تؤاخذانا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة:
286) وقد ثبت في الصحيح أن الله أجاب هذا
الدعاء.
كما
ثبت في حديث آخر: " إن الله وضع عن
هذه الأمة الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه ".
فعلى
الصائم الذي أكل وشرب ناسيًا أن
يستكمل صيام يومه، ولا يجوز له الفطر.
وبالله
التوفيق.
وما
حكم من جامع ناسيًا؟
هل
يلحق بمن أكل أو شرب ناسيًا؟.
الظاهر
ذلك بمقتضى القياس، ولدخوله تحت عموم
رفع المؤاخذة عن الناسي ولحديث: "من
أفطر يومًا من رمضان" فظاهره يشمل
المجامع.
وإن
كان من المستبعد - ولا سيما في صوم
الفرض - أن ينسى الرجل وزوجته - كلاهما
- ويقع الجماع نسيانًا!.
هل يفطر الجاهل
بالتحريم؟
من
أكل أو شرب أو جامع جاهلاً بتحريم ذلك
على الصائم، فإن كان قريب عهد بإسلام،
أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يخفى عليه
كون هذا مفطرًا لم يفطر، لأنه لا
يأثم، فأشبه الناسي الذي ثبت فيه النص.
وإن
كان مخالطًا للمسلمين، بحيث لا يخفى
عليه تحريمه أفطر، لأنه مقصر (انظر:
المجموع للنووي -324/6).
المكره لا يفطر؟
وكذلك
من فعل به غيره المفطر قهرًا، لا
يفطر، سواء أدخل المكره الطعام إلى
جوفه بغير فعل من الصائم أم أكره
الصائم على أن يأكله هو بنفسه على
الصحيح، لحديث: "إن الله وضع عن
أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا
عليه" (رواه ابن ماجه والحاكم
والبيهقي بأسانيد صحيحة من رواية ابن
عباس، كما قال النووي في المجموع -
309/6).
هذا
ما رجحه الإمام النووي من مذهب
الشافعي، وقال الأئمة الثلاثة: يبطل
صومه، وإن كان مكرهًا.
ما يفطر الصائم ويوجب
القضاء
ما
يفطر الصائم نوعان:.
الأول:
ما يفطره ويوجب عليه القضاء:.
وبعض
هذا لا إثم على الصائم فيه، مثل نزول
دم الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة.
وبعضها
فيه إثم كبير، وهو الأكل والشرب
عمدًا، ومثله التدخين، وكذلك تعمد
إنزال المني بالمباشرة أو الاستمناء
ونحوه.
أما
من أكل أو شرب ناسيًا، فلا يفطر
وصيامه صحيح، ولا قضاء عليه ولا كفارة.
للحديث
المتفق عليه: "من نسي - وهو صائم -
فأكل أو شرب، فليتم صومه فإنما أطعمه
الله وسقاه" (رواه الجماعة من حديث
أبي هريرة).
والحديث
الآخر: "من أفطر في رمضان ناسيًا
فلا قضاء عليه ولا كفارة" (رواه
الدارقطني والحاكم وصححه على شرط
مسلم، وقال الحافظ في التلخيص: إسناده
صحيح).
قال
ابن القيم: (فليس هذا الأكل والشرب
يضاف إليه فيفطر به، فإنما يفطر بما
فعله وهذا بمنزلة أكله وشربه في نومه،
إذ لا تكليف بفعل النائم، ولا يفعل
الناسي) (زاد المعاد -59/2 ط. الرسالة).
وهذا
هو رأي جمهور الفقهاء، ولم يخالف في
ذلك إلا الإمام مالك، ولكنه محجوج
بالأحاديث الصحيحة الواضحة الدلالة
على مذهب الجمهور.
س
: الصوم قبل الامتحانات أو فيها قد
يكون لمدة 18 أو 20 ساعة ـ هل يجوز الفطر
؟
جـ
: ينبغي للمسلم أن يتسحر وينوي الصيام
ويجرب، فإن قدر عليه فليحمد الله، وإن
شق عليه مشقة شديدة فليفطر وليقض بعد
ذلك، وقد ختم الله آية فرض الصيام
بقوله : (يريد الله بكم اليسر ولا يريد
بكم العسر). (البقرة : 185).
الثاني: ما يوجب القضاء
والكفارة
والثاني
من المفطرات: ما يوجب القضاء والكفارة
على الصائم: وهو الجماع لا غير عند
الجمهور.
وقد
روى الشيخان عن أبي هريرة: أن رجلاً
جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: هلكت يا رسول الله، قال "وما
أهلكك؟" قال: وقعت على امرأتي في
رمضان، فقال: "هل تجد ما تعتق رقبة؟"
قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم
شهرين متتابعين؟" قال: لا، قال: "فهل
تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟"، قال:
لا، ثم جلس، فأتى النبيُّ صلى الله
عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال: "تصدق
بهذا"، فقال: أفقر منا؟ فما بين
لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا! فضحك
النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بدت
أنيابه، ثم قال: "اذهب فأطعمه أهلك".
وفي
رواية البخاري: أعلى أفقر مني يا رسول
الله؟.
وفي
رواية أبي داود قال: فأتى بعرق فيه تمر
قدر خمسة عشر صاعًا، وفيها قال: "كله
أنت وأهل بيتك، وصم يومًا، واستغفر
الله" (قال النووي: وإسناد رواية
أبي داود هذه جيد، إلا أن فيه رجلاً
ضعفه وقد روي له مسلم في صحيحه ولم
يضعف أبو داود هذه الرواية.
تأثير المعاصي على الصيام
س
: ما حكم صائم رمضان إذا اغتاب أو كذب
أو نظر إلى أجنبية بشهوة . أيصح صيامه
أم يبطل ؟
ج
: الصوم النافع المقبول هو الذي يهذب
النفس، ويقوى إرادة الخير، ويثمر
التقوى المذكورة في قوله تعالى: (يأيها
الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب
على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة:
183) . والواجب على الصائم أن يكف عن كل
قول أو فعل يتنافى وصومه حتى لا يكون
حظه من صيامه الجوع والعطش والحرمان .
وفي الحديث: " الصيام جنة فإذا كان
يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل،
وإذا سابه أو قاتله أحد فليقل: إني
صائم " (رواه الشيخان) . وقال عليه
السلام: " رب صائم ليس له من صيامه
إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه
إلا السهر " . (رواه النسائي وابن
ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط
البخاري) . وقال صلوات الله عليه: "
من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس
لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه: .
رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن.
قال
ابن العربي: مقتضى هذا الحديث ألا
يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب
الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم
الزور وما ذكر معه.
ورأى
ابن حزم: أن هذه الأشياء تبطل الصوم
كما يبطله الطعام والشراب، وروى عن
بعض الصحابة والتابعين ما يفهم منه
هذا.
ونحن-
وإن لم نقل برأي ابن حزم- نرى أن هذه
المعاصي تضيع ثمرة الصيام وتفسد
المقصود من شرعيته، ومن أجل ذلك كان
سلف الأمة الصالحون يهتمون بالصوم عن
اللغو والحرام كما يهتمون بالصوم عن
الشراب والطعام ..قال عمر رضي الله عنه:
" ليس الصيام من الشراب والطعام
وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو
" . وروى عن علىٍّ مثله .. وعن جابر
قال: " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك
ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى
الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم
صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك
سواء " . وقال أبو ذر لطليق بن قيس:
" إذا صمت فتحفظ ما استطعت "،
فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل فلم
يخرج إلا إلى صلاة . وكان أبو هريرة
وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد
وقالوا: نطهر صيامنا .. وعن ميمون بن
مهران: " أهون الصيام الصيام عن
الطعام والشراب " ..
وأيًا
ما كان الأمر فللصوم أثره وثوابه،
وللغيبة والكذب ونحوه عقابها وجزاؤها
عند الله(كل شيء عنده بمقدار) (الرعد: 8)
. وكل عمل بحساب وميزان (لا يضلّ ربي
ولا ينسى) (طه: 52) . وتأمل هذا الحديث
النبوي عن دقة الحساب الإلهي في
الآخرة تجد فيه الجواب الكافي عن هذا
السؤال والسؤالين قبله: روى الإمام
أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها
أن رجلاً من أصحاب رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - جلس بين يديه فقال: يا
رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني
ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا
منهم ؟ (يعني يوم القيامة) فقال له
رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "
يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك
إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون
ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك
إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا لا لك
ولا عليك، وإن كان عقابك فوق ذنوبهم
اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك "
فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله –
صلى الله عليه وسلم – ويهتف . فقال
رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "
ماله لا يقرأ كتاب الله ؟ (ونضع
الموازين القسط ليوم القيامة فلا
تظلم نفس شيئًا، وإن كان مثقال حبة من
خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) (الأنبياء:
47) . فقال الرجل: يا رسول الله: ما أجد
شيئًا خيرًا من فراق هؤلاء - يعني
عبيده - إني أشهدك أنهم أحرار كلهم.
هل الكفارة على الترتيب
أو التخيير؟
والكفارة
الواجبة في الجماع على الترتيب عند
جمهور الفقهاء، أي يجب العتق، فإن عجز
فالصيام فإن عجز فالإطعام.
ودليلهم:
أن أكثر الروايات عن أبي هريرة تفيد
أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب منه
أن يعتق رقبة فلما أظهر عجزه، طلب منه
أن يصوم شهرين، فلما ذكر عذره، قال له:
"أطعم ستين مسكينًا"، فدل ذلك
أنها على الترتيب (ذكر الإمام ابن
دقيق العيد في (الأحكام): أن القاضي
عياضًا نازع في ظهور دلالة الترتيب في
السؤال على ذلك. وقال: إن مثل هذا
السؤال قد يستعمل فيما هو على
التخيير، هذا أو معناه وجعله يدل على
الأولوية مع التخيير. ومما يقوي هذا
الذي ذكره القاضي: ما جاء في حديث كعب
بن عُجرة من قول النبي صلى الله عليه
وسلم: "أتجد شاة؟" فقال: لا. قال:
"فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة
مساكين" ولا ترتيب بين الشاة
والصوم والإطعام، والتخيير في الفدية
ثابت بنص القرآن. انظر: الأحكام -15/2،
بتحقيق أحمد شاكر).
وذهب
مالك :.
وهو
رواية عن أحمد - أنها على التخيير بين
العتق والصيام والإطعام، فبأيها كفّر
أجزأه.
ودليل
ذلك: ما رواه مالك في موطئه، ورواه عنه
الشيخان، عن الزهري، عن حميد بن عبد
الرحمن، عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر
يومًا من رمضان، فأمره النبي صلى الله
عليه وسلم أن يُكفِّر بعتق رقبة، أو
يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكينًا (وفيهما
من حديث ابن جريج عن الزهري نحوه،
وتابعهما أكثر من عشرة). وفطره كان
بجماع، و (أو) تدل على التخيير، كما في
كفارة اليمين.
ولأنها
كفارة تجب بالمخالفة، فكانت على
التخيير، مثل كفارة اليمين.
وربما
يُقوِّي هذا الرأي أن النبي صلى الله
عليه وسلم لم يشدد على الرجل كثيرًا
في إلزامه بالصوم برغم ما يظهر من
شبابه وقوته اللذين دفعاه إلى
المواقعة في رمضان، ويخشى أن يدفعاه
إلى مثل ذلك في القضاء.
كما
يؤيد هذا - من الناحية العملية - في
عصرنا أمران:.
الأول:
ضعف عزائم أكثر الناس عن صيام الشهرين
المتتابعين ومشقتهما عليهم.
الثاني:
انتشار الفقر في العالم الإسلامي،
وحاجة كثير من المسلمين إلى الإطعام،
أو قيمته عند من يجيزها.
ومذهب
الجمهور:.
أن
المرأة، والرجل سواء، في وجوب
الكفارة عليهما، ماداما قد تعمدا
الجماع، مختارين، في نهار رمضان (فإن
كان الصيام قضاء رمضان، أو نذرًا
وأفطر بالجماع، فلا كفارة في ذلك).
ناويين الصيام.
فإن
وقع الجماع نسيانًا، أو لم يكونا
مختارين، بأن أكرها عليه، أو لم يكونا
ناويين الصيام، فلا كفارة على واحد
منهما.
فإن
أكرهت المرأة من الرجل، أو كانت مفطرة
لعذر وجبت الكفارة عليه دونها.
ومذهب
الشافعي:.
أنه
لا كفارة على المرأة مطلقًا، لا في
حالة الاختيار ولا في حالة الإكراه
وإنما يلزمها القضاء فقط.
قال
النووي: (والأصح - على الجملة - وجوب
كفارة واحدة عليه خاصة عن نفسه فقط،
وأنه لا شيء على المرأة، ولا يلاقيها
الوجوب، لأنه حق مال مختص بالجماع،
فاختص به الرجل، دون المرأة، كالمهر) (المجموع
-330/6،331). وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
قال
أبو داود: (سُئل أحمد: عمن أتى أهله في
رمضان، أعليها كفارة؟.
قال:
ما سمعنا أن على امرأة كفارة).
قال
في المغني: (ووجه ذلك: أن النبي صلى
الله عليه وسلم أمر الواطئ في رمضان
أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة
بشيء، مع علمه بوجود ذلك منها) ا.هـ (المغني
–112/3 مطبعة العاصمة ش. الفلكي
بالقاهرة).
إفطار الصائم عمدًا بغير
الجماع
إ ذا
أفطر الصائم في نهار رمضان عمدًا بغير
الجماع، من غير عذر، فقد ارتكب إثمًا
عظيمًا، وعلى ولي الأمر، إذا بلغه
ذلك، أن يُعزِّرَه ويُؤدِّبَه، لأنه
اقترف معصية ليس فيها حد ولا كفارة،
فثبت فيها التعزير، وعلى كل مسلم عرف
ذلك أن ينهاه عن هذا المنكر ويعظمه
بما يردعه عن مثله.
والإفطار
بغير الجماع: أن يأكل أو يشرب، أو
يدخن، أو يباشر فيما دون الفرج،
فينزل، أو يستمني فينزل، ونحو ذلك،
على أن يفعله عامدًا مختارًا عالمًا
بالتحريم.
وعليه
القضاء، لأن الله تعالى أوجب القضاء
على المريض والمسافر مع وجود العذر،
فلأن يجب مع عدم العذر أولى.
ويجب
إمساك بقية اليوم، لأنه أفطر بغير
عذر، فلزمه إمساك بقية النهار.
ولا
تجب عليه الكفارة، لأن الأصل عدم
الكفارة، إلا فيما ورد به الشرع، وقد
ورد بإيجاب الكفارة في الجماع، وما
سواه ليس بمعناه، لأن الجماع أغلظ
فبقي على الأصل.
وبعض
السلف غلظ عليه، ولم يكتف بقضاء يوم
عليه، وأوجب عليه كفارة مثل كفارة
الجماع، قياسًا لشهوة البطن على شهوة
الفرج، وهو مذهب أبي حنيفة والزهري
والأوزاعي والثوري وإسحاق، والمشهور
من مذهب مالك (انظر: المجموع -329/6،330).
إفطار
بعض الأيام عمدًا في رمضان
س
: ما حكم من صام أيامًا من رمضان وأفطر
أيامًا أخر متعمدًا ؟ أتحتسب له
الأيام التي صامها أم لا تحتسب ؟
ج
: هذا السؤال من جنس السؤال السابق،
وجوابنا عليه أن كل شيء بحسابه .
والمسألة ليست في الأيام التي صامها
هل تحسب أم لا ؟ بل في الأيام التي
أفطرها هل تعوض أم لا ؟ ولا يمكن أن
يعوض يوم رمضان إلا بيوم مثله من
رمضان آخر، وكل رمضان يأتي مشغول
بواجب الصوم فيه لا محالة. ولذلك قال
أبو هريرة رضي الله عنه: " من أفطر
يومًا من أيام رمضان لم يعوضه يوم من
أيام الدنيا " رواه الترمذي واللفظ
له، وأبو داود والنسائي وابن ماجة
وابن خزيمة والبيهقي عن أبي هريرة وفي
أحد رجاله مقال، ويروى عنه أن رجلاً
أفطر في رمضان فقال أبو هريرة: لا يقبل
منه صوم سنة . وعن ابن مسعود: من أفطر
يومًا من رمضان من غير رخصة لم يجزه
صيام الدهر وإن صامه . ويروى عن أبي
بكر وعليّ نحو ذلك .. فليتق الله امرؤ
مسلم في دينه، وليحرص على صيام رمضان،
ولينتصر على شهواته، فمن انهزم أمام
بطنه لم ينتصر في ميدان من الميادين.
استعمال
السواك ومعجون الأسنان للصائم
س:
ما حكم استعمال السواك للصائم، وخاصة
الاستياك بمعجون الأسنان ؟
ج:
السواك قبل الزوال مستحب كما هو
دائمًا، وبعد الزوال اختلف الفقهاء
فقال بعضهم: يكره الاستياك للصائم بعد
الزوال . وحجته في ذلك أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال: " والذي نفسي
بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله
من ريح المسك " (رواه البخاري من
حديث أبي هريرة) فهو يرى أن ريح المسك
هذا لا يحسن أن يزيله المسلم، أو يكره
له أن يزيله، ما دامت هذه الرائحة
مقبولة عند الله ومحبوبة عند الله،
فليبقها الصائم ولا يزيلها، وهذا مثل
الدماء ... دماء الجراح .. التي يصاب بها
الشهيد، قال النبي - صلى الله عليه
وسلم - في الشهداء: " زمّلوهم
بدمائهم وثيابهم، فإنما يبعثون بها
عند الله يوم القيامة اللون لون الدم
والريح ريح المسك " ولذلك يبقى
الشهيد بدمه وثيابه لا يغسل ولا يزال
أثر الدم . قاسوا هذا على ذلك . والصحيح
أنه لا يقاس هذا على ذلك، فذلك له مقام
خاص، وقد جاء عن بعض الصحابة أنه قال:
" رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -
يتسوك ما لا يحصى وهو صائم "
فالسواك في الصيام مستحب في كل
الأوقات في أول النهار وفي آخره، كما
هو مستحب قبل الصيام وبعد الصيام ..
فهو سنة أوصى بها رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وقال: " السواك مطهرة
للفم مرضاة للرب " (رواه النسائي
وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما .
ورواه البخاري معلقًا مجزومًا) . ولم
يفرق بين الصوم وغيره.
أما
معجون الأسنان، فينبغي التحوط في
استعماله بألا يدخل شيء منه إلى الجوف
وهذا الذي يدخل إلى الجوف مفطر عند
أكثر العلماء ؛ ولذا فالأولى أن يجتنب
المسلم ذلك ويؤخره إلى ما بعد
الإفطار، ولكن إذا استعمله واحتاط
لنفسه وكان حذرًا في ذلك ودخل شيء إلى
جوفه فهو معفو عنه والله سبحانه
وتعالى يقول :"وليس عليكم جناح فيما
أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم) (الأحزاب:
5) والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول:
" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه " والله تعالى أعلم.
حكم
المفطر عن طريق الخطأ: (صوت)
حكم
أخذ الدم بالتحليل: (صوت)
|