الصفحة الرئيسة / صفحة رمضان  
 

الصيام وحكمته


مقومات الصيام وما يفطر الصائم وما لا يفطره

أولاً : مقومات الصيام.

وتعريف الصيام - كما حددنا - من القرآن والحديث يبين لنا أمرين مهمين:.

الأول: بيان مقومات الصيام الشرعي التي لا يتحقق إلا بها.

الثاني: تحديد (المفطرات) التي أكثر بعض الفقهاء منها، وهي لا تدخل في طعام ولا شراب ولا مباشرة ولا شهوة من الشهوات.

والذي يهمنا بيانه هنا: أن للصوم ركنين أساسيين هما: الإمساك والنية ونعني بالأول: الإمساك عن شهوات الطعام والشراب والمباشرة وما في حكمها طوال يوم الصوم.

والمراد بما في حكم الطعام والشراب: الشهوات التي اعتادها بعض الناس وإن لم تكن طعامًا، ولا شرابًا، مثل التدخين، الذي يراه المبتلون به أهم من الأكل والشرب، فهو ممنوع في الصوم سواء كان عن طريق السيجارة، أو الشيشة، أو المضغ، أو النشوق، أو غيرها، وهذا بإجماع علماء المسلمين في أقطار الأرض، لأنه من أشد الشهوات التي يجب فطام الأنفس عنها في الصيام.

وأشد منه وأبلغ في المنع تناول المخدرات المحرمة أشد التحريم، مثل الحشيش والأفيون والهيروين، والكوكايين ونحوه، وإن أخذت بطريق الشم أو الحقن أو أي طريق كان.

ويدخل في حكم الأكل والشرب: كل ما يتناول قصدًا بالفم، ويصل إلى المعدة، وإن لم يكن مشتهي ولا مستلذًا به، مثل أنواع الأدوية التي تتناول بالفم شربًا أو امتصاصًا، أو ابتلاعًا، وهذا أمر مجمع عليه. وإذا كان المسلم في حاجة حقيقية إلي شئ من هذه الأدوية، فهو مريض يسعه أن يفطر بإذن الشارع نفسه، ولا حرج عليه ولا جناح.

كما يدخل في حكم المباشرة: إنزال المني بطريق اختياري كالاستمناء والنظر المتعمد المتكرر والتلذذ باللمس والقبلة والعناق ونحوها، مما يعتبر مقدمات للاتصال الجنسي، فإذا أنزل بإحدى هذه الطرق أفطر.

 ضرورة النية

النية في الصيام وفي كل عبادة فريضة لا بد منها، ولا يهمنا أن تكون ركنا عند بعض الفقهاء، أو شرطًا عند بعضهم، فهذا خلاف علمي أو نظري لا يترتب عليه عمل، ما دام الجميع متفقين علي فرضيتها.

والمراد بالنية هنا: أن يقوم بالعبادة امتثالاً لأمر الله تعالى، وتقربًا إليه.

فقد يمسك بعض الناس عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب، ولما هو أكثر، ولكن بقصد الرياضة ونقص الوزن وما شابه ذلك.

وقد يمسك آخرون احتجاجًا علي أمر معين، وتهديدًا بالقتل البطيء للنفس كما يفعل ذلك كثيرًا المضربون عن الطعام في السجون والمعتقلات، وغيرها.

وقد يمسك بعض الناس تشاغلاً أو استغراقًا في عمل يأخذ عليه فكره، وينسيه أكله وشربه.

وكل هؤلاء ليسوا صائمين الصيام الشرعي، لأنهم لم ينووا ولم يقصدوا بإمساكهم وجوعهم وحرمانهم وجه الله تعالى، وابتغاء مثوبته.

ولا يقبل الله عبادة إلا بنية.

قال عز وجل: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (البينة: 5).

وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (متفق عليه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب).

وقال: "كل عمل ابن آدم له، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي" (متفق عليه من حديث أبي هريرة).

فمن ترك الطعام والشهوة من أجل شيء غير الله تعالى، فلم يصم الصيام الشرعي.

التلفظ بالنية

والنية محلها القلب، لأنها عقد القلب على الفعل.

والتلفظ باللسان ليس مطلوبًا، ولم يأت في نصوص الشرع ما يدل علي طلب التلفظ بها، لا في الصوم، ولا في الصلاة، ولا في الزكاة، إلا ما جاء في شأن الحج والعمرة.

والإنسان في شؤونه الدنيوية لا يتلفظ بما ينويه، فيقول: نويت السفر إلى بلد كذا، أو نويت أن آكل كذا وكذا.... إلخ فكذلك أمور الدين.

ولهذا لا تُعد النية مشكلة بالنسبة للمسلم الملتزم بالصيام فهو بطبيعته ناوٍ له، مصمم عليه، ولو كلفته ألا ينويه ما استطاع.

ومن دلائل نيته قيامه للسحور، وتهيئته له وإن لم يقم، وإعداده ما يلزم لفطور الغد، وترتيبه أعماله ومواعيده على وفق ظروف الصيام.

فلا داعي للإكثار من الكلام عن النية فهي حاضرة وقائمة لدى كل مسلم معتاد على الصوم.

إنما الذي يحتاج إليها هو من كان له عذر يبيح له الفطر، كالمريض والمسافر فيصوم حينًا، ويفطر حينًا، فإذا صام يحتاج إلى تجديد النية، ليتميز يوم صومه عن يوم فطره.

متى يجب إنشاء نية الصيام

ومن اللازم هنا: تحديد الوقت الذي يجب فيه إنشاء نية الصيام.

وجمهور الفقهاء على أن الواجب هو تبييت النية من الليل، أي إيقاعها في جزء من الليل قبل طلوع الفجر.

واستدلوا بحديث ابن عمر عن حفصة مرفوعًا: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه أحمد وأصحاب السنن.

ومعنى يجمع: أي يعزم. يقال: (أجمعت) الأمر، إذا عزمت عليه.

والحديث مختلف في رفعه ووقفه وحسبنا أن البخاري وأبا داود والنسائي والترمذي وابن أبي حاتم صححوا وقفه (ذكر ذلك الحافظ في "التلخيص" المطبوع مع المجموع -304/6).، فلا يصلح إذن للاستدلال على ما اختلفوا فيه.

ولهذا كان ثمت مجال للاختلاف في وقت النية متى هو؟.

فمن أخذ بالحديث المذكور جعل وقتها قبل الفجر.

ومن لم يأخذ به أجازها قبله وبعده كما هو مذهب أبي حنيفة الذي يجيز صوم رمضان بنية من الليل، وإلى نصف النهار.

ومنهم من قصر تبييت النية على الفرض، وأما النفل فأجازوه في النهار إلى ما قبل الزوال.

وحجتهم ما رواه مسلم عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل على بعض أزواجه، فيقول: "هل من غداء؟" فإن قالوا: لا، قال: "فإني صائم" (رواه مسلم -باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال).

وكذلك ما جاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم حين فرض صوم عاشوراء أمر رجلاً من أسلم يؤذن في الناس في النهار: "ألا كل من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم" (رواه البخاري -باب صيام يوم عاشوراء، ومسلم -باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه).

بل ذهب بعضهم إلى جواز النية بعد الزوال.

ومن الفقهاء - مثل الزهري وعطاء وزفر - من لم يوجبوا النية في صوم رمضان وكأنهم - والله أعلم - يرون أن صوم رمضان لا يحتاج إلى نية من المسلم، فهو بمجرد إمساكه صائم.

وذهب الإمام مالك إلى أن نية الصيام في أول ليلة من رمضان كافية للشهر كله، ومغنية عن تجديد نية لكل ليلة، باعتبار صوم رمضان عملاً واحدًا، وعبادة واحدة، وإن كانت موزعة على الأيام، كالحج تكفيه نية في أوله، وإن كانت أفعاله موزعة على عدد من الأيام، وهو مذهب إسحاق ورواية عن أحمد.

والظاهر: أن صوم كل يوم عبادة مستقلة، مسقطة لفرض وقتها، بخلاف الحج فإنه كله عمل واحد، ولا يتم إلا بفعل ما اعتبره الشرع من المناسك، والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه.

ومهما يكن من الاختلاف في أمر النية، فالمؤكد أنها في صيام رمضان مركوزة في ضمير كل مسلم حريص على صيام شهره، وأداء فرض ربه، ولا مشكلة في ذلك على الإطلاق.

وأما في صوم التطوع، فالأحاديث قاطعة بأن إنشاءها بالنهار جائز، كما عليه عمل الرسول الكريم وصحابته، ولكن يبدو أن الذي يثاب عليه هو الوقت الذي ابتدأ فيه النية، بكّر أو تأخر، إذ لا ثواب إلا بنية.

ثانيًا: ما يُفطر الصائم وما لا يُفطره

توسع كثير من الفقهاء فيما يفطِّر الصائم توسعًا كبيرًا، فذكر الأحناف، حوالي سبعة وخمسين مُفَطِّرًا، وذكر الشافعية أيضًا أشياء كثيرة، وتفنن المتأخرون في المُفطرات تفننا غريبًا، قعَّدوا له قواعد، ثم بنوا عليها فروعًا لا تحصر. والقواعد نفسها غير مسلمة؛ لأنه لم يقم عليها دليل محكم من القرآن والسنة.

فقد قالوا: إن إيصال عين - وإن قلت كسمسمة، أو لم تؤكل كحصاة - من منفذ مفتوح إلى جوف الصائم يفطِّره.

ثم فسروا الجوف بأنه: ما يسمى جوفًا، وإن لم يكن فيه قوة تحليل الغذاء، أو الدواء، كحلق، ودماغ، وباطن أذن، وبطن وإحليل، ومثانة وهي مجمع البول، فلو كان برأسه مأمومة (إصابة بالدماغ) فوضع عليها دواء، فوصل خريطة الدماغ أفطر، ولو وضع على جائفة (جرح بالجوف) دواء فوصل جوفه أفطر، وإن لم يصل باطن الأمعاء.

وذكروا هنا أن استعمال الحقنة (الشرجية كما تسمى الآن) يُفطِّر، سواء وصل الدواء إلى الداخل أم لا؟ لأن مجرد وضع الحقنة مُفطِّر.

ولو أدخل في إحليله عودًا أو نحوه، (مثل عملية القسطرة) أفطر.

وكذلك لو أدخل إلى باطن أذنه عمودًا يُفطر.

ومما قاله المتأخرون وسجلوه في كتبهم، وتناقله المهتمون بفقه الجزئيات والفروع المذهبية:.

(وينبغي الاحتراز حالة الاستنجاء، لأنه متى أدخل طرف إصبعه دبره أفطر ولو أدنى شيء من رأس الأنملة، بل لو خرج منه غائط، ولم ينفصل، ثم ضم دبره، فدخل منه شيء إلى داخله يفطر... إلخ. ومثله فرج الأنثى.

ولو طعن بسكين فوصل السكين جوفه أفطر!.

ومما سمعته في دروس المشايخ وأنا صغير، وقرأته في كتب الشافعية وأنا كبير: لو أصبح وفي فمه خيط متصل بجوفه، كأن أكل بالليل كنافة، وبقي منها خيط بفمه، تعارض عليه الصوم والصلاة، لبطلان الصوم بابتلاعه، لأنه أكل عمدًا، ونزعه استقاءة! وبطلان الصلاة ببقائه لاتصاله بنجاسة الباطن!.

وذكروا في الخروج من هذا المأزق حيلاً وأمورًا غريبة، منها: أن يجبره الحاكم على نزعه، فيكون كالمكره، فلا يفطر)!! (انظر في ذلك: حاشية الشرقاوي علي التحرير -433/3-436).

وقد ذكرنا أن الصيام المتعبد به أمر معروف، حتى قبل الإسلام، عند عرب الجاهلية وغيرهم من الأمم، وقد نبه القرآن على ذلك حين قال: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) (البقرة: 183).

وجاء في الحديث: أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وأن اليهود كانوا يصومونه.

وحقيقة الصيام المتفق عليها هي: حرمان النفس من شهواتها، ومعاناة الجوع والعطش والامتناع عن النساء، قصدًا للتقرب إلى الله تعالى.

وهذا ما بينه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فلم يجيء فيهما منع الصائم من شيء إلا من الأكل والشرب والمباشرة (أي الجماع) وكذلك من الرفث والصخب والجهل والسب والكذب والزور وسائر المعاصي.

أي أن الصائم منع مما يتنافى مع المعنى المادي للصيام، وهو الأكل والشرب والجماع، وهو الذي نتحدث عنه الآن، ومما يتنافى مع المعنى الأدبي له، وهو الجهل والزور وسائر المعاصي والآثام.

وهذا واضح في القرآن والسنة.

ففي القرآن قال تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل)(البقرة: 187).

فهذه هي الأشياء الثلاثة المحددة، التي منع منها الصائمون، من تبين الفجر إلى دخول الليل، وذلك بغروب الشمس. كما بينه الحديث.

وأكدت ذلك السنة بما جاء في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي، ويدع الشراب من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي" (رواه ابن خزيمة في صحيحه برقم -1897 عن أبي هريرة، وإسناده صحيح).

والحكمة في هذا المنع والحرمان الاختياري واضحة كل الوضوح، فهذا لون من رياضة النفس على ترك الشهوات، وخصوصًا شهوتي البطن والفرج، والتحرر من المألوفات، التي تجعل الناس أسرى لها، كالفطور في ساعة معينة من الصباح، والغداء في ساعة معينة أخرى من الظهيرة، إلخ.. فيأتي الصيام، فيغير عاداته هذه، ويقلبها رأسًا على عقب، كل ذلك طاعة لله، وابتغاء وجهه، فلب الصيام هو كسر الشهوة وتضييق مجاري الشيطان بالجوع والحرمان، وجهاد النفس في ذات الله تعالى وقد قال سبحانه: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) (العنكبوت: 69).

فهذه الثلاثة، وما ألحق بها بالإجماع - مما ذكرناه من تدخين (التبغ) ومضغه ونشوقه.. إلخ، وما هو شر من التبغ من السموم البيضاء والسوداء - هي التي منعتها النصوص واتفقت مع حكمة الصيام.

وجاء في الحديث أمران اختلف الفقهاء في التفطير بهما، وهما: الحجامة والقيء، نظرًا للاختلاف في مدى صحة الأحاديث من ناحية، ودلالتها من ناحية أخرى ومعارضتها لأحاديث أخرى من ناحية ثالثة.

 هل الحجامة تفطر الصائم؟

فأما الحجامة - وهي أخذ الدم من الجسم بطريق المص، وكان العرب يتداوون بها - فقد ذهب إلى التفطير بها أحمد وإسحاق وبعض فقهاء الحديث، وهو مروي عن بعض الصحابة والتابعين. وقد قالوا :يفطر الحاجم والمحجوم.

وحجتهم: حديث ثوبان مرفوعًا: "أفطر الحاجم والمحجوم" (قال النووي: رواه أبو داود وابن ماجة بأسانيد صحيحة، وإسناد أبي داود على شرط مسلم المجموع -349/6،350).، وحديث شداد بن أوس: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل بالبقيع، وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لثماني عشرة خلت من رمضان، فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم" (قال النووي: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة -نفسه).

وروى مثل ذلك رافع بن خديج وأبو هريرة وأبو موسى (المصدر السابق. وانظر: فتح الباري -79/5 ط. الحلبي).

وجمهور الفقهاء: على أن الحجامة لا تفطر، لا الحاجم ولا المحجوم.

وحجتهم: حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم، احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم (رواه البخاري في صحيحه، كما في المجموع -35/6).

وسُئل أنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم. وفي رواية: على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا إلا من أجل الضعف (رواه البخاري، المصدر السابق).

وعن أبي ليلى قال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة (مواصلة الصيام) ولم ينه عنهما إلا إبقاء على أصحابه (قال النووي: رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم -نفسه).

وعن أبي سعيد الخدري: رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في القُبلة للصائم والحجامة (رواه الدارقطني وقال: رواته كلهم ثقات، ورواه من طريق آخر، وقال: كلهم ثقات -نفسه: 351).

وعن أنس قال: أول ما كُرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "أفطر هذان"، ثم رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم (رواه الدارقطني، وقال: كلهم ثقات ولا أعلم له علة -نفسه: 351).

قال البيهقي: وروينا في الرخصة في ذلك عن سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عباس وابن عمر والحسين بن علي، وزيد بن أرقم وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم (المصدر نفسه).

والظاهر من هذه النقول: أن حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" إن أخذ بظاهره، قد نسخ، بدليل حديث ابن عباس في احتجامه عليه الصلاة والسلام، وهو متأخر، لأنه كان في حجة الوداع وأحاديث الترخيص في الحجامة تدل علي أنها متأخرة، كما في حديث أنس وغيره، وغالب ما يستعمل الترخيص بعد المنع.

كما أن أحاديث الترخيص في الحجامة للصائم أصح وأقوى، وينصرها القياس، كما قال الإمام الشافعي فوجب تقديمها.

وقد تأوَّلوا حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" بأن معناه: تعرضا للفطر. أما الحاجم فلأنه لا يأمن من وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص. وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر.

قال الشافعي: والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم: أن لا يفطر أحد بالحجامة (انظر: الفتح -79/5، 80).

وعلى هذا يعرف حكم أخذ الدم من الجسم في الصيام، فعلى رأي الجمهور: لا يُفطر، ولكن قد يكره من أجل الضعف، أي إذا كان يضعف المأخوذ منه.

وعلى رأي أحمد: إذا قيس على الحجامة يُفطر، وإذا وقف عند النص لم يُفطر.

 هل يفطر القىء الصائم؟

وأما القيء فقد جاء فيه حديث أبي هريرة: "من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقض" (قال الحافظ في التلخيص: رواه الدارمي وأصحاب السنن وابن حبان والدارقطني والحاكم من حديث أبي هريرة، قال النسائي: وقفه عطاء عن أبي هريرة، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث هشام عن محمد عن أبي هريرة، تفرد به عيسى بن يونس، وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه ولا يصح إسناده. وقال الدارمي: زعم أهل البصرة أن هشامًا أوهم فيه، وقال أبو داود وبعض الحُفاظ لا يراه محفوظًا، وأنكره أحمد وقال في وراية: ليس من ذا شيء، قال الخطابي: يريد أنه غير محفوظ، وقال مهنا عن أحمد: حدث به عيسى بن يونس، وليس هو في كتابه، غلط فيه، وليس هو من حديثه!.

وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأخرجه من طريق حفص بن غياث أيضًا، وأخرجه ابن ماجه أيضًا.

ا.هـ-. من التلخيص مع المجموع -351/6)

وبهذا نرى أن الذين أوردوه لم يُصححوه، بل ضعَّفوه وأنكروه، فيما عدا الحاكم، وهو كما قالوا: واسع الخطو متساهل في التصحيح).

وكذلك حديث أبي الدرداء: أنه صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر (قال الحافظ: رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاثة، وابن الجارود وابن حبان والدارقطني والبيهقي والطبراني وابن منده والحاكم عن أبي الدرداء، ونقل عن البيهقي، وغيره أن الحديث مختلف في إسناده. وقال البيهقي في موضع آخر: إسناده مضطرب، ولا تقوم به حجة -التلخيص مع المجموع 352/6).

فأما حديث أبي هريرة فيكفي أن أحمد أنكره، وقال: ليس من ذا شيء، أي أنه غير محفوظ وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه، ولا يصح إسناده.

ومما يدل على عدم صحته: أن أبا هريرة راويه كان يقول بعدم الفطر بالقيء، فقد روى عنه البخاري أنه قال: إذا قاء، فلا يفطر. إنما يخرج ولا يولج، قال: ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر. والأول أصح.أ.هـ. فإن صح موقوفًا: كان رأيًا له رجع عنه.

ونقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود عدم الإفطار بالقيء، مطلقًا ذرعه أو تعمده.

وعلَّق البخاري عن ابن عباس وعكرمة قالا: الصوم مما دخل، وليس مما خرج.

وإيراد البخاري لهذه الآثار يدل على أن مذهبه عدم الفطر بالقيء مطلقًا.

وأما حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر. فلا يدل على أن القيء مفطر بذاته، بل كما يقال: مرض فأفطر، أو أصابه جهد ومشقة فأفطر، أي أفطر بأن أكل أو شرب. هكذا فسره الطحاوي رحمه الله.

وإلا فإن لفظ (قاء) لا يدل على التعمد الذي هو المفطِّر عندهم. وإنما الذي يدل على التعمد هو (استقاء).

والحقيقة أن التفطير بالقيء لا يتفق مع مقاصد الصيام.

وقد جاء في حديث مرفوع آخر ما يعارض هذا، وهو ما روي عنه عليه الصلاة والسلام: "ثلاث لا يفطرن: الحجامة والقيء والاحتلام" (قال الحافظ في التلخيص: رواه الترمذي والبيهقي من حديث أبي سعيد، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، ورواه الدارقطني من حديث هشام بن سعد عن زيد، وهشام صدوق قد تكلموا في حفظه.. إلخ. انظر تلخيص الحبير -194/2).

 حديث: بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا

وهنا حديث آخر، كان له أثره في توسيع دائرة المفطرات، وهو حديث لقيط بن صبرة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء، فقال: "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (رواه أبو داود في الطهارة برقم (142)، وفي الصوم أيضًا، والترمذي في الصوم (788) وابن ماجه في الطهارة (407) ،والنسائي (66/1) في الطهارة ولم يذكر فيه الاستنشاق، وصححه ابن خزيمة (150)، وابن حبان كما في الموارد (159)، والحاكم في المستدرك (147/1،148) ووافقه الذهبي).

ويلاحظ على هذا الحديث:.

أولاً: أنه لم يرد في الصحيحين ولا في أحدهما، مما يدل على أن رتبته دون ما اشترطاه في صحيحيهما.

وقد ذكر البخاري في صحيحه، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء". قال: ولم يميز بين الصائم وغيره (الفتح (62/5) ط. الحلبي).

ثانيًا: سلمنا بصحة الحديث، لكن مما يذكر هنا أنه لم يجيء بلفظ عام، بل جاء خطابًا خاصًا لشخص معين يسأل عن الوضوء.

ثالثًا: أنه لم ينص على أن الماء إذا وصل إلى الجوف من طريق الأنف يفطر، بل كل ما فيه النهي عن المبالغة في حالة الصوم، فقد يدخل الماء عند المبالغة إلى فمه ومن فمه إلى جوفه وقد ينهى عن الشيء وإن لم يفطر، وقد جاء عن بعض السلف في أشياء معينة قالوا: لا تفطر ولكن ينهى عنها.

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن دخول الماء بعد الاستنشاق وإن بالغ فيه المتوضئ لا يبطل الصوم مطلقًا، ذكر منهم النووي في المجموع: الحسن البصري، وأحمد وإسحاق وأبا ثور (المجموع -327/6).

رابعًا: لو سلمنا بأن وصول الماء إلى الجوف من الأنف يفطر، فلن نسلم بالتوسع في إلحاق أشياء أخرى بهذا، لأن الأصل في العبادات الوقوف عند النص، ولا يتوسع في القياس فيها، ولأن هذا الحديث جاء على خلاف الأصل في أمر الصيام، فيحفظ ولا قياس عليه.

وهذا ما اتجه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية كما سيأتي.

المضمضة والاستنشاق للصائم

س: هناك من يقول بأن المضمضة أو الاستنشاق في الوضوء تؤثر على صحة صيام الصائم، فما مدى صدق هذا القول ؟

ج :المضمضة والاستنشاق في الوضوء، إما سنتان من سننه كما هو مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وإما فرضان من فروضه كما هو مذهب الإمام أحمد الذي اعتبرهما جزءًا من غسل الوجه المأمور به . وسواء كانتا من السنن أم الفرائض، فلا ينبغي تركهما في الوضوء في صيام أو فطر.

كل ما على المسلم في حالة الصيام ألا يبالغ فيهما . كما يبالغ في حالة الإفطار فقد جاء في الحديث: " إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائمًا " (أخرجه الشافعي وأحمد والأربعة والبيهقي) . فإذا تمضمض الصائم أو استنشق وهو يتوضأ، فسبق الماء إلى حلقه من غير تعمد ولا إسراف، فصيامه صحيح، كما لو دخل غبار الطريق، أو غربلة دقيق، أو طارت ذبابة إلى حلقه، لأن كل هذا من الخطأ المرفوع عن هذه الأمة . وإن خالف في ذلك بعض الأئمة.

على أن المضمضة لغير الوضوء أيضًا لا يؤثر على صحة الصيام . ما لم يصل الماء إلى الجوف . والله أعلم.

ترجيح التضييق في المفطرات

لقد توسع الفقهاء - رضي الله عنهم - في أمر المفطرات توسعًا ما أظنه خطر ببال أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين شاهدوا التنزيل، وفهموا عن الله ورسوله فأحسنوا الفهم، والتزموا فأحسنوا الالتزام.

وروى البخاري بسنده عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان - أي وهو جنب - من غير حلم، فيغتسل ويصوم (انظر: فتح الباري -153/4).

ذكر في (باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا):.

وقال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس إن لم يملك (ذكر في (الفتح) هذا الأثر موصولاً عن عبد الرزاق عن ابن جريج: قلت لعطاء: إنسان يستنثر فدخل الماء في حلقه! قال: لا بأس بذلك. قال: وقاله عمر عن قتادة). - أي لم يملك دفع الماء - فإن ملك دفعه فلم يفعل حتى دخل حلقه أفطر.

وقال الحسن: إن دخل حلقه الذباب فلا شيء عليه (فتح الباري -155/4).

وكذلك ذكر البخاري: (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء" ولم يميز بين الصائم وغيره.

وقال الحسن: لا بأس بالسعوط للصائم، إن لم يصل إلى حلقه، ويكتحل.

وقال عطاء: إن تمضمض ثم أفرغ ما في فيه من الماء لا يضره، إن لم يزدرد ريقه (هذا الأثر عند سعيد بن منصور عن ابن جريج: قلت لعطاء: الصائم يمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم! قال: لا يضره، وماذا بقي في فيه؟! -الفتح 160/4). وماذا بقي في فيه؟ ولا يمضغ العلك - اللبان ونحوه - فإن ازدرد ريق العلك، لا أقول: إنه يفطر ولكن ينهى عنه، فإن استنثر فدخل الماء حلقه لا بأس لم يملك - أي لم يملك دفع الماء -) (فتح الباري -159/4).

وفي (باب الحجامة والقيء للصائم) روي عن أبي هريرة قوله: (إذا قاء فلا يفطر، إنما يخرج ولا يولج، ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر، والأول أصح، وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج، وكان ابن عمر يحتجم وهو صائم، ثم تركه، فكان يحتجم من الليل - أي احتياطًا منه، وكان كثير الاحتياط -) (المصدر السابق -173/4،174).

قال الحافظ (إيراده - أي البخاري - للآثار المذكورة يشعر بأنه يرى عدم الإفطار بها) (المصدر السابق -174/4).

وقال الإمام ابن قدامة: (أجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يتغذى به. فأما ما لا يتغذى به فعامة أهل العلم على أن الفطر يحمل به، وقال الحسن بن صالح: لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب، وحكى عن أبي طلحة الأنصاري: أنه كان يأكل البرد في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب).

تقرأ في كتب الحنفية فتجد ما يقرب من ستين مفطرًا من المفطرات، ومثل ذلك أو قريب منه في المذاهب الأخرى، وملأوا مساحات واسعة من كتب الفقه، وشغلوا مثلها من تفكير المسلمين واهتماماتهم، وأصبحت معرفة هذه المفطرات الكثيرة الغزيرة الشغل الشاغل للصائمين ولأهل الفتوى، في كل رمضان، ازدحمت المجلات والصحف والإذاعات والمساجد بالأسئلة والأجوبة حول هذه المفطرات.

وبها بعد الدين عن يسره وفطرته، وأصبح شيئًا معقدًا يحتاج إلى دراسة مطولة لكل عبادة من العبادات، حتى يعرف مداخلها ومخارجها، وأركانها وشروطها.

والواقع أن جُلَّ ما يقال في هذا المجال مما لم يدل عليه محكم قرآن ولا صحيح سنة، ولا إجماع أمة، إنما هي اجتهادات يؤخذ منها ويترك، وآراء بشر، يجب أن تحاكم وترد إلى النصوص الأصلية، والقواعد المرعية، والمقاصد الكلية.

والذي أميل إليه هنا: ألا يُفطِّر الصائم إلا ما أجمع الفقهاء على التفطير به، وذلك ما دل عليه محكم القرآن وصحيح السنة، واتفق مع حكمة الشارع من الصيام، وهو الحرمان من الشهوات، وفطام النفس عن المألوفات.

اتجاه البخاري:.

وهو الذي يميل إليه الإمام البخاري، كما يبدو مما ذكره في صحيحه. فقد قال في (باب اغتسال الصائم): (وبل ابن عمر رضي الله عنهما ثوبًا، فألقاه عليه، وهو صائم.

ودخل الشعبي الحمام وهو صائم.

وقال ابن عباس: لا بأس أن يتطعم القِدْر أو الشيء - أي يتذوقه -.

وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم.

وقال ابن مسعود: إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهينًا مترجلاً - يعني يدهن شعره ويرجله -.

وقال أنس: إن لي "أبزن" أتقحم فيه وأنا صائم - والأبزن: كلمة فارسية، وهي حجر منقور شبه الحوض-.

وقال ابن عمر: ويستاك أول النهار وآخره، ولا يبلع ريقه.

وقال عطاء: إن ازدرد ريقه، لا أقول: يفطر.

وقال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب. قيل: له طعم! قال: والماء له طعم، وأنت تمضمض به.

ولم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم بأسًا) فتح الباري -153/4 ط. دار الفكر).

قال ابن قدامة: (ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بأن الكتاب والسنة إنما حرما الأكل والشرب فما عداهما يبقى على أصل الإباحة).

قال: (ولنا دلالة الكتاب والسنة على تحريم الأكل والشرب على العموم، فيدخل فيه محل النزاع، ولم يثبت عندنا ما نقل عن أبي طلحة، فلا يعد خلافًا) (المغني مع الشرح الكبير -36/3). أ.هـ.

أما تحريم الكتاب للأكل والشرب، فمسلم، ولكن من الذي يقول: إن من ابتلع حصاة، أو حبة خردل، أو ما بين أسنانه، أو نخامة أو بلغمًا، أو اكتحل فأحس طعم الكحل في حلقه أو استعمل الحقنة في دبره.. إلخ.. أن هذا يدخل في عموم الأكل أو الشرب المحرم على الصائم، وهذا ما لا دليل عليه.

مذهب ابن حزم:.

وهذا هو الذي رجَّحه الإمام الظاهري أبو محمد بن حزم، الذي لم يجد في ظواهر نصوص الشرع ما يؤيد التوسع الذي ذهب إليه جمع من الفقهاء، فقال في (المُحلى):.

(ولا ينقض الصوم حجامة، ولا احتلام.. ولا قيء غالب، ولا قلس خارج من الحلق ما لم يتعمد رده بعد حصوله في فمه وقدرته على رميه، ولا دم خارج من الأسنان أو الجوف، ما لم يتعمد بلعه، ولا حقنة ولا سعوط ولا تقطير في أذن، أو في إحليل أو في أنف ولا استنشاق وإن بلغ الحلق، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمد ولا كحل - أو إن بلغ إلى الحلق نهارًا أو ليلاً - بعقاقير أو بغيرها، ولا غبار طحن، أو غربلة دقيق، أو حناء، أو غير ذلك أو عطر، أو حنظل، أو أي شئ كان، ولا ذباب دخل الحلق بغلبة، ولا من رفع رأسه فوقع في حلقه نقطة ماء بغير تعمد لذلك منه، ولا مضغ زفت أو مصطكي أو علك، ولا سواك برطب أو يابس، ومضغ طعام أو ذوقه، ما لم يتعمد بلعه، ولا مداواة جائفة أو مأمومة بما يؤكل أو يشرب أو بغير ذلك، ولا طعام وجد بين الأسنان: أي وقت من النهار وجد، إذا رمي، ولا دخول حمام، ولا تغطيس في ماء، ولا دهن شارب) (المحلى لابن حزم -300/6،301).

قال أبو محمد: (إنما نهانا الله تعالى في الصوم عن الأكل، والشرب والجماع وتعمد القيء والمعاصي، وما علمنا أكلا، ولا شربًا، يكون على دبر، أو إحليل أو أذن أو عين، أو أنف، أو من جرح في البطن، أو الرأس!! وما نهينا قط عن أن توصل إلى الجوف - بغير الأكل، والشرب - ما لم يحرم علينا إيصاله) (المصدر السابق -318/6).!!.

ترجيح ابن تيمية:.

وهذا الاتجاه هو الذي أيده - وتوسع في تأييده بعدد من الحجج القوية - شيخ الإسلام ابن تيمية، في رسالة له، نُشرت منفردة، وضمن مجموع فتاواه.

ونظرًا لأهمية الموضوع، وحاجة عموم الناس إليه، لصلته بعبادة تتعلق بجميع المسلمين، ويتكرر السؤال عنها كل عام، وتختلف الأجوبة فيها إلى حد يحير المسلم العادي.

أرى أن أنقل هنا أهم ما استدل به شيخ الإسلام لهذا الاتجاه الذي يضيق فيما يُفطر الصائم.

فقد تكلم عن الكحل والحقنة، وما يُقطر في الإحليل، ومداواة الآمة (جرح الدماغ) والجائفة (جرح الجوف) وغيرها مما تنازع فيه أهل العلم، هل يفطر به الصائم أو لا؟.

قال: والأظهر أنه لا يفطر شيء من ذلك، فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة، كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلاً، علم أنه لم يذكر شيئًا من ذلك.

والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة، لم يكن معهم حجة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، وأقوى ما احتجوا به قوله: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" قالوا: فدل ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها، سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه.

ثم قال رضي الله عنه:.

وإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لا بد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانًا عامًا، ولا بد أن تنقل الأمة ذلك: فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب، فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الإفطار بغيره. فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن، والبخور قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل في الدماغ وينعقد أجسامًا، والدهن يشربه البدن ويدخل إلى داخله ويتقوى به الإنسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز تطييبه وتبخيره وادّهانه، وكذلك اكتحاله.

وقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم يجرح أحدهم، إما في الجهاد وإما في غيره، مأمومة وجائفة، فلو كان هذا يفطر لبين لهم ذلك، فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعله مفطرًا.

ثم بين شيخ الإسلام: أن إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحًا، وذلك إما قياس علة بإثبات الجامع، وإما بإلغاء الفارق. فإما أن يدل دليل على العلة في الأصل فيعدى بها إلى الفرع، وإما أن يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع، وهذا القياس هنا منتف.

وذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطرًا هو ما كان واصلاً إلى دماغ أو بدن، أو ما كان داخلاً من منفذ، أو واصلاً إلى الجوف، ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله، ويقولون: إن الله ورسوله إنما جعل الطعام والشراب مفطرًا، لهذا المعنى المشترك من الطعام والشراب، ومما يصل إلى الدماغ والجوف من دواء المأمومة والجائفة، وما يصل إلى الجوف من الكحل ومن الحقنة والتقطير في الإحليل ونحو ذلك.

وإذا لم يكن على تعليق الله ورسوله للحكم بهذا الوصف دليل، كان قول القائل: "إن الله ورسوله إنما جعلاً هذا مفطرًا لهذا" قولاً بلا علم، وكان قوله: "إن الله حرم على الصائم أن يفعل هذا" قولاً بأن هذا حلال وهذا حرام بلا علم، وذلك يتضمن القول على الله بما لا يعلم، وهذا لا يجوز.

ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحكم فهو منزلة من اعتقد صحة مذهب لم يكن صحيحًا، أو دلالة لفظ على معنى لم يرده الرسول، وهذا اجتهاد يثابون عليه، ولا يلزم أن يكون قولاً بحجة شرعية يجب على المسلم اتباعها.

ثم ذكر شيخ الإسلام أن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم.

ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيضة، وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة. فإن الكحل لا يغذى البتة، ولا يدخل أحد كحلاً إلى جوفه لا من أنفه ولا فمه، وكذلك الحقنة لا تغذي، بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئًا من المسهلات أو فزع فزعًا أوجب استطلاق جوفه وهي لا تصل إلى المعدة.

والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه والله سبحانه قال: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

وقال صلى الله عليه وسلم: "الصوم جنة" وقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والصوم".

فالصائم نهي عن الأكل والشرب لأن ذلك سبب التقوي... (انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية -234/25 - 245). أ.هـ.

 هل الحقن أو الإبر تفطر الصائم؟

ومما يدخل في هذا الباب، ويسأل عنه الصائمون، الحقن - وتسمي في بعض البلاد: الإبر - سواء كانت تؤخذ في العضل، أم تحت الجلد أم في الوريد.

ومن هذه الحقن، ما يؤخذ للتداوي، ومنها: ما يؤخذ للتقوية، ومنها: ما يؤخذ للتغذية. أما ما يؤخذ للتداوي، مثل ما يؤخذ لخفض درجة الحرارة في الحميات ونحوها أو لخفض الضغط، ونحو ذلك، فعلماء العصر مجمعون على أنه لا يفطر.

ومثل ذلك ما يؤخذ للتقوية مثل الحقن المشتملة على الفيتامينات بأنواعها أو الكالسيوم، وما أشبه ذلك، فهي لا تفطر أيضًا، لأنها لا تصل إلى البدن من منفذ مفتوح، وليس فيها غذاء للجسم، ينافي حكمة الصوم في الجوع والحرمان.

أما الذي اختلف فيه علماء العصر فهو في شأن الحقن - أو الإبر - التي تعطى من طريق الوريد، ويقصد بها التغذية، مثل (الجلوكوز) وما شابهه.

فمن العلماء من يرى هذا النوع مفطرًا، لأنه يحمل غذاء يصل إلى داخل الجسم، وينتفع به. وإذا كان الغذاء عن طريق الفم يفطر بالنص والإجماع فينبغي أن يفطر هذا أيضًا، لأنه خلاصة الغذاء، وتصل إلى الدم مباشرة.

ومن العلماء من يرى أن هذا النوع لا يفطر. فهو من ناحية قواعد الفقهاء لم يدخل إلى الجوف، من منفذ طبيعي مفتوح (ذهب إلي ذلك العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في زمنه والشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الأزهر الأسبق في رسالته صوم رمضان). بل لم يدخل إلى الجوف أصلاً لأنهم يقصدون بالجوف المعدة.

ومن ناحية أخرى لا يذهب الجوع والظمأ ولا يحس من تناوله بالشبع والري لأنه لا يدخل المعدة، ولا يمر بالجهاز الهضمي للإنسان، صحيح أنه قد يشعر بعدها بشيء من النشاط والانتعاش، ولكن هذا وحده لا يكفي، للتفطير به، فقد يحدث هذا لمن يغتسل بماء بارد وهو صائم، فيشعر بالانتعاش، ومع هذا لا يفطر بالإجماع.

وهذا الرأي الأخير، وهو الذي أرجحه وأميل إليه.

على أن الأمر في هذا يسير، إذ لا يحتاج إلى هذا النوع من الحقن، إلا مريض بلغ به المرض مبلغًا أحوجه إلى مثل ذلك، أو خرج من عملية جراحية، يحتاج معها إلى التغذية الصناعية، ومثل هذا ينبغي أن يفطر، ولا حرج.

 هل المعاصي تفطر الصائم؟

الصيام عبادة تعمل على تزكية النفس، وإحياء الضمير، وتقوية الإيمان وإعداد الصائم ليكون من المتقين، كما قال تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

ولهذا يجب على الصائم أن يُنَزِّه صيامه عما يجرحه، وربما يهدمه، وأن يصون سمعه وبصره وجوارحه عما حرم الله تعالى، وأن يكون عفَّ اللسان، فلا يلغو ولا يرفث، ولا يصخب ولا يجهل، وألا يقابل السيئة بالسيئة، بل يدفعها بالتي هي أحسن، وأن يتخذ الصيام درعًا واقية له من الإثم والمعصية، ثم من عذاب الله في الآخرة ولهذا قال السلف: إن الصيام المقبول ما صامت فيه الجوارح من المعاصي، مع البطن والفرج عن الشهوة.

وهذا ما نبهت عليه الأحاديث الشريفة، وأكده تلاميذ المدرسة النبوية.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب - وفي رواية: (ولا يجهل) - فإن امرؤ سابه أو قاتله فليقل: إني صائم، مرتين " (متفق عليه عن أبي هريرة).

وقال عليه الصلاة والسلام: " من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (رواه البخاري في كتاب الصوم).

وقال: " رب صائم ليس - له من صيامه إلا الجوع " (رواه النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه عنه أحمد والحاكم والبيهقي بلفظ " رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش").

وكذلك كان الصحابة وسلف الأمة يحرصون على أن يكون صيامهم طُهرة للأنفس والجوارح، وتَنزُّهًا عن المعاصي والآثام..

قال عمر بن الخطاب: ليس الصيام من الشراب والطعام وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو.

وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء..

وروى طليق بن قيس عن أبي ذر قال: إذا صمت فتحفظ ما استطعت. وكان طليق إذا كان يوم صيامه، دخل فلم يخرج إلا إلى صلاة..

وكان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد، وقالوا: نُطهر صيامنا.

وعن حفصة بنت سيرين من التابعين قالت: الصيام جنة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة!.

وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يقولون: الكذب يفطِّر الصائم!.

وعن ميمون بن مهران: إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب (ذُكر هذه الآثار كلها ابن حزم في المُحلى -6 / 475، 476).

ومن أجل ذلك ذهب بعض السلف إلى أن المعاصي تفطِّر الصائم فمن ارتكب بلسانه حرامًا كالغيبة والنميمة والكذب، أو استمع بأذنه إلى حرام كالفحش والزور، أو نظر بعينه إلى حرام كالعورات ومحاسن المرأة الأجنبية بشهوة، أو ارتكب بيده حرامًا كإيذاء إنسان أو حيوان بغير حق، أو أخذ شيئًا لا يحل له، أو ارتكب برجله حرامًا، بأن مشى إلى معصية، أو غير ذلك من أنواع المحرمات، كان مفطرًا.

فاللسان يُفطِّر، والأذن تُفطِّر، والعين تُفطِّر، واليد تُفطِّر، والرجل تُفطِّر، كما أن البطن تُفطِّر، والفرج يُفطِّر.

وإلى هذا ذهب بعض السلف: أن المعاصي كلها تُفطِّر، ومن ارتكب معصية في صومه فعليه القضاء، وهو ظاهر ما روي عن بعض الصحابة والتابعين.

وهو مذهب الإمام الأوزاعي.

وهو ما أيده ابن حزم من الظاهرية.

وأما جمهور العلماء: فرأوا أن المعاصي لا تُبطل الصوم، وإن كانت تخدشه وتصيب منه، بحسب صغرها أو كبرها.

وذلك أن المعاصي لا يسلم منها أحد، إلا من عصم ربك، وخصوصًا معاصي اللسان ؛ ولهذا قال الإمام أحمد: لو كانت الغيبة تفطّر ما كان لنا صوم!.

هذا والإمام أحمد من هو وهو في ورعه وزهده وتقواه، فماذا يقول غيره؟!.

ويؤكد هؤلاء العلماء: أن المعاصي لا تبطل الصوم، كالأكل والشرب، ولكنها قد تذهب بأجره، وتضيع ثوابه.

والحق أن هذه خسارة ليست هينة لمن يعقلون، ولا يستهين بها إلا أحمق. فإنه يجوع ويعطش ويحرم نفسه من شهواتها، ثم يخرج في النهاية ورصيده (صفر) من الحسنات!.

يقول الإمام أبو بكر بن العربي في شرح حديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

(مقتضى هذا الحديث: أن من فعل ما ذُكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه).

وقال العلامة البيضاوي:.

(ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع، والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر اللّه إليه، نظر القبول، فيقول: " ليس للّه حاجة " مجاز عن عدم قبوله فنفى السبب وأراد المسبب والله أعلم).

إن الصيام في رمضان خاصة فرصة للتطهر من آثام أحد عشر شهرًا مضت، فمن صام صيام المؤمنين المحتسبين، كان جديرًا أن يخرج من الشهر مغفورًا له، مطهرًا من الذنوب، وخصوصًا الصغائر التي يقترفها الإنسان في مصبحه وممساه، ومراحه ومغداه، وقد يستخف بها مرتكبها، ولا يدري أنها إذا تكاثرت عليه أردته وأهلكته.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مُكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر" (رواه مسلم عن أبي هريرة).

وقد مر بنا الحديث المتفق عليه:" من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".

فمن لوث صيامه بالمعاصي في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه، فقد أضاع على نفسه فرصة التطهر، ولم يستحق المغفرة الموعودة، بل ربما أصابه ما دعا به جبريل عليه السلام، وأمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم:" من أدرك رمضان فلم يغفر له، فأبعده الله " (رواه ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده، وقد ثبت نحوه من حديث أبي هريرة وكعب بن عجرة).


ساهم في بناء صفحة رمضان
صور - رسومات - كتابات
ramadan@islam-online.net

 

قال صلى الله عليه وسلم

أعيـــــادنا

 

دعوناك ربنا

 

من قلوب العلماء

 

المسلم الصغير

 

نفحات رمضان

 

فقه الصيام

 

المسابقة الكبرى

 

حدث في رمضان

 

رمضان حول العالم

 

ابتسامات

 

العالم في رمضان

 

تهاني رمضانية

 

مساهمات الزائرين

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع