|
أثبت
القرآن الرخصة في الفطر للمريض
والمسافر، رحمة من الله بعباده
المؤمنين وتيسيرًا عليهم ورعاية
لضعفهم، قال تعالى: (ومن كان مريضًا أو
على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله
بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
والمريض
المراد هنا هو المريض العادي الذي
يرجى برؤه وفقًا لسنة الله تعالى في
الأسباب والمسببات.
أما
المريض الذي لا يرجى برؤه فله حكم
آخر، نفرد له حديثًا خاصا.
ومن
المعروف في عصرنا أن الإنسان قد يكون
لديه عدة أمراض، وهو لا يدري وقد
يفحصه الطبيب، فيجد عنده مجموعة من
الأمراض، التي توجد لدى كثير من
الناس، ولكنهم يعيشون بها، ويتعايشون
معها، دون مشقة شديدة.
فهذه
الأمراض (الساكنة) أو (المتعايشة) مع
أصحابها، ليست هي المقصودة هنا، ولا
تبيح لحاملها الإفطار، لأن أكثر
الناس لا يخلون من شيء يعتبره الطب
الحديث مرضا.
على
أن هناك أمراضًا يكون الصوم علاجًا
لها، مثل الإسهال والأمراض الناشئة
عن السمنة والتخمة وكثرة الأكل، وغير
ذلك.
فالمرض
الموجب للرخصة هو الذي يسبب للصائم
مشقة وألمًا، أو يكون الصيام سببًا
لزيادته، أو تأخر شفائه منه (بعض
المرضى يحتاج إلى وجبات خفيفة
متقاربة الموعد، ويضره خلو المعدة
لساعات طويلة من الطعام، وبعضهم
يحتاج إلى الشرب الكثير، كبعض أمراض
الكلى ونحوها، وبعضهم يحتاج إلى
تناول الدواء من الفم في ساعات منتظمة
يضره تأخيرها).
وإنما
يعرف ذلك بغلبة الظن، فهي كافية في
الأحكام العملية.
وغلبة
الظن تعرف هنا بأمرين:.
إما
بالتجربة - تجربته هو - بأن يكون جرب
الصوم يوما أو أكثر . فشق عليه، أو زاد
وجعه، أو تجربة غيره، ممن يثق به،
وحاله كحاله، ممن يعاني نفس المرض.
وإما
بإخبار طبيب مسلم ثقة في دينه، ثقة في
طبه، بأن يكون من أهل الاختصاص، في
هذا المرض، فلا يكفي أن يكون طبيبًا،
وماهرًا، بل لابد أن يكون مختصًا، فقد
عرف عصرنا التخصص الدقيق في الطب: إلى
حد يجعل بعض الأطباء الحاذقين أشبه
بالعوام في الاختصاصات الدقيقة
الأخرى.
والفطر
رخصة للمريض، كما هي للمسافر، ولكن لو
تحامل المريض على نفسه وصام أجزأه
الصوم، ولا قضاء عليه.
غير
أنه إذا شق عليه الصوم مشقة شديدة،
فليس من البر الصوم في المرض، بل ربما
كان المرض أولى من السفر بهذا، لأن
المسافر الذي يشق عليه السفر يجب عليه
الفطر خشية المرض. فالمرض أشد خطرًا،
ولهذا قدم في القرآن على السفر.
ومن
علماء السلف من أجاز الفطر لأي مرض
كان، مهما خف وصغر، ولو كان وجع
الإصبع، يروى ذلك عن ابن سيرين من
التابعين.
وعلى
المريض القضاء بعدد الأيام التي
أفطرها بعد أن يعافى، لقوله تعالى: (فعدة
من أيام أخر).
الشيخ
الكبير وذو المرض المزمن
ومن
أصحاب الأعذار الذين يلحقون بالمرضى
من وجه، وإن خالفوهم من وجه آخر: الشيخ
الكبير، الذي وهن العظم منه، وبلغ من
الكبر عتيًا، ويجهده الصوم ويلحق به
مشقة شديدة ومثله المرأة العجوز،
التي أضعفها الكبر فحكمهما واحد
بالإجماع.
ويلحق
بهما من ابتلى بمرض مزمن، إذا لحقته
بالصوم مشقة ظاهرة، وهو الذي لا يرجى
برؤه من مرضه، والشفاء منه، وفقًا
لسنة الله الجارية على الأسباب
والمسببات وإن كانت القدرة الإلهية
لا يعجزها شيء.
فهؤلاء
لا صوم عليهم بلا خلاف، وقد نقل
الإجماع على ذلك الإمام ابن المنذر.
ولا يشترط في إباحة الفطر لهؤلاء أن
ينتهي أحدهم إلى حالة لا يمكنه فيها
الصوم بل الشرط أن يلحقه بالصوم مشقة
يشق احتمالها (انظر: المجموع -257/6،258).
والدليل
على إباحة الفطر لهم قوله تعالى: (وما
جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج: 78)
وقال في آية الصيام: (يريد الله بكم
اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة :185).
ثم
إن هؤلاء نوع من المرضى: فالشيخوخة
مرض، وقد جاء في الحديث: " ما أنزل
الله داء إلا أنزل له شفاء، إلا الهرم
" والأصل في الاستثناء أن يكون
متصلا.
والمريض
الذي لا يرجى برؤه مريض على كل حال.
إنما
فارقا المريض العادي بأنهما لا
يستطيعان القضاء، لأن الشيخ لا يعود
شابًا حتى يمكنه أن يقضي، وذا المرض
المزمن لن يجد فرصة للقضاء مادام مرضه
ملازما له على الدوام.
وإنما
عليهما الفدية: طعام مسكين.
روى
البخاري عن عطاء: أنه سمع ابن عباس
يقرأ: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام
مسكين) قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو
الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا
يستطيعان أن يصوما، فيطعمان عن كل يوم
مسكينًا.
وروى
عنه عبد الرزاق أنه كان يقرؤها: (وعلى
الذين يطوقونه) أي يكلفونه ويتجشمونه
بمشقة، وقد قرأت بها عائشة وغيرها من
السلف (المصنف لعبد الرزاق -220/4 - 224،
بتحقيق المحدث حبيب الرحمن الأعظمي).
وجاءت
عنه روايات أخرى تفيد أن الآية
منسوخة، ولكن حكمها باق بالنسبة
للكبير الفاني.
قال
ابن كثير: (فحاصل الأمر أن النسخ ثابت
في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام
عليه بقوله: (فمن شهد منكم الشهر
فليصمه) وأما الشيخ الفاني الهرم الذي
لا يستطيع الصيام فله أن يفطر، ولا
قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير
إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل
يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم
مسكينا إذا كان ذا جدة ؟ فيه قولان
للعلماء :.
أحدهما:
لا يجب عليه إطعام، لأنه ضعيف عنه
لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي، لأن
الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو
أحد قولي الشافعي - وهو قول مالك وأيده
ابن حزم -.
والثاني:
وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء، أنه
يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن
عباس وغيره من السلف، على قراءة من
قرأ: (وعلى الذين يطيقونه) - لعلها
يطوقونه - أي يتجشمونه. كما قاله ابن
مسعود وغيره وهو اختيار البخاري) (انظر:
تفسير ابن كثير -1 / 215 ط . الحلبي).
وقد
يلحق بهذا النوع من أصحاب الأعذار، من
كان يمتهن الأعمال الشاقة التي لا
يقدر معها على الصوم، مثل: عمال
المناجم، أو الأفران أو غيرهم، ممن لا
يستطيعون الصوم، ولا يجدون فرصة
للقضاء، فهم يفطرون ويفدون.
فإن
كانوا يستطيعون القضاء في فصل الشتاء
مثلا، حيث يقصر النهار ويبرد الجو،
ولا يصعب عليهم الصوم، جاز لهم الفطر
في الحال، ووجب عليهم القضاء في
المستقبل.
ومثلهم
من يتعيش من عمل قائم على السفر مثل
السائق، والطيار، والبحار إذا لم يجد
أحدهم فرصة للقضاء، فيفطر ويفدي.
والفدية:
طعام مسكين.
قدره
بعض الفقهاء بمقدار (مد) وهو ربع صاع.
وبعضهم
بصاع من تمر أو طعام إلا القمح، فجعل
منه نصف صاع.
وبعضهم
رأى إطعام المسكين ما يشبعه.
وهذا
عندي هو الأرجح، وهو الذي أفتى به
الصحابة وعملوا به مثل أنس، فقد أطعم
بعد ما كبر عاما أو عامين عن كل يوم
مسكينًا خبزًا ولحما وأفطر.
وروى
أنه صنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين
مسكينًا فأطعمهم.
وقد
استدل ابن عباس بالآية: (وعلى الذين
يطيقونه فدية طعام مسكين) فالأولى
الوقوف عند النص، وإطعام المسكين من
أوسط ما يطعم الإنسان وأهله، اهتداء
بما ذكره القرآن في كفارة اليمين (من
أوسط ما تطعمون أهليكم) (المائدة :89)..
على
أني لا أرى بأسًا ببذل القيمة إذا كان
فيها مصلحة الفقراء، والقيمة هنا
قيمة الطعام لو أطعمه من أوسط ما يأكل.
وتختلف
من شخص لآخر، ومن بلد لآخر، ومن وقت
لآخر.
حكم
إفطار المريض وما الواجب عليه
س:
لقد أجريت لي عدة عمليات، ومنعني
الطبيب من الصيام، وصمت بعد العمليات
بسنتين وتعبت من ذلك الصيام، وأنا رجل
عاقل، فهل يصح لي أن أتصدق بدل الصيام
؟ وهل يصح لي أن أعطى نقودًا لبعض
الضعفاء والمحتاجين نظير إفطاري في
نهار رمضان ؟
ج:
أجمع أهل العلم على إباحة الفطر
للمريض، لقوله تعالى: (شهر رمضان الذي
أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من
الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر
فليصمه، ومن كان مريضًا أو على سفر
فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم
اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة: 185)
فبالنص والإجماع يجوز الفطر للمريض،
ولكن ما المرض المبيح للفطر، إنه
المرض الذي يزيده الصوم، أو يؤخر
الشفاء على صاحبه، أو يجعله يتجشم
مشقة شديدة، بحيث لا يستطيع أن يقوم
بعمله الذي يتعيش منه ويرتزق منه،
فمثل هذا المرض هو الذي يبيح الفطر،
قيل للإمام أحمد: متى يفطر المريض ؟
قال: إذا لم يستطع . قيل له: مثل الحمى ؟
قال: وأي مرض أشد من الحمى ؟ وذلك، أن
الأمراض تختلف، فمنها مالا أثر للصوم
فيه، كوجع الضرس وجرح الأصبع والدمل
الصغير وما شابههما، ومنها ما يكون
الصوم علاجًا له، كمعظم أمراض البطن،
من التخمة، والإسهال، وغيرها فلا
يجوز الفطر لهذه الأمراض، لأن الصوم
لا يضر صاحبها بل ينفعه، ولكن المبيح
للفطر ما يخاف منه الضرر . والسليم
الذي يخشى المرض بالصيام، يباح له
الفطر أيضًا كالمريض الذي يخاف زيادة
المرض بالصيام . وذلك كله يعرف بأحد
أمرين :
إما
بالتجربة الشخصية: وإما بإخبار طبيب
مسلم موثوق به، في فنه وطبه، وموثوق
به في دينه وأمانته، فإذا أخبره طبيب
مسلم بأن الصوم يضره، فله أن يفطر،
وإذا أبيح الفطر للمريض، ولكنه تحمل
وصام مع هذا فقد فعل مكروهًا في الدين
لما فيه من الإضرار بنفسه، وتركه
تخفيف ربه وقبول رخصته، وإن كان الصوم
صحيحًا في نفسه، فإن تحقق ضرره
بالصيام وأصر عليه فقد ارتكب محرمًا،
فإن الله غني عن تعذيبه نفسه . قال
تعالى :(ولا تقتلوا أنفسكم . إن الله
كان بكم رحيما). (النساء: 29).
بقى
شيء من سؤال السائل وهو: هل يجوز له أن
يتصدق بدل الأيام التي أفطرها وهو
مريض ؟ فنقول له: المرض نوعان: مرض
مؤقت يرجى الشفاء منه وهذا لا يجوز
فيه فدية ولا صدقة، بل لابد من قضائه
كما قال تعالى: (فعدة من أيام أخر) فإذا
أفطر شهرًا فعليه شهر وإذا أفطر يومًا
فعليه يوم، فإذا أفطر أيامًا فعليه أن
يقضي مثلها حين يأتيه الله بالصحة
وتتاح له فرصة القضاء .. هذا هو المرض
المؤقت.
أما
المرض المزمن فحكم صاحبه كحكم الشيخ
الكبير والمرأة العجوز إذا كان المرض
لا يرجى أن يزول عنه . ويعرف ذلك
بالتجربة أو بإخبار الأطباء فعليه
الفدية :إطعام مسكين . وعند بعض الأئمة
- كأبي حنيفة - يجوز له أن يدفع القيمة
نقودًا إلى من يرى من الضعفاء
والفقراء والمحتاجين.
إفطار
الكبير والحامل والمرضع
س:
هل يجوز للشيخ كبير السن أن يفطر في
رمضان وماذا يجب عليه عند ذلك ؟ وهل
يصح للمرأة الحامل أن تفطر في رمضان
خوفًا على الجنين أن يموت ؟ وماذا يجب
عليها ؟ وهل يجوز استعمال الطيب في
شهر رمضان ؟
ج:
أما السؤال الأول فأجيب عنه بأنه يجوز
لمثل هذا الشيخ الكبير الذي يجهده
الصوم ويشق عليه مشقة شديدة، ومثله
المرأة العجوز طبعًا، يجوز لهما أن
يفطرا في رمضان، ومثلهما كل مريض لا
يرجى شفاؤه من مرضه.
المريض
مرضًا مزمنًا، قرر الأطباء أنه مستعص
على العلاج، أو أنه مزمن معه، يجوز له
أن يفطر، وهؤلاء إذا أفطروا عليهم
فدية طعام مسكين عن كل يوم، رخصة من
الله وتيسيرًا . وقال تعالى: (يريد
الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة:
185)، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (سورة
الحج: 78) وقال ابن عباس رضي الله عنهما:
" رخص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم
عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه "
(رواه الدارقطني والحاكم وصححاه)،
وروى البخاري عنه قريبًا من هذا: أن في
الشيخ الكبير ونحوه نزل قوله تعالى: (وعلى
الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن
تطوع خيرًا فهو خير له) (البقرة: 184) أي
من زاد عن طعام المسكين فهو أفضل
وأبقى له عند الله . فالشيخ الكبير،
والمرأة العجوز، والمريض الذي لا
يرجى برؤه من مرضه، كل هؤلاء لهم أن
يفطروا ويتصدقوا عن كل يوم طعام مسكين.
وأما
السؤال الثاني: هل يصح للمرأة الحامل
أن تفطر في رمضان إذا خافت على جنينها
أن يموت ؟ فنعم .. لها أن تفطر .. بل إذا
تأكد هذا الخوف أو قرره لها طبيب مسلم
ثقة في طبه ودينه، يجب عليها أن تفطر
حتى لا يموت الطفل، وقد قال تعالى :(لا
تقتلوا أولادكم) (الأنعام: 151،
والإسراء: 31) وهذه نفس محترمة، لا يجوز
لرجل ولا لامرأة أن يفرط فيها ويؤدي
بها إلى الموت . والله تعالى لم يعنت
عباده أبدًا، وقد جاء عن ابن عباس
أيضًا أن الحامل والمرضع ممن جاء فيهم
(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين).
وإذا
كانت الحامل والمرضع تخافان على
أنفسهما فأكثر العلماء على أن لهما
الفطر وعليهما القضاء فحسب .. وهما في
هذه الحالة بمنزلة المريض.
أما
إذا خافت الحامل أو خافت المرضع على
الجنين أو على الولد، نفس هذه الحالة
اختلف العلماء بعد أن أجازوا لها
الفطر بالإجماع هل عليها القضاء أم
عليها الإطعام تطعم عن كل يوم
مسكينًا، أم عليها القضاء والإطعام
معًا، اختلفوا في ذلك، فابن عمر وابن
عباس يجيزان لها الإطعام وأكثر
العلماء على أن عليها القضاء، والبعض
جعل عليها القضاء والإطعام، وقد يبدو
لي أن الإطعام وحده جائز دون القضاء،
بالنسبة لامرأة يتوالى عليها الحمل
والإرضاع، بحيث لا تجد فرصة للقضاء،
فهي في سنة حامل، وفي سنة مرضع، وفي
السنة التي بعدها حامل .. وهكذا ..
يتوالى عليها الحمل والإرضاع، بحيث
لا تجد فرصة للقضاء، فإذا كلفناها
قضاء كل الأيام التي أفطرتها للحمل أو
للإرضاع معناها أنه يجب عليها أن تصوم
عدة سنوات متصلة بعد ذلك، وفي هذا
عسر، والله لا يريد بعباده العسر.
هذا
بالنسبة للسؤال الثاني.
وأما
السؤال الثالث عن استعمال الطيب في
شهر رمضان فهو جائز ولم يقل أحد بحرمة
استعمال الطيب في رمضان ولا بأنه مفسد
للصوم، والله أعلم.
إفطار
الكبير والحامل والمرضع
س:
هل يجوز للشيخ كبير السن أن يفطر في
رمضان وماذا يجب عليه عند ذلك ؟ وهل
يصح للمرأة الحامل أن تفطر في رمضان
خوفًا على الجنين أن يموت ؟ وماذا يجب
عليها ؟ وهل يجوز استعمال الطيب في
شهر رمضان ؟
ج:
أما السؤال الأول فأجيب عنه بأنه يجوز
لمثل هذا الشيخ الكبير الذي يجهده
الصوم ويشق عليه مشقة شديدة، ومثله
المرأة العجوز طبعًا، يجوز لهما أن
يفطرا في رمضان، ومثلهما كل مريض لا
يرجى شفاؤه من مرضه.
المريض
مرضًا مزمنًا، قرر الأطباء أنه مستعص
على العلاج، أو أنه مزمن معه، يجوز له
أن يفطر، وهؤلاء إذا أفطروا عليهم
فدية طعام مسكين عن كل يوم، رخصة من
الله وتيسيرًا . وقال تعالى: (يريد
الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة:
185)، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (سورة
الحج: 78) وقال ابن عباس رضي الله عنهما:
" رخص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم
عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه "
(رواه الدارقطني والحاكم وصححاه)،
وروى البخاري عنه قريبًا من هذا: أن في
الشيخ الكبير ونحوه نزل قوله تعالى: (وعلى
الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن
تطوع خيرًا فهو خير له) (البقرة: 184) أي
من زاد عن طعام المسكين فهو أفضل
وأبقى له عند الله . فالشيخ الكبير،
والمرأة العجوز، والمريض الذي لا
يرجى برؤه من مرضه، كل هؤلاء لهم أن
يفطروا ويتصدقوا عن كل يوم طعام مسكين.
وأما
السؤال الثاني: هل يصح للمرأة الحامل
أن تفطر في رمضان إذا خافت على جنينها
أن يموت ؟ فنعم .. لها أن تفطر .. بل إذا
تأكد هذا الخوف أو قرره لها طبيب مسلم
ثقة في طبه ودينه، يجب عليها أن تفطر
حتى لا يموت الطفل، وقد قال تعالى :(لا
تقتلوا أولادكم) (الأنعام: 151،
والإسراء: 31) وهذه نفس محترمة، لا يجوز
لرجل ولا لامرأة أن يفرط فيها ويؤدي
بها إلى الموت . والله تعالى لم يعنت
عباده أبدًا، وقد جاء عن ابن عباس
أيضًا أن الحامل والمرضع ممن جاء فيهم
(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين).
وإذا
كانت الحامل والمرضع تخافان على
أنفسهما فأكثر العلماء على أن لهما
الفطر وعليهما القضاء فحسب .. وهما في
هذه الحالة بمنزلة المريض.
أما
إذا خافت الحامل أو خافت المرضع على
الجنين أو على الولد، نفس هذه الحالة
اختلف العلماء بعد أن أجازوا لها
الفطر بالإجماع هل عليها القضاء أم
عليها الإطعام تطعم عن كل يوم
مسكينًا، أم عليها القضاء والإطعام
معًا، اختلفوا في ذلك، فابن عمر وابن
عباس يجيزان لها الإطعام وأكثر
العلماء على أن عليها القضاء، والبعض
جعل عليها القضاء والإطعام، وقد يبدو
لي أن الإطعام وحده جائز دون القضاء،
بالنسبة لامرأة يتوالى عليها الحمل
والإرضاع، بحيث لا تجد فرصة للقضاء،
فهي في سنة حامل، وفي سنة مرضع، وفي
السنة التي بعدها حامل .. وهكذا ..
يتوالى عليها الحمل والإرضاع، بحيث
لا تجد فرصة للقضاء، فإذا كلفناها
قضاء كل الأيام التي أفطرتها للحمل أو
للإرضاع معناها أنه يجب عليها أن تصوم
عدة سنوات متصلة بعد ذلك، وفي هذا
عسر، والله لا يريد بعباده العسر.
هذا
بالنسبة للسؤال الثاني.
وأما
السؤال الثالث عن استعمال الطيب في
شهر رمضان فهو جائز ولم يقل أحد بحرمة
استعمال الطيب في رمضان ولا بأنه مفسد
للصوم، والله أعلم.
من
غلبه الجوع والعطش وخاف الهلاك
ومن
أصحاب الأعذار من يجب عليه الفطر
وجوبًا، ولا يكون مجرد رخصة.
قال
العلماء: من غلبه الجوع والعطش فخاف
الهلاك لزمه الفطر، وإن كان صحيحًا
مقيمًا، لقوله تعالى: (ولا تقتلوا
أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (النساء:
29)، وقوله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى
التهلكة) (البقرة: 195). وقوله: (وما جعل
عليكم في الدين من حرج) (الحج: 78).
ويلزم
القضاء كالمريض (انظر: المجموع للنووي
-6 / 258).
الحامل
والمرضع
للمرأة
في أحكام الصيام نصيب أكبر من الرجل،
فهي تشاركه في عامة الأحكام وتختص هي
بأمور لا يشاركها فيها.
ذلك
أن القدر حملها ما لم يحمل الرجل من
متاعب الحياة، فهي تعاني الدورة
الشهرية التي كتبها الله على بنات
آدم، أو ما يسمى في الشرع (الحيض)
ومثله حالة الولادة أو النفاس، وهما
العذران اللذان أوجبا عليها الفطر،
وحرم عليها الصوم بسببهما.
وقبل
الولادة، تكون حالة الحمل، وهي كما
صورها القرآن، وهو يوصي الإنسان
بالإحسان بوالديه، فيقول: (حملته أمه
كرهًا ووضعته كرها) (الأحقاف :15).
وفي
آية أخرى: (حملته أمه وهنا على وهن) (لقمان
:14).
إنها
حالة الوحم والغثيان والثقل والألم،
التي تتحملها الأم طوال تسعة أشهر
صابرة، بل سعيدة راضية حتى يخرج
جنينها إلى نور الحياة.
وبعد
الولادة وما يصحبها من آلام تبدأ
مرحلة أخرى، هي مرحلة الإرضاع
والفصال التي قد تطول إلى عامين، كما
قال تعالى: (وفصاله في عامين) (لقمان: 14)
وقال: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين
كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) (البقرة:
233).
والمرأة
في حالة الحمل قد تخاف على نفسها من
مشقة الصوم، وقد تخاف على حملها في
بطنها الذي أصبح جزءا منها، فغذاؤه
منها، وبقاؤه بها، أو تخاف عليهما معا.
وهي
في حالة الرضاع أيضًا قد تخاف على
نفسها أو على رضيعها. أو على الاثنين
جميعا.
فما
الحكم في مختلف هذه الحالات؟.
لقد
أجمع الفقهاء على أن من حق كل منهما (الحامل
والمرضع) أن تفطر في كل هذه الأحوال،
وفي هذا جاء حديث: " إن الله وضع عن
المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن
الحامل والمرضع الصوم" (رواه
النسائي وابن ماجه).
ولكن
ماذا عليهما، بعد أن تفطرا ؟.
أتعاملان
معاملة المريض العادي، فيجب عليهما
قضاء عدة من أيام أخر بعد أن تنتهي
حالة الحمل والإرضاع؟.
أم
تعاملان معاملة الشيخ الكبير والمرأة
العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه
فتفديان وتطعمان عن كل يوم مسكينًا،
أو تعفيان من الفدية أيضا؟.
أم
يختلف حكم الحامل عن حكم المرضع، وحكم
من تخاف على نفسها، ومن تخاف على
ولدها؟.
بكل
احتمال من هذه الاحتمالات قال بعض
الفقهاء.
ومعظم
الفقهاء، أخذوا بالاحتمال الأول
وعاملوا كلتيهما معاملة المريض
وقالوا: تفطران وتقضيان.
ومذهب
ابن عمر وابن عباس من الصحابة، وابن
جبير وغيره من التابعين: أن عليهما
الفدية، أي الإطعام، ولا قضاء عليهما.
روى
عبد الرزاق في مصنفه: أن ابن عمر سئل
عن امرأة أتي عليها رمضان وهي حامل؟
قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكينًا.
وروي
عن ابن عباس: أنه كان يأمر وليدة له
حبلى، أن تفطر في شهر رمضان، وقال: أنت
بمنزلة الكبير لا يطيق الصيام،
فأفطري، وأطعمي عن كل يوم نصف صاع من
حنطة.
وعن
سعيد بن جبير قال: تفطر الحامل التي في
شهرها، والمرضع التي تخاف على ولدها،
تفطران، وتطعم كل واحدة منهما، كل يوم
مسكينًا، ولا قضاء عليهما.
وروي
نحو ذلك عن القاسم بن محمد وقتادة
وإبراهيم.
كما
روى عبد الرزاق عن بعض السلف أيضًا،
أن على الحامل والمرضع القضاء ولا
تطعمان (انظر المصنف لعبد الرزاق -4 / 216
- 219).
وذكر
ابن كثير الخلاف الكثير بين العلماء
في شأنهما قال: فمنهم من قال: تفطران
وتفديان وتقضيان وقيل: تفديان فقط،
ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية.
وقيل: تفطران ولا فدية ولا قضاء (
تفسير ابن كثير -215/1).
والذي
أرجحه هو الأخذ بمذهب ابن عمر وابن
عباس في شأن المرأة التي يتوالى عليها
الحمل والإرضاع، وتكاد تكون في
رمضان، إما حاملا، وإما مرضعا. وهكذا
كان كثير من النساء في الأزمنة
الماضية، فمن الرحمة بمثل هذه المرأة
ألا تكلف القضاء وتكتفي بالفدية، وفي
هذا خير للمساكين وأهل الحاجة.
أما
المرأة التي تتباعد فترات حملها، كما
هو الشأن في معظم نساء زمننا في معظم
المجتمعات الإسلامية، وخصوصًا في
المدن. والتي قد لا تعاني الحمل
والإرضاع، في حياتها إلا مرتين أو
ثلاثًا، فالأرجح أن تقضي كما هو رأي
الجمهور.
إذ
الحكم مبني على مراعاة التخفيف، ورفع
المشقة الزائدة، فإذا لم توجد ارتفع
الحكم معها، إذ الحكم يدور مع علته
وجودًا وعدمًا.
قضاء
رمضان
ومن
كان عليه صيام أيام من رمضان، أفطر
فيه بعذر، كالمريض والمسافر والحائض،
والنفساء، ومن شق عليه الصوم، مشقة
شديدة، فأفطر، والحامل والمرضع، عند
من يرى عليهما القضاء، فينبغي له أن
يبادر بقضاء ما فاته بعدد الأيام التي
أفطر فيها، تبرئة لذمته، ومسارعة إلى
أداء الواجب، واستباقًا للخيرات.
أما
المريض والمسافر فقضاؤهما ثابت
بالقرآن: (فعدة من أيام أخر) وأما قضاء
الحائض والنفساء، فهو ثابت بالسنة،
عن عائشة: كنا نحيض في عهد النبي صلى
الله عليه وسلم، فكنا نؤمر بقضاء
الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
ولا
يأثم بالتأخير مادام في نيته القضاء
لأن وجوب القضاء على التراخي، حتى كان
له أن يتطوع قبله على الصحيح.
ويدل
على ذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت:
كان يكون علىَّ الصيام من رمضان، فما
أستطيع أن أقضي إلا في شعبان (متفق
عليه، اللؤلؤ والمرجان -703).
وكذلك
من أفطر بغير عذر من باب أولى، كمن
أفسد صومه عامدًا، بما يوجب الكفارة،
كالجماع، أو بما لا يوجب الكفارة،
كالأكل أو الشرب، عند أكثر الفقهاء
فعليه القضاء أيضًا، كما بينا ذلك في
موضعه.
ويجوز
أن يكون قضاء رمضان متتابعًا وهو
أفضل، مسارعة إلى إسقاط الفرض،
وخروجًا من الخلاف (فقد أوجبه بعض
العلماء لأن القضاء يحكى الأداء، وهو
متتابع) وأن يقضيه مفرقًا، وهو قول
جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت
الدلائل، لأن التتابع إنما وجب في
الشهر لضرورة أدائه فيه، فأما بعد
انقضاء رمضان، فالمراد صيام عدة ما
أفطر، ولهذا قال تعالى: (فعدة من أيام
أخر) ولم يشترط فيها تتابعا.. بل قال
بعدها: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد
بكم العسر).
ومن
أفطر في قضاء رمضان متعمدًا ولو
بالجماع فلا كفارة عليه، وإنما عليه
يوم مكان يوم، وذلك لأن الأداء متعين
بزمان له حرمة خاصة، فالفطر انتهاك
له، بخلاف القضاء، فالأيام متساوية
بالنسبة إليه.
ومن
أتى عليه رمضان آخر، ولم يقض ما عليه
من رمضان الفائت، فإن كان ذلك بعذر
فلا شيء عليه بالإجماع، لأنه معذور في
تأخيره.
وإن
كان تأخيره للقضاء بغير عذر، فقد جاء
عن عدد من الصحابة: أن عليه عن كل يوم
إطعام مسكين، كفارة عن تأخيره.
وأخذ
بذلك مالك والثوري والشافعي وأحمد
وغيرهم (المغني مع الشرح الكبير -81/2).
وهناك
رأي آخر: أن لا شيء عليه غير القضاء
وهو رأي النخعي وأبو حنيفة وأصحابه،
ورجحه صاحب (الروضة الندية) لأنه لم
يثبت في ذلك شيء، صح رفعه إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، وغاية ما فيه
آثار عن جماعة من الصحابة من أقوالهم،
وهي ليست حجة على أحد، ولا تعبد الله
بها أحدًا من عباده، والبراءة
الأصلية، مستصحبة فلا ينقل عنها إلا
ناقل صحيح (الروضة الندية لصديق حسن
خان -232/1).
وأرى
الأخذ بما جاء عن الصحابة على سبيل
الاستحباب، لا الوجوب، فهو نوع من جبر
التقصير بالصدقة، وهو أمر مندوب إليه.
أما الوجوب فيحتاج إلى نص من المعصوم
ولم يوجد.
قضاء
الصيام في شهر شعبان
س:
لقد اضطررت للإفطار ستة أيام في السنة
الماضية في شهر رمضان المبارك بسبب
العادة الشهرية، وعندما أردت قضاء
هذه الأيام بدأت بصومها في العشرين من
شعبان وبعدما صمت يومين أتاني كثير من
الناس وقالوا لي: إنه لا يجوز قضاء
الصوم في شهر شعبان فما رأيكم في هذا ؟
ج:
لا حرج ولا بأس بقضاء ما فات المسلمة
أو المسلم من رمضان في أي شهر من
الشهور حتى في شعبان نفسه، بل قد ورد
أن عائشة كانت أحيانًا تتأخر بقضاء
بعض الأيام إلى شعبان فتصومها قبل أن
يأتي رمضان . فلتطمئن المسلمة على
الأيام التي صامتها، وهي مقبولة
ومجزئة عنها والله تعالى يتقبل من
المتقين.
قضاء
رمضان بعد مرور رمضان آخر
س:
إذا أفطرت لعذر بضعة أيام من رمضان،
وجاء رمضان آخر ولم أقض ما علىَّ، فما
الحكم في ذلك، هل أقضي وأفدي ؟
وإذا
حدث لدي شك في عدد الأيام التي
أفطرتها، فما أفعل حتى أزيل هذا الشك
وأرضي الله تعالى ؟
ج:
بعض الأئمة يقولون، بأنه إذا مرّ
رمضان وجاء آخر ولم يقض ما عليه من
أيام أفطرها في رمضان السابق، فعليه
القضاء والفدية، وهي إطعام مسكين عن
كل يوم مدًا من غالب قوت البلد،
والمدّ يساوي تقريبًا نصف كيلو غرام،
يزيد قليلاً.
هذا
في مذهب الشافعية، والحنابلة، عملاً
بما جاء عن عدد من الصحابة، والأئمة
الآخرون لم يوجبوا هذا.
على
كل حال، فإن حدث معه مثل هذا فعليه
القضاء جزمًا، أما الإطعام أو الفدية
فإن فعلها فحسن، وإن تركها فلا حرج
عليه إن شاء الله، حيث لم يصح شيء في
ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
أما
عند الشك في عدد الأيام، فيعمل
الإنسان بغالب الظن، أو باليقين ..
فلكي يطمئن الإنسان على سلامة دينه
وبراءة ذمته، فليصم الأكثر، وله على
ذلك مزيد الأجر والثواب.
قضاء
ما فات من رمضان في شعبان
س:
هل يجوز قضاء ما يفطر المسلم من رمضان
في شهر شعبان ؟
ج:
ما فات من رمضان من أيام على المسلم أو
على المسلمة فعليه أن يقضيه عند
الاستطاعة حينما تتاح له الفرصة،
طيلة أشهر العام، قبل رمضان التالي،
ومعنى هذا أن أمام المسلم أحد عشر
شهرًا يستطيع أن يقضي فيها ما فاته من
رمضان، سواء كان أفطر لعذر مرض أو سفر
أو لعذر حيض أو لغير ذلك من أعذار.
هناك
نوع من السعة في الشرع، لقضاء ما فات
من رمضان.
يستطيع
أن يقضي في شوال - أي بعد رمضان مباشرة
. وما بعد شوال.
ولا
شك أن المبادرة أفضل، مسارعة في
الخيرات، كما قال تعالى: (فاستبقوا
الخيرات) ولأن إنسانًا لا يضمن أجله،
ولهذا يكون الأحوط لنفسه والأضمن
لآخرته أن يعجل بإبراء ذمته بقضاء ما
فاته.
فإذا
أجله لعذر ما، كشدة الحر، أو لضعف
وعجز في صحته، أو طرأت عليه مشاغل لم
يتمكن معها من الصوم قضاء ما فاته،
يستطيع أن يقضي إلى رمضان الآتي.
فإذا
جاء شعبان ولم يقض ما فاته، فإن عليه
أن يقضي في شعبان، لأنه الفرصة
الأخيرة وقد كانت تفعل ذلك أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنه، فقد
كانت كثيرًا ما يفوتها بعض أيام من
رمضان، فتقضيها في شعبان .. وذلك لا
حرج فيه، وإن كان هناك اشتباه لدى بعض
الناس في هذا الأمر، فهذا لا أساس له
من الشرع .. إذ كل الشهور يمكن أن تكون
محلاً لقضاء ما فات من رمضان.
ولكن
هب أن إنسانًا كان مريضًا في شهر
رمضان الماضي، وحتى الآن، وقد وافاه
رمضان التالي وهو على حاله من المرض،
لا يستطيع قضاء ما فاته إلا بمشقة
شديدة وحرج وإعنات. ومثل هذا يبقى ما
فاته من صيام رمضان دينًا مؤجلاً عليه
إلى ما بعد رمضان، حين يستعيد صحته
ومقدرته على الصيام، ولا حرج عليه في
ذلك، فالله تعالى ختم آية الصوم بقوله:
(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر). (البقرة: 185).
من
مات وعليه صيام
إذا
مات المريض أو المسافر، وهما على
حالهما من المرض والسفر، لم يلزمهما
القضاء، لعدم إدراكهما عدة من أيام
أخر.
وإن
صح المريض، وأقام المسافر، ثم ماتا،
لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة
لإدراكهما العدة بهذا المقدار.
ومعنى
اللزوم هنا أنه أصبح في ذمته، وتبرأ
ذمته بأحد أمرين:.
1-
إما بصيام وليه عنه، لحديث عائشة في
الصحيحين مرفوعا: "من مات وعليه
صيام، صام عنه وليه" (متفق عليه،
اللؤلؤ والمرجان -704). ورواه البزار،
بزيادة لفظ "إن شاء" (قال في مجمع
الزوائد -179/3: وإسناده حسن).
فصيام
الولي عن الميت من باب البر به لا
الوجوب عليه، ويؤيد ذلك ما رواه
الشيخان، عن ابن عباس: جاء رجل إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا
رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم
شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: "نعم فدين
الله أحق أن يقضى" (اللؤلؤ والمرجان
-705).
ومن
المعلوم أن الإنسان ليس مُطالبًا
بقضاء دين غيره إلا من باب البر
والصلة، لأن الأصل براءة الذمم، وأن
المكلف غير ملزم بأداء ما يثبت في ذمة
غيره.
فالصحيح
جواز الصيام عن الميت لا وجوبه، وبه
تبرأ ذمة الميت.
2-
وإما بالإطعام عنه، أي بإخراج طعام
مسكين من تركته وجوبًا، عن كل يوم
فاته لأنه دَيْن لله، تعلق بتركته،
ودَيْن الله أحق أن يقضى.
واشترط
بعض الفقهاء أن يكون قد أوصى بذلك،
وإلا لم يخرج من تركته شيء لأنها حق
الورثة.
والصحيح
أن حق الورثة من بعد وصية يوصي بها أو
دَيْن وهذا دَيْن، لأنه حق المساكين
في ماله، والله أعلم.
|