ج :
المسلم مطالب أن يؤدي العبادات كلها:
يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم
رمضان ويحج البيت متى استطاع إليه
سبيلاً . فمن ترك واحدة من هذه الفرائض
بغير عذر يعتد الله به، فلعلماء
الإسلام فيه آراء شتى، فمنهم من يذهب
إلى كفره بترك أي واحدة منها . ومنهم
من يكفر تارك الصلاة ومانع الزكاة.
ومنهم
من يكفر تارك الصلاة فحسب، لمنزلتها
في دين الله ولما ورد أن " بين العبد
وبين الكفر ترك الصلاة " (رواه مسلم).
ومن ذهب
إلى تكفير تارك الصلاة عمدًا فلا يظن
أن يقبل صومه، إذ الكافر لا تقبل له
عبادة أصلاً.
ومنهم
من يبقى عليه إيمانه وإسلامه ما دام
مصدقًا بالله ورسوله وما جاء به غير
جاحد ولا مرتاب . ويكتفي هذا الفريق من
العلماء بوصفه بالفسوق عن أمر الله.
ولعل
هذا الرأي - والله أعلم - هو أعدل
الأقوال وأقربها . وعلى هذا فإذا قصر
لكسل أو هوى في بعض الفرائض - غير منكر
ولا مستهزئ - وأدى البعض الآخر كان
ناقص الإسلام، ضعيف الإيمان، ويخشى
على إيمانه إذا استمر على الترك . ولكن
الله تعالى لا يضيّع أجر عمل أحسنه .
بل له عند الله بقدر عمله: له مثوبة ما
أدى . وعليه وزر ما فرط (وكل صغير وكبير
مستطر) (القمر: 53) (فمن يعمل مثقال ذرة
خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا
يره). (الزلزلة: 7، 8).
حكم
القبلة للصائم
لا حرج
على الصائم في القبلة، إذا لم يخف على
نفسه أن تحرك شهوته وتوقعه في المحذور.
وقد
قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يُقَبِّل
ويُباشِر وهو صائم وكان أملككم لأربه
(متفق عليه). أي لشهوته.
وعن عمر
بن أبي سلمة: أنه سأل رسول الله صلى
الله عليه وسلم :أيُقَبِّل الصائم؟
فقال: " سل هذه لأم سلمة" فأخبرته
أن النبي صلى الله عليه وسلم يصنع
ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله
لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له
رسول الله صلى الله عليه وسلم:"
والله إني أتقاكم لله وأخشاكم له" (رواه
مسلم، وعمر بن أبي سلمة هذا هو
الحميري، وليس هو ابن أم سلمة).
وعن عمر
رضي الله عنه، قال: هششت يومًا، فقبلت
وأنا صائم، فأتيت النبي صلى الله عليه
وسلم، فقلت: إني صنعت اليوم أمرًا
عظيمًا: قبلت وأنا صائم، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " أرأيت لو
تمضمضت بماء وأنت صائم؟ " قلت: لا
بأس بذلك، قال " ففيم؟ " (رواه أبو
داود).
ومن
السلف من رخَّص في القُبلة للشيخ
الكبير دون الشاب كما روى ابن ماجه عن
ابن عباس: رُخِّص للكبير الصائم في
المباشرة، وكُرِه للشاب. وظاهره أنه
مرفوع.
ورواه
مالك والشافعي والبيهقي بأسانيدهم
الصحيحة عن عطاء بن يسار: أن ابن عباس
سئل عن القبلة للصائم فأرخص فيها
للشيخ وكرهها للشاب. هكذا رواه أبو
داود موقوفًا عن ابن عباس (ذكر ذلك
النووي في المجموع -354/6).
وعن أبي
هريرة: أن رجلاً سأل النبي صلى الله
عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخَّص
له، وأتاه آخر فنهاه. هذا الذي رخص له
شيخ، والذي نهاه شاب. رواه أبو داود
بإسناد جيد ولم يضعفه، وعن ابن عمرو
بن العاص قال :كنا عند النبي صلى الله
عليه وسلم، فجاء شاب فقال: يا رسول
الله، أقبل وأنا صائم؟ فقال: "لا"
فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال:
"نعم" رواه أحمد بن حنبل بإسناد
ضعيف من رواية ابن لهيعة (قاله النووي
في المجموع أيضًا، وصححه الشيخ شاكر
في تخريجه للمسند، بناء على توثيقه
لابن لهيعة بإطلاق).
وعن
الأسود قال: قلت لعائشة: أيباشر
الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يباشر؟ قالت:
كان أملككم لأربه. رواه البيهقي
بإسناد صحيح (المجموع –355/6).
وهذا هو
الضابط عندي: أن يملك أربه، ويقدر على
ضبط نفسه، وإن كان شابًا، فكم من شيخ
لا يملك نفسه!.
إذا أكل
أو شرب يظن غروب الشمس أو بقاء الليل:.
إذا أكل
أو شرب أو جامع، يظن أن الشمس قد غربت،
أو أن الفجر لم يطلع، فبان خلافه فقد
ذهب الأئمة الأربعة: أن صومه قد يبطل،
لأنه فعل ما ينافي الصيام، وهو الأكل
في نهار رمضان، وعليه القضاء، وإن لم
يكن عليه إثم لخطئه.
وقال
إسحاق بن راهويه وداود: صومه صحيح،
ولا قضاء عليه، وحكى ذلك عن عطاء
وعروة بن الزبير والحسن البصري
ومجاهد.
واحتجوا
بما رواه البيهقي عن زيد بن وهب قال:.
(بينما
نحن جلوس في مسجد المدينة في رمضان،
والسماء متغيمة، فرأينا أن الشمس قد
غابت، وأنَّا قد أمسينا، فأخرجت لنا
عساس من لبن من بيت حفصة، فشرب عمر رضي
الله عنه وشربنا، فلم نلبث أن ذهب
السحاب، وبدت الشمس فجعل بعضنا يقول
لبعض: نقضي يومنا هذا فسمع بذلك عمر:
فقال: والله لا نقضيه، وما تجانفنا
لإثم (إسناد هذه الرواية صحيح، ولكن
البيهقي تكلم فيها، لأنها خالفت
الروايات الأخرى قال: وزيد ثقة، إلا
أن الخطأ غير مأمون. انظر: -المجموع 310/6،311،
ولكن كلام ابن تيمية الآتي يؤيد ما
رواه زيد: وبخاصة أنها رواية واضحة
معللة، فيستبعد الخطأ فيها).
وأيضًا
فقد ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت
أبي بكر قالت: أفطرنا يومًا من رمضان
في غيم على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثم طلعت الشمس.
قال شيخ
الإسلام ابن تيمية: (وهذا يدل على
شيئين):.
الأول:
على أنه لا يُستحب مع الغيم التأخير
إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا
ذلك ولم يأمرهم به النبي صلى الله
عليه وسلم، والصحابة مع نبيهم أعلم
وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم.
والثاني:
لا يجب القضاء، فإن النبي صلى الله
عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك،
كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل ذلك دل
على أنه لم يأمرهم به.
فإن قيل:
فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا
بالقضاء؟ قال أو بدُّ من القضاء؟.
قيل:
هشام قال ذلك برأيه: لم يرو ذلك في
الحديث، ويدل على أنه لم يكن عنده
بذلك علم: أن مُعمَّرًا روى عنه قال:
سمعت هشامًا قال: لا أدري أقضوا أم لا؟
ذكر هذا وهذا عنه البخاري. والحديث
رواه عن أمه فاطمة بنت المنذر عن
أسماء.
وقد نقل
هشام عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا
بالقضاء، وعروة أعلم من ابنه، وهذا
قول إسحاق بن راهويه - وهو قرين أحمد
بن حنبل، ويوافقه في المذهب: أصوله
وفروعه.
وقد كان
أحمد بن حنبل إذا سُئل عن إسحاق يقول:
أنا أُسأل عن إسحاق؟ وإسحاق يُسأل عني.
وأيضًا:
فإن الله قال في كتابه: (وكلوا واشربوا
حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
الأسود من الفجر) وهذه الآية مع
الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله
عليه وسلم تبين أنه مأمور بالأكل إلى
أن يظهر الفجر، فهو مع الشك في طلوعه
مأمور بالأكل كما قد بسط في موضعه (فتاوى
شيخ الإسلام 231/25-233).
من
أكل أو شرب ناسيًا
الإنسان
بطبيعته عرضة للنسيان، حتى قال
الشاعر:.
وما
سُمي الإنسان إلا لنسيه وما القلب إلا
أنه يتقلب!.
ولقد
وصف القرآن أبا البشر آدم بالنسيان
لأهم تكليف كلف به وهو الامتناع عن
الأكل من الشجرة، قال تعالى: (ولقد
عهدنا إلى آدم من قبل فنسي).
ووصف
فتى موسى به: (فإني نسيت الحوت وما
أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) (الكهف:
63).
ومن
واقعية الشريعة الإسلامية ويسرها:
أنها راعت هذا الجانب في الإنسان
فأعلنت رفع الإثم عن الناسي، ومثله
المخطئ والمكره، لأن المسئولية ثمرة
القصد والإرادة، وهؤلاء لا إرادة لهم.
لهذا
جاء في الحديث: "إن الله وضع عن أمتي
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"
(رواه ابن ماجة عن أبي هريرة وابن عباس
وأبي ذر).
وفي
القرآن الكريم: (ربنا لا تؤاخذنا إن
نسينا أو أخطأنا) (البقرة: 286).
وفي
الصحيح: "إن الله تعالى قال: قد قبلت"
أي أجاب الدعاء.
وفي هذا
الإطار جاء الحكم النبوي بشأن الصائم
الذي ينسى فيأكل أو يشرب وهو غير ذاكر
لصومه، فلم يعتبر أكله ولا شربه في
حال النسيان قاطعًا لصومه، بل هو رزق
ساقه الله إليه، وصومه صحيح.
يقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من
أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه، فإنما
أطعمه الله وسقاه" (رواه الجماعة عن
أبي هريرة).
وفي لفظ:
"إذا أكل الصائم ناسيًا، أو شرب
ناسيًا، فإنما هو رزق ساقه الله إليه
ولا قضاء عليه" (رواه الدارقطني في
سننه -178/2 وقال: إسناد صحيح، رواته
كلهم ثقات).
وفي لفظ:
"من أفطر يومًا من رمضان ناسيًا فلا
قضاء عليه ولا كفارة" (رواه
الدارقطني أيضًا -178/2 وأخرجه ابن
خزيمة وابن حبان والحاكم، قال الحافظ
في بلوغ المرام: وهو صحيح -542).
قال ابن
القيم في إسقاط القضاء عمن أكل أو شرب
ناسيًا:.
(إن الله
هو الذي أطعمه وسقاه، فليس هذا الأكل
والشرب يضاف إليه فيفطر به، فإنما
يفطر بما فعله، وهذا بمنزلة أكله
وشربه في نومه، إذ لا تكليف بفعل
النائم، ولا بفعل الناسي) (زاد المعاد
-59/2 ط. الرسالة).
وهذا
أمر أجمع عليه الفقهاء لولا خلاف مالك
وابن أبي ليلى: أن من أكل أو شرب
ناسيًا فقد بطل صومه، ولزمه القضاء!.
ولعلهما
لم يبلغهما الحديث، وهو حجة ظاهرة.
وفرق
بعض العلماء بين القليل والكثير من
الطعام، وظاهر الحديث عدم الفرق.
ويؤيد ذلك ما رواه أحمد عن أم إسحاق،
أنها كانت عند النبي صلى الله عليه
وسلم، فأتى بقصعة من ثريد، فأكلت معه،
ثم تذكرت أنها صائمة، فقال لها ذو
اليدين، الآن بعد ما شبعت؟! فقال لها
النبي صلى الله عليه وسلم: "أتمي
صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك"
(انظر: نيل الأوطار –283/4-284)