الصفحة الرئيسة / صفحة رمضان  
 

الصيام وحكمته


ثلاث طرق لإثبات رمضان

وقد أثبتت الأحاديث الصحاح: أن شهر رمضان يثبت دخوله بواحدة من ثلاث طرق:

1- رؤية الهلال.

2- أو إكمال عدة شعبان ثلاثين.

3- أو التقدير للهلال.

الطريقة الأولى: (رؤية الهلال)

فأما الرؤية فقد اختلف فيها الفقهاء: أهي رؤية واحد عدل، أم رؤية عدلين اثنين، أم رؤية جَمّ غفير من الناس؟.

فمن قال: يقبل شهادة عدل واحد، استدل بحديث ابن عمر، قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بصيامه (رواه أبو داود -2342 والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم، قال الدارقطني: تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة. ذكره النووي في المجموع 276/6).

وبحديث الأعرابي الذي شهد عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى الهلال، فأمر بلالاً فنادى في الناس: أن يقوموا ويصوموا (رواه أبو داود -2341 والترمذي مرسلاً ومسندًا وقال: فيه اختلاف -691 والنسائي وقال: المرسل أولى بالصواب وابن ماجه 1652). وفي سنده مقال.

كما قالوا: إن الإثبات بعدل واحد أحوط للدخول في العبادة، وصيام يوم من شعبان أخف من إفطار يوم من رمضان.

ومن اشترط في الرؤية عدلين، استدل بما روى الحسين بن حريث الحدلي، قال: خطبنا أمير مكة: فقال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك لرؤيته، فإن لم نره فشهد شاهدان عدلان نسكنًا بشهادتهما (ذكره في حاشية ابن عابدين نقلاً عن البحر -92/2).

وقياسًا على سائر الشهور، فإنها تثبت بشهادة عدلين.

أما من اشترط الجم الغفير أو الجمع الكثير فهم الحنفية، وذلك في حالة الصحوة، فقد أجازوا في حالة الغيم أن يشهد برؤيته واحد، إذ ينشق عنه الغيم لحظة فيراه واحد ولا يراه غيره من الناس.

ولكن إذا كانت السماء مصحبة، ولا قتر ولا سحاب ولا علة ولا حائل يحول دون الرؤية، فما الذي يجعل واحدًا من الناس يراه دون الآخرين؟.

لهذا قالوا: لابد من إخبار جمع عظيم، لأن التفرد من بين الجم الغفير بالرؤية - مع توجههم طالبين لما توجه هو إليه، مع فرض عدم المانع، وسلامة الأبصار، وإن تفاوتت في الحدة - ظاهر في غلطه (ذكره في حاشية ابن عابدين نقلاً عن البحر 92/2).

وأما خبر ابن عمر والأعرابي - وفيهما إثبات الهلال برؤية واحد - فقد قال العلامة رشيد رضًا في تعليقه على (المغني): (ليس في الخبرين أن الناس تراءوا الهلال فلم يره إلاً واحد، فهما في غير محل النزاع، ولا سيما مع أبي حنيفة وبهذا يبطل كل ما بني عليهما) (انظر: التعليق على المغني مع الشرح الكبير -93/3).

وأما عدد الجمع العظيم فهو مفوض إلى رأي الإمام أو القاضي من غير تقدير بعدد معين على الصحيح (انظر: الاختيار شرح المختار -129/1).

ومن الواجب على المسلمين التماس الهلال يوم التاسع والعشرين من شعبان عند الغروب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إلا أنه واجب على الكفاية.

والطريقة الثانية: (إكمال عدة شعبان ثلاثين)

إكمال عدة شعبان ثلاثين، سواء كان الجو صحوًا أم غائمًا، فإذا تراءوا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ولم يره أحد، استكملوا شعبان ثلاثين.

وهنًا يلزم أن يكون ثبوت شعبان معروفًا منذ بدايته، حتى تعرف ليلة الثلاثين التي يتحرى فيها الهلال، ويستكمل الشهر عند عدم الرؤية.

وهذا أمر يقع فيه التقصير، لأن الاهتمام بإثبات دخول الشهور لا يحدث إلا في أشهر ثلاثة فقط: رمضان: لإثبات الدخول في الصيام، وشوال: لإثبات الخروج منه، وذي الحجة: لإثبات يوم عرفة وما بعده.

وينبغي على الأمة، وعلى أولي الأمر فيها التدقيق في إثبات الشهور كلها، لأن بعضها مبني على بعض.

والطريقة الثالثة: (التقدير للهلال):

هي التقدير للهلال عند الغيم، أو كما قال الحديث: "إذا غُمَّ عليكم" أو "غُمِّيَ عليكم" أو "غَبِيَ عليكم" أي حال دونه حائل ففي بعض الروايات الصحيحة، ومنها مالك عن نافع عن ابن عمر، وهي السلسلة الذهبية، وأصح الأسانيد عند البخاري: "إذا غُمّ عليكم فاقدروا له" فما معنى: "اقدروا له"؟؟.

قال الإمام النووي في المجموع

(قال أحمد بن حنبل وطائفة قليلة: معناه: ضيقوا له، وقدروه تحت السحاب، من "قدر" بمعنى ضيق كقوله (قدر عليه رزقه) وأوجب هؤلاء صيام ليلة الغيم.

وقال مطرف بن عبد الله - من كبار التابعين - وأبو العباس بن سريج وابن قتيبة وآخرون: معناه: قدروه بحسب المنازل.

وقال أبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف: معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا.

واحتج الجمهور بالروايات التي ذكرناها، وكلها صحيحة صريحة: "فأكملوا العدة ثلاثين"، "فاقدروا له ثلاثين"، وهي مفسرة لرواية: "فاقدروا له" المطلقة) (المجموع -270/6). ا هـ.

ولكن الإمام أبا العباس بن سريج لم يحمل إحدى الروايتين على الأخرى بل نقل عنه ابن العربي: أن قوله: فاقدروا له": خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله: "أكملوا العدة": خطاب للعامة (انظر: فتح الباري -23/6 طـ. الحلبي).

واختلاف الخطاب باختلاف الأحوال أمر وارد، وهو أساس لتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال.

قال الإمام النووي في المجموع

(ومن قال بحساب المنازل، فقوله مردود، بقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب" الحديث.

قالوا: ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم، لأنه لا يعرف الحساب إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار) (المجموع (270/6) طـ. المنيرية).

والحديث الذي احتج به الإمام النووي - رحمه الله - لا حجة فيه، لأنه يتحدث عن حال الأمة، ووصفها عند بعثته لها عليه الصلاة والسلام، ولكن أميتها ليست أمرًا لازما ولا مطلوبًا، وقد اجتهد عليه الصلاة والسلام أن يخرجها من أميتها بتعليم الكتابة، وبدأ بذلك منذ غزوة بدر، فلا مانع أن يأتي طور على الأمة تكون فيه كاتبة حاسبة. والحساب الفلكي العلمي الذي عرفه المسلمون في عصور ازدهار حضارتهم وبلغ في عصرنا درجة من الرقي تمكن بها البشر من الصعود إلى القمر، هو شيء غير التنجيم أو علم النجوم المذموم في الشرع.

وأما الاعتبار الآخر الذي ذكره النووي، وهو أن الحساب لا يعرفه إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار، فقد يكون صحيحًا بالنسبة إلى زمنه رحمه الله، ولكنه ليس صحيحًا بالنسبة إلى زمننا، الذي أصبح الفلك يدرس فيه في جامعات شتى، وغدت تخدمه أجهزة ومراصد على مستوى رفيع وهائل من الدقة. وقد أصبح من المقرر المعروف عالميًا اليوم: أن احتمال الخطأ في التقديرات العلمية الفلكية اليوم هو نسبة (1) إلى (100000) في الثانية.

كما أن البلدان الكبار والصغار الآن أصبحت متقاربة وكأنما هي بلد واحد، بل غدًا العالم كما قيل (قرية كبرى)!.

ونقل الخبر من قطر إلى آخر، ومن مشرق إلى مغرب، وبالعكس لا يستغرق ثواني معدودة.

وقد ذهب أبو العباس ابن سريج من أئمة الشافعية، إلى أن الرجل الذي يعرف الحساب، ومنازل القمر، إذا عرف بالحساب أن غدًا من رمضان فإن الصوم يلزمه، لأنه عرف الشهر بدليل، فأشبه ما إذا عرف بالبينة، واختاره القاضي أبو الطيب، لأنه سبب حصل له به غلبة ظن، فأشبه ما لو أخبره ثقة عن مشاهدة.

وقال غيره: يجزئه الصوم ولا يلزمه.

وبعضهم أجاز تقليده لمن يثق به (انظر: المجموع -279/6،280)..

وقد ذهب بعض كبار العلماء في عصرنا إلى إثبات الهلال بالحساب الفلكي العلمي القطعي. وكتب في ذلك المحدث الكبير العلامة أحمد محمد شاكر رسالته، في (أوائل الشهور العربية: هل يجوز إثباتها شرعًا بالحساب الفلكي؟) وأيد ذلك بحجة قوية خلاصتها: إن اعتماد الرؤية كان لأمية الأمة، التي لم تكن تكتب ولا تحسب، فإذا تغير وضع الأمة، وأصبحت تكتب وتحسب، وغدت قادرة على الاعتماد على نفسها - لا على غير المسلمين - في إثبات الشهور بالحساب العلمي الدقيق، كان عليها أن تعتمد الحساب بدل الرؤية، لأنها وسيلة أدق وأضبط وأقرب إلى توحيد كلمة المسلمين، بدل هذا الاختلاف الشاسع الذي نراه في كل صيام وفطر، بين أقطار الإسلام بعضها وبعض، إلى حد يصوم بعضهم الخميس وبعضهم الجمعة، وبعضهم السبت مثلاً (كما حدث في بدء رمضان هذا العام -1409 هـ)..

وقبله كتب العلامة السيد/ رشيد رضا داعيًا للعمل بالحساب القطعي، في مجلة المنار، وفي تفسيره لآيات الصيام.

ومن المنادين بهذا الرأي في عصرنا الفقيه الكبير الشيخ مصطفى الزرقا "حفظه الله".

والذي يظهر من الأخبار أن الذي رفضه الفقهاء من علم الهيئة أو الفلك هو ما كان يسمى (التنجيم) أو (علم النجوم) وهو ما يدعى فيه معرفة بعض الغيوب المستقبلية عن طريق النجوم، وهذا باطل، وهو الذي جاء فيه الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن ابن عباس مرفوعا: "من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر" (رواه أبو داود في الطب -3905 ؛ وابن ماجه في الأدب -3726 ؛ وأحمد في المسند -2000 ؛ وقال شاكر: إسناده صحيح، وصححه النووي في الرياض والذهبي في الكبائر كما في فيض القدير -80/6).

وقال الإمام ابن دقيق العيد

(الذي أقول: إن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون، فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو بيومين وفي اعتبار ذلك إحداث شرع لم يأذن به الله . وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع على وجه يرى، لكن وجد مانع من رؤيته كالغيم، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي) ا هـ.

وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: (لكن يتوقف قبول ذلك على صدق المخبر به، ولا نجزم بصدقه إلا لو شاهد، والحال أنه لم يشاهد، فلا اعتبار بقوله إذن، والله أعلم) (تلخيص الحبير مع المجموع -366/6،267).

ولكن علم الفلك الحديث يقوم على المشاهدة بوساطة الأجهزة وعلى الحساب الرياضي القطعي.

ومن الخطأ الشائع لدى كثير من علماء الدين في هذا العصر: اعتقادهم أن الحساب الفلكي هو حساب أصحاب التقاويم، أو النتائج، التي تطبع وتوزع على الناس، وفيها مواقيت الصلاة، وبدايات الشهور القمرية ونهايتها، وينسب هذا التقويم إلى زيد، وذاك إلى عمرو، من الناس، الذين يعتمد معظمهم على كتب قديمة ينقلون منها تلك المواقيت، ويصفونها في تقويماتهم.

ومن المعروف أن هذه التقاويم تختلف بين بعضها وبعض، فمنها: ما يجعل شعبان (29) يومًا، ومنها ما يجعله (30) وكذلك رمضان، وذو القعدة وغيرها.

ومن أجل هذا الاختلاف رفضوها كلها، لأنها لا تقوم على علم يقيني، لأن اليقين لا يعارض بعضه بعضا.

وهذا صحيح بلا ريب، ولكن ليس هذا هو الحساب العلمي الفلكي الذي نعنيه.

إن الذي نعنيه هو ما يقرره علم الفلك الحديث، القائم على المشاهدة والتجربة والذي غدًا يملك من الإمكانات العلمية والعملية (التكنولوجية) ما جعله يصل بالإنسان إلى سطح القمر، ويبعث بمراكز فضائية إلى الكواكب الأكثر بعدًا، وغدت نسبة احتمال الخطأ في تقديراته (1) إلى (100000) واحدًا إلى مائة ألف في الثانية. وأصبح من أسهل الأمور عليه أن يخبرنا عن ميلاد الهلال فلكيًا، وعن إمكان ظهوره في كل أفق بالدقيقة والثانية، لو أردنا.

وقد كنت ناديت منذ سنوات بأن نأخذ بالحساب الفلكي القطعي - على الأقل - في النفي، لا في الإثبات، تقليلاً للاختلاف الشاسع الذي يحدث كل سنة في بدء الصيام وفي عيد الفطر، إلى حد يصل إلى ثلاثة أيام بين بعض البلاد الإسلامية وبعض. ومعنى الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية وفقًا لرأي الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا، ولكن إذا نفي الحساب إمكان الرؤية، وقال: إنها غير ممكنة لأن الهلال لم يولد أصلاً في أي مكان من العالم الإسلامي، كان الواجب ألا تقبل شهادة الشهود بحال، لأن الواقع - الذي أثبته العلم الرياضي القطعي - يكذبهم، بل في هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلاً، ولا تفتح المحاكم الشرعية ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينية أبوابها، لمن يريد أن يدلي بشهادة عن رؤية الهلال.

هذا ما اقتنعت به وتحدثت عنه في فتاوى ودروس ومحاضرات وبرامج عدة، ثم شاء الله أن أجده مشروحًا مفصلاً لأحد كبار فقهاء الشافعية وهو الإمام تقي الدين السبكي (ت 756هـ) الذي قالوا عنه: إنه بلغ مرتبة الاجتهاد.

فقد ذكر السبكي في فتاواه: أن الحساب إذا نفى إمكان الرؤية البصرية فالواجب على القاضي أن يرد شهادة الشهود، قال: (لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارض القطع، فضلاً عن أن يقدم عليه).

وذكر أن من شأن القاضي أن ينظر في شهادة الشاهد عنده، في أي قضية من القضايا، فإن رأي الحس أو العيان يكذبها ردها ولا كرامة، قال: والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنًا حسًا وعقلاً وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكان استحال القبول شرعًا، لاستحالة المشهود به، والشرع لا يأتي بالمستحيلات.

أما شهادة الشهود فتحمل على الوهم أو الغلط أو الكذب أ.هـ (انظر: فتاوى السبكي –219/1،220 نشر مكتبة القدسي بالقاهرة).

ثبوت دخول الشهر بالنهار

إذا قامت البينة بإثبات دخول رمضان في أثناء النهار لزم المكلف الإمساك بقيته، لتعذر إمساك جميع اليوم، فوجب أن يأتي بما يقدر عليه لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن :16).

وهل يلزمه قضاء هذا اليوم؟ قولان للعلماء:.

الأول: وهو رأي الجمهور: يقضي.

الثاني: لا يقضي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (المبدع في شرح المقنع -12/3). كما لو لم يعلم بالرؤية إلا بعد الغروب.

واستدل ابن حزم بما رواه مسلم في صحيحه عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة:.

"من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه.

وعن سلمة بن الأكوع: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس: "من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل".

وروى البخاري عن سملة نحوه أيضا.

قال ابن حزم: (ويوم عاشوراء هو كان الفرض حينئذ صيامه.. فكان هذا حكم صوم الفرض.. وإنما نزل هذا الحكم فيمن لم يعلم بوجوب الصوم عليه - من ناس أو جاهل أو نائم - فحكمهم كلهم هو الحكم الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، من استدراك النية في اليوم المذكور، متى علموا بوجوب صومه عليهم، وسمى عليه السلام من فعل ذلك صائمًا، وجعل فعله صومًا، وبالله تعالى التوفيق) (انظر المحلي -461/6-463- مطبعة الإمام، المسألة -729).

حقائق ينبغي أن يتفق عليها

وينبغي أن أؤكد هنا حقائق ثلاثًا، ينبغي ألا يختلف عليها:.

الأولى: أن في هذا الأمر - أعني ما يتعلق بإثبات دخول الشهر - سعة ومرونة بالنظر إلى نصوص الشرع، وأحكامه، واختلاف العلماء في هذا المقام توسعة ورحمة للأمة.

فمن أثبت دخول الشهر بعدل أو عدلين، أو اشترط جما غفيرًا لم يبعد عما قال به بعض فقهاء الأمة المعتبرين.

بل من قال بالحساب وجد له في السلف قائلا، منذ عهد التابعين فمن بعدهم.

ومن اعتبر اختلاف المطالع، ومن لم يعتبرها له سلفه، وله دليله ووجهته.

فلا يجوز أن ينكر على من أخذ بأحد هذه المذاهب والاجتهادات، وإن رآها هو خطأ، إذ القاعدة: لا إنكار في المسائل الاجتهادية.

الثانية: أن الخطأ في مثل هذه الأمور مغتفر، فلو أخطأ الشاهد الذي شهد بأنه رأى هلال رمضان، أو شوال، وترتب عليه أن صام الناس يوما من شعبان أو أفطروا يوما من رمضان، فإن الله تعالى أهل لأن يغفر لهم خطأهم، وقد علمهم أن يدعوا فيقولوا: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة :286).

حتى لو أخطأوا في هلال ذي الحجة، ووقفوا بعرفة يوم الثامن أو العاشر، في الواقع ونفس الأمر، فإن حجهم صحيح ومقبول، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

الثالثة: أن السعي إلى وحدة المسلمين في صيامهم وفطرهم، وسائر شعائرهم وشرائعهم، أمر مطلوب دائمًا، ولا ينبغي اليأس من الوصول إليه ولا من إزالة العوائق دونه، ولكن الذي يجب تأكيده وعدم التفريط فيه بحال، هو: أننا إذا لم نصل إلى الوحدة الكلية العامة بين أقطار المسلمين في أنحاء العالم، فعلى الأقل يجب أن نحرص على الوحدة الجزئية الخاصة بين أبناء الإسلام في القطر الواحد.

فلا يجوز أن نقبل بأن ينقسم أبناء البلد الواحد، أو المدينة الواحدة، فيصوم فريق اليوم على أنه من رمضان، ويفطر آخرون على أنه من شعبان، وفي آخر الشهر تصوم جماعة، وتعيّد أخرى فهذا وضع غير مقبول.

فمن المتفق عليه أن حكم الحاكم، أو قرار ولي الأمر يرفع الخلاف في الأمور المختلف فيها.

فإذا أصدرت السلطة الشرعية المسؤولة عن إثبات الهلال في بلد إسلامي - المحكمة العليا، أو دار الإفتاء، أو رئاسة الشؤون الدينية، أو غيرها - قرارها بالصوم أو بالإفطار، فعلى مسلمي ذلك البلد الطاعة والالتزام، لأنها طاعة في المعروف، وإن كان ذلك مخالفًا لما ثبت في بلد آخر، فإن حكم الحاكم هنا رجح الرأي الذي يقول: إن لكل بلد رؤيته.

وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون" (الترمذي، وقال: حسن غريب -697). وفي لفظ: "وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون" (أبو داود -2324 ؛ وابن ماجه -1660 بلفظ "الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون" رواه من طريق حماد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال الشيخ شاكر: وهذا إسناد صحيح جدًا على شرط الشيخين ا هـ).

وقد روى أبو داود هذا الحديث تحت عنوان: (باب إذا أخطأ القوم الهلال)، قال الإمام الخطابي: معنى الحديث: أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوما اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، فلا شيء عليهم من وزر أو عنت، وكذلك هذا في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، فإنه ليس عليهم إعادته ويجزيهم أضحاهم كذلك، وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده.



ساهم في بناء صفحة رمضان
صور - رسومات - كتابات
ramadan@islam-online.net

 

قال صلى الله عليه وسلم

أعيـــــادنا

 

دعوناك ربنا

 

من قلوب العلماء

 

المسلم الصغير

 

نفحات رمضان

 

فقه الصيام

 

المسابقة الكبرى

 

حدث في رمضان

 

رمضان حول العالم

 

ابتسامات

 

العالم في رمضان

 

تهاني رمضانية

 

مساهمات الزائرين

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع