|
تتجلى
السعادة بأبهى صورها في ملامح
الحاجة أم زهدي التي تحمل دفء 55
عاماً من العمر وهي منهمكة في
إعداد طعام الغداء وحولها بناتها
وزوجات أبنائها يدرن في أركان
البيت كخلية النحل لإتمام
إعدادات الاحتفال بـ "الشعبونية".
والشعبونية
هي إحدى العادات القديمة التي ما
زال يتمسك بها أهل مدينة نابلس
بالضفة الغربية دون سواهم في
بقية المدن الفلسطينية، إذ
يحرصون خلال شهر شعبان على
التواصل مع الجيران والأقارب
وصلة الأرحام ومساندة الفقراء
وأسر الشهداء والأسرى وشحذ الهمم
استعداداً لاستقبال الشهر
الفضيل "رمضان".
الصلح
خير.. والزواج أيضاً
تتجلى
قيم إيمانية وخلقية في الشعبونية
بالصفح والمصالحة، حيث يستغل
الأقارب تلك المناسبة للصفح عن
ما سلف وإصلاح ذات البين.
تسرد
أم عدنان (60 عاما) تجربتها مع
أبنائها في الشعبونية قائلة: "مر
ما يقارب ثمانية أشهر على سوء
العلاقة بين ولدي اللذين اختلفا
في بيع أحد العقارات لبعضهما،
ووقعت بينهما قطيعة كبيرة، وقد
حاول بعض الأصدقاء والأقارب
صلحهما دون جدوى، وبفضل الله
جمعتهما في الشعبونية هذا العام،
فزال ما بينهما من خلاف، واتفقا
على العقار وبيعه، وعادا إلى
سابق عهدهما من ود وأخوة".
ويمثل
الاحتفال بالشعبونية فرصة كبيرة
لانتقاء عروس من بين فتيات
العائلة اللاتي تجتمعن في إعداد
الطعام وتقديمه، حيث تظهر
مهارتهن المنزلية وقدرتهن في
الطبخ والتنظيف والضيافة وغيرها
من الأمور، وهو ما شجع والدة
الشاب عبد الرحيم عيسى (27 عاماً)
لتخطب له ابنة خاله التي حضرت
معهم الاحتفال هذا العام.
ويشير
عبد الرحيم بفرح إلى خاتم الخطبة
الذي يزين إصبعه قائلاً: "خمس
سنوات بقيت فيها بعيداً عن
البلدة لظروف العمل والدراسة،
ومنذ أسبوع لبيت دعوة خالي
للاحتفال بالشعبونية في بيته،
وهناك رأيت ابنته، وقد كبرت
وصارت عروساً رائعة خلقاً وديناً
وجمالاً، فقررت التقدم لخطبتها،
وبالفعل حدثت أمي في الأمر
فسارعت إلى إتمامه بعد ما رأت من
أدبها ومهارتها في تحمل مسؤوليات
المنزل، وهي الآن خطيبتي".
"العدس
والمجدرة" لصلة الرحم
"من
وصل رحمه وصله الله".. تبدو تلك
العبارة مهمة لدى المجتمع
الفلسطيني وخاصة أهالي مدينة
نابلس خاصة في شهر شعبان من كل
عام، فبعيداً عن كون الشعبونية
تتمثل بالعزائم وطهي أصناف خاصة
من الأطعمة إلا أنها تجسد معاني
مجتمعية ودينية تدعم التواصل
الأسري.
يقول
الحاج محمود عوض 65 عاما:" كان
الاحتفال بالشعبونية قديماً
مقتصراً على ألأسر الميسورة التي
تظل توزع الطعام على القريب
والبعيد لمدة 7 أيام، ثم انتقلت
العادة إلى العائلات المتوسطة
والفقيرة ولكنها لم تقم الولائم
والأطباق الشهية وإنما اقتصرت
على العدس والمجدرة لمدة ثلاثة
أيام فقط ثم ينام الجميع بعد صلاة
العشاء مباشرة فلا سهر ولا سمر
استعداداً لصلاة الفجر، وأيًّا
كان الطعام المقدم فقد أصبحت
الشعبونية فرصة ليجتمع أبنائي
وبناتي وزوجاتهم وأولادهم حولنا
في ظل ظروف تحول دون أن يزور الأخ
أخته أو ابنته".
الفقراء
يحتفلون
يتميز
المجتمع الفلسطيني بأسر الشهداء
والأسرى الذين تحرص باقي الأسر،
خاصة الميسورين على زيارتهم
وتقديم الدعم المادي والمعنوي
لهم ليتمكنوا كذلك من الاحتفال
بالشعبونية.
فبالرغم
من سنوات عمره القليلة (18 عاماً)
يظل محمود عزت خلال شهر شعبان
يدور على بيوت نابلس ليجمع
التبرعات والدعم ويعيد توزيعها
على أسر الشهداء والأسرى، ويوضح
مدى سعادته بهذا العمل قائلاً:
"لا أشعر ببهجة الاحتفال
بالشعبونية إلا وأنا بين باقي
الشباب نشتري للأطفال الحلوى
والطعام والملابس ونجمع
التبرعات ونقدمها للمحتاجين من
أهل المدينة لنكون بذلك قد
أعناهم على الاحتفال بالشعبونية
وتعزيز قيم التواصل بين الأغنياء
والفقراء".
أما
أم بهاء (40 عاماً) زوجة أحد
الشهداء فتقول: "منذ أربعة
أعوام وأنا أتلقى المساعدات من
أهل الخير لمساندتنا لإحياء تلك
العادة في هذا الشهر الكريم، حيث
أقوم بدعوة ابنتي وأولادها
لتناول الطعام والمبيت عندي
لليلة واحدة.. وبالرغم من عجزي عن
تقديم الكثير لها إلا أنني أشعر
بالسعادة لأنني استطعت أن أحتفل
مثل الناس ولو بالقليل".
شعلة
الشعبونية تضيء نابلس
وبعيدًا
عن الطعام وصلة الرحم وغيرها من
مظاهر الشعبونية في نابلس تبقى
الشعلة هي الحلقة الأهم، خاصة
عند الشباب الذين يجتمعون ليلة
الخامس والعشرين من شعبان "ليلة
الشعلة"، ويقومون بإشعال شعلة
نارية كبيرة يحملونه على عصا،
ويجوبون شوارع المدينة مكبرين
ومبتهجين بشهر شعبان واحتفالاً
بقدوم رمضان شهر الخير والوئام.
صايل
خالد (14 عاماً) يوضح في حماس: "كل
فتيان نابلس ينتظرون ليلة الشعلة
بفارغ الصبر لما لها من بهجة ومرح
ويتسابقون ويقترعون على حمل
الشعلة، حيث نجتمع في مسيرة
كبيرة يقودها حامل الشعلة لنجوب
شوارع المدينة، وقد أضاء كل بيت
شمعة أو شعلة مماثلة، فتبدو
المدينة كلها كألف شمس أشرقت في
تلك الليلة البهية بانتظار شروق
شمس شهر رمضان المعظم".
"الشعبونية"
بدعة حسنة
وحول
أصل هذه العادة في نابلس وكيفية
ممارستها يقول د.ماهر أبو زنط
أستاذ علم الاجتماع بجامعة
النجاح الوطنية: "منذ اليوم
الأول من شهر شعبان تتحول مدينة
نابلس إلى خلية "صلة رحم"
تتمثل في دعوات إلى تناول طعام
الغداء ليوم واحد بينما كانت في
السابق تمتد إلى ثلاثة أيام وحتى
أسبوع ولكن تغير الزمان وسرعة
الحياة قلصها إلى يوم واحد وتبقى
السمة الهامة هي المحافظة عليها
وإحيائها كل عام.
والمدعوون
إلى مثل هذه الولائم يكونون في
العادة من الأهل والأقارب
المباشرين والبعيدين، حيث يدعو
رب العائلة بناته المتزوجات
وأسرهن لتناول طعام الغداء
والمبيت عنده مع أولادهن الصغار
في حين ينصرف الزوج بعد تناول
الطعام مباشرة ولا يبيت لدى أهل
زوجته، كما أن الدعوات تشمل
الأخوات سواء كن متزوجات أو غير
متزوجات وكذلك العمات والخالات.
ويضيف
د.خضر سوندك أستاذ الفقه وعميد
كلية الشريعة بجامعة النجاح
الوطنية: لقد اعتاد أهالي نابلس
على تلك العادة منذ زمن بعيد جدا،
وبالرغم من عدم ثبوت أصلي لها في
السنة أو أفعال الصحابة الكرام
فإنني لا أرى فيها ما يخالف الشرع
بل العكس هو الصحيح، إذ يتم توظيف
هذه المناسبة لإحياء قيم التكافل
والتزاور وصلة الرحم وإصلاح ذات
البين وتعظيم شعائر الله وتهيئة
الأجواء لاستقبال شهر رمضان
الكريم.
كما
أن تعظيم شهر شعبان أمر وارد في
سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم،
إذ يمتاز هذا بخاصية دينية
عظيمة، فالنبي صلى الله عليه
وسلم كان أكثر ما يكون تقربا إلى
الله تعالى بعد رمضان في شعبان،
حيث كان يصوم معظم الشهر ويقومه،
وقد قال الرسول صلى الله عليه
وسلم: (ذاك شهر يغفل الناس عنه،
بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه
الأعمال إلى رب العالمين، فأحب
أن يرفع عملي وأنا صائم) عن أسامة
بن زيد رضي الله عنه قال: قلت يا
رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من
الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: (ذاك
شهر يغفل الناس عنه، بين رجب
ورمضان، وهو شهر ترفع فيه
الأعمال إلى رب العالمين، فأحب
أن يرفع عملي وأنا صائم).
لكن
ما هو مرفوض ديناً ومروءة هو
توظيف هذا الأمر بصورة تخالف
الشرع، كما يحدث في بعض البلاد
العربية التي تحتفل بالشعبونية
كذلك، ولكن من خلال الإفراط في
المعاصي استعداد لشهر رمضان الذي
يجتنبونها فيه، وكأن شهر رمضان
سجن يستعدون قبل دخوله باللعب ما
استطاعوا من الملذات واللهو
الحرام، وإننا نربأ بالمسلمين عن
هذا السلوك المشين الذي يدل على
عدم وعي وفهم بحقائق الدين وجوهر
عبادة الصيام. |